«الفن الإسلامي» مصطلح واسع يشمل العمارة والفنون التطبيقية والحرف والصناعات اليدوية والخط العربي وضروباً أخرى كثيرة، ارتبطت تارة بالعمارة وتارة أخرى بفنون الكتاب والحياة اليومية للإنسان المسلم، سواء الدينية أو المدنية.

«الفن الإسلامي» تحت هذا العنوان، زار دمشق قبل مدة من الزمن، معرض شامل ومهم، ألقى الضوء على جوانب من هذه الفنون، عاكساً عبر مجموعة كبيرة من الصور الضوئية الوثائقية والفنية في آنٍ معاً، أبرز مظاهر العمارة الإسلامية في العالم المعاصر، وبعض الفنون والرسوم والكتابات، ونماذج من العمارة الداخلية.

أو ما عُرف في السابق باسم (التزيين) و(الزخرفة) وما يُعرف حالياً باصطلاح (الديكور) الذي يشمل عناصر الزخرفة المختلفة، والنسيج والأثاث والكتابات..وغير ذلك. غير أن اللافت في هذا المعرض تلك الإضاءات التي سلطتها الصور الضوئية على العمارة الإسلامية الحديثة في العديد من دول العالم في الشرق والغرب، خاصة تلك التي خرجت عن المألوف والسائد الذي رأيناه في المراحل الأولى من نشوء الحضارة الإسلامية .

وما تلاها، في بلداننا العربية واسبانيا والاتحاد السوفييتي السابق وإيران والهند وباكستان والذي أشيع تحليلاً ودراسة، وصدر حوله مجلدات عديدة، أما العمارة الإسلامية الحديثة، فلا تزال مجهولة على الاختصاصيين والباحثين.ما يستدعي عملية مسح شاملة بها، وهي كما يبدو تحمل خبرات هندسية جديدة يمكن أن يُستفاد منها، أو تُشكل بديلاً للكثير من الطرز المعمارية التي أصبحت قديمة ولا تتلاءم مع روح العصر وفنونه الجديدة، مع ذلك، نراها تنهض هنا وهناك من دول العالم الإسلامي، وخاصة منها دولنا العربية.

فقد تعودنا أن نرى الجامع عبارة عن مئذنة وقبة ومجموعة من الأقواس والقناطر والقباب المضافة إلى القبة الرئيسية، وهي عناصر معمارية تقليدية مكرورة، اختفت من النماذج الجديدة التي قدمها المعرض، لجوامع معاصرة ومتطورة معمارياً وفنياً، توزعت على عدد من الدول منها: السودان، وبعض دول الخليج العربي، واندونيسيا وعدد من الدول الإفريقية.

المعمار المسلم خرج في تصاميمه الجديدة عن المألوف فأبدع أشكالاً معمارية تُثير العين والإحساس، وترضي الذوق، وتناجي الروح، وتؤمن وظيفة البناء ومهامه، بيسر وسهولة على أن ما يلفت الانتباه حقاً، في هذه التصاميم الحديثة للجوامع والمدارس الدينية، خاصة في الدول الإفريقية، والمنفذة بشكل عفوي وبسيط، وبأحجام صغيرة، استخدامها لمواد وخامات البيئة كالطوب الطيني، والخشب. وقد جاءت على هيئات، وكتل فراغية متحركة وجميلة ومعبرة رغم بساطتها المتناهية.

إضافة إلى الصدق والروحانية الدافئة، التي تطل منها، ما يؤكد أن الذين قاموا بإنجازها، من مهندسين مصممين وفنانين وحرفيين وعمال، مسكونين بإيمان عميق، بدينهم الحنيف أولاً، وبمهمتهم ثانياً، وهذه الخصيصة وفرت لهم فرصة سكب شعورهم وأحاسيسهم الصادقة، في المنجز الذي أبدعوه، والذي حمل بأمانة مدهشة، خصوصية البيئة الناهض فيها.

في العمارة، أوفي الفن الإسلامي بشكل عام، تبرز خصوصية البيئة من خلال التصميم الجمالي ومواد وخامات هذا الفن، فالعمارة الإسلامية في اسبانيا والمغرب العربي، اعتمدت الحجر والخشب والقرميد، وفي إفريقيا الطين والخشب.

وفي الصين واندونيسيا وتايوان وماليزيا وغيرها، اعتمدت الخشب كمادة أساسية إلى جانب الألوان الفاقعة بينما أخذت في الهند وباكستان وإيران والوطن العربي طابعاً آخر. بمعنى أن العمارة الإسلامية في هذه البلدان، تنتمي إلى نسيجها العمراني العام، محتضنة خصوصية البيئة، ومتلونة بتلاوينها.

وهذا ما يزيدها حداثة ومعاصرة وأصالة في آن معاً، رغم الوحدة العامة التي يتمتع بها الفن الإسلامي عموماً، ومردها الأساسي، وهو الإسلام نفسه الذي يؤكد على وحدانية الله، ووحدة الأمة الإسلامية، والتوق إلى الحياة الخالدة بعد الموت. يُضاف إلى ذلك وحدة الشعائر الدينية في الإسلام، خاصة الصلاة.

وهذا الأمر يُنيط بالمنجزة المعمارية الدينية، مهمة واحدة وتالياً مرافق واحدة، على اختلاف مكانها وزمانها، والأمر نفسه ينسحب على المنشآت المعمارية المدنية وملحقاتها من الفنون والحرف والصناعات، حيث تتشابه فيها المهام والوظائف، كما تتشابه وحدات التصميم والتزيين، وهو أمر لا يتعارض مع اختلاف المواد والخامات وتراث المنطقة، بل على العكس، يحقق بنوع من الإدهاش: الوحدة، والتنوع، والخصوصية.

محمود شاهين