تصرخ أم فادي على طفلها فادي وتنادي أم محمود على ابنتها «رهام» وتهرع أم سماح لتنقظ ابنتها من أنياب موسى ابن الجيران الذي ينقض في كل مرة على ابنتها «ويهريها ضرب» على حد قولها فيما تسمع الحاجة أم محمد وهي تنادي على رهام لكي تشتري لها خبزا من المخبز القريب.
هل تختلف الجيرة في رمضان عنها في الأيام العادية.. سؤال إذا أردنا الإجابة عنه بدقة فلا بد ان نطرحه على العديد من الأحياء الشعبية والراقية وتلك الأحياء التي في هويتها شيء من الأحياء الشعبية وشيء آخر من الأحياء الراقية.
تقول الحاجة أم محمد وتسكن في احدى العمارات انها تعرف كل شيء عن جيرانها، خصوصا وان الحيطان توصل الأحاديث التي تدور بصوت مرتفع وأصوات التلفزيون وأحيانا أكثر، مثلا حين يخرج الأطفال إلى المدرسة صباحا، توقظ أصوات أقدامهم على الدرج الأزواج النائمين مثل جيش راكض، كونهم جميعا يخرجون في الوقت نفسه تقريباً.
إلا أن هذا التداخل في حياة سكان العمارة لا يبدو مزعجا لأم محمد، بل على العكس فإنها تبدي كثيرا من السعادة به وتقول: يوجد بين الجارات الكثير من التعاون في مناسبات الحياة، فهن يتحدثن معا عن التكافل في أوقات «خرط الملوخية وتنشيف النعنع والعزائم الكبيرة» بينما يجتمع الرجال في مسجد الحارة خلال أوقات الصلاة خصوصا صلاة الجمعة.
وفي رمضان يبلغ تعاون العمارة ذروته في شهر رمضان حيث يوضع على سفرة كل عائلة من سكان العمارة خمسة أنواع طعام على الأقل، عقب قيام الأطفال باستبدال الصحون قبيل أذان المغرب بنصف ساعة وبعد الإفطار يكون هناك سهر وزيارات متبادلة.
وتسكن في عمارة أم محمد ثاني عائلات في احدى ضواحي عمان «النزهة» شبه الشعبية، ولكن عمارة أم محمد التي تسكن مع ولديها الشابين في احد الأحياء شبه الشعبية لا يعني ان هذا هو رأي الكل بطبيعة العلاقات الإنسانية بين الجيران.
ولان العلاقات الاجتماعية في العمارة كبيرة فان من موجبات هذه العلاقات حضور المشاكل والخلافات الجانبية والثانوية أيضا، إلا أن معظم هذه المشكلات تحدث بسبب اختلافات الأولاد أو ضرب أحدهم للآخر، وحين يصطلح الأولاد تضحك الجارات على «صغرة العقل» كما أسمتها أم محمد و«تسير الأمور على ما يرام».
ويلعب الدين الإسلامي أهمية في التأكيد على معاملة الجار، وعلى رأسها وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم. واهتمت الأمثال الشعبية بالجار اهتماما كبيرا ومنها «الجار ولو جار» و«الجار قبل الدار»، و«جارك القريب ولا أخوك البعيد».
ولكن وعلى بعد خمسة كيلومترات تقريبا من هذه العمارة يوجد حي المدينة الرياضية وتحديدا في الشوارع الراقية منه حيث العلاقات الإنسانية بين الجيران على النقيض من عمارة أم محمد، حيث الاختلاف الطبقي أفرز أيضا اختلافا في طبيعة الحراك الاجتماعي بما فيه علاقات الجيران.
تقول رنا إحدى الزوجات الشابات التي تسكن إحدى العمارات في المدينة الرياضية اسكن في هذه العمارة منذ سبع سنوات ولكني لا اعرف حتى عدد إفراد العائلات التي تسكن بقرب شقتي.
بل ان رنا الزوجة التي لديها طفلان وتبلغ من العمر 30 عاما تقول انها لا تعرف حتى أسماء جاراتها، أما الفيلات أو العمارات المقابلة للعمارة التي تسكن بها رنا فانه يكاد من المستحيل ان تعرف حتى من هي العائلات التي تسكنها.
وتعرف رنا ان ذلك مختلف عما كانت عليه أمها بين جيرانها وقالت: لا يوجد تداخلات يومية كالتي كنت أراها بين أمي وجاراتها حيث قضيت طفولتي، أنا شخصيا لا أحبذ التدخل الزائد بين الجيران، بالطبع نلتقي أحيانا في صالون الشعر أو السوبر ماركت، كما يعرف الرجال بعضهم في صلاة الجمعة، لكن ليس أكثر بالنسبة لعائلتي على الأقل.
ويفسر زوجها التباعد بين سكان المناطق الراقية بقوله «ينحسر حيز العلاقات بين الجيران مشكلا علاقة عكسية مع اتساع حيز المكان، فمعظم هذه المنازل محاطة بحدائق وأسوار بما يضمن لها خصوصيتها، ولا يوجد تراص عمراني ففي هذه المنازل ينعدم التلاصق بين المنازل مما لا يضطر الجيران إلى الالتقاء أو استعارة الملح والشاي كما كانت تفعل أمي وجاراتها».
ويظهر أن العلاقات بين الجيران لا تأخذ طابعا واحدا، فهي تختلف باختلاف المنطقة والازدحام السكاني. غير أن كل الوصايا التي أولاها الدين والمثل الشعبي في التعامل مع الجار قد توضع جانبا حين يتفاقم الخلاف ليصل إلى المحاكم، وعن هذه الحالات يتحدث المحامي محمود عمرو قائلا:
«ويلاحظ أستاذ علم الاجتماع د. سمير الفلاح ان هناك تفاوتاً في أشكال التواصل في علاقات الجيران بعضهم ببعض. ويقول ان مفهوم الجيرة لا يزال مستمرا في أحياء عمان القديمة والجديدة، إلا أنها اتخذت شكلا أكثر واقعية اليوم وأمست محكومة بالمصلحة سواء باستثمار الفائدة المعنوية أو المادية المترتبة على هذه المصلحة وتحديد مدى الاحتكاك المرغوب بناء على هذا الأساس».
عمان ـ «البيان»:
