صوت هدير الأمواج يملأ الأجواء رومانسية، ترتسم خطوطها عرضية فتندفع قوية من عمق البحر لتتكسر فوق حبيبات رمال الشاطئ، تاركة للمئات الذين يتوافدون إلى المكان متعة النظر إليها في سهرات رمضانية على ضفاف البحر هناك في عجمان.

عائلات وأطفال ومجموعات شباب أو بنات من الأصدقاء، صغاراً وكباراً تركوا البيوت والمراكز لينعموا بأجواء رمضانية مفتوحة ومنزوعة القيود، على كورنيش البحر في عجمان، الكافتيريا الوحيدة هناك تزاحمت كراسيها وصار الواقفون خلف سياج البحر ويرقبون أمواجه كثر.

وكأن رائحة دخان الشيشة بكثافتها تحاول التغلب على هدير الموج الموزون، والجميع يقضي وقتاً ممتعاً مع أمسية رمضانية على شاطئ البحر بعجمان في مشهد يتكرر على مدار ليالي الشهر الكريم، لا سيما يومي الخميس والجمعة.

على مسافة من ضجيج الزوار والمتنزهين ابتعدت مجموعات متناثرة من الشباب المواطنين وافترشت الشاطئ ببعض السجاد الذي أحضرته من بيوتها وأفرغت ما جلبته معها من أكلات شعبية أو فواكه أو حلويات بالإضافة إلى الشاي والقهوة، ثم استداروا في حلقات موسعة وبدأوا بلعب الورق أو الحديث ونقاش المشكلات والقضايا الحياتية اليومية كما يقولون، في أمسية تجبر بعضهم على الاستمرار حتى وقت السحور مع الأصدقاء على شاطئ بالقرب من الأمواج ومن فوقهم نجوم السماء تتلألأ.

سالم خلفان يعمل موظفاً في الجيش وعمره اقترب من الخمسين عاماً، متزوج وله «أولاد وايد» كما قال، وهو أحد الذين يؤمون البحر يومياً للتسالي ولعب الورق (هاند وحكم) مع أصدقاء يتوافدون من عجمان والشارقة، والكورنيش مكاناً يجتمعون فيه حتى ساعات متأخرة من الليل.

* قبل خمسة أعوام

يبدأ سالم سهرته اليومية مع الأصدقاء بعد الانتهاء من صلاة التراويح، وفي جلستهم البسيطة تلك والتي اعتادوا عليها منذ خمسة أعوام مضت يلعبون الورق ويتسامرون في أمور تهمهم، كموظفين ينتمون إلى طبقة متواضعة، حتى الساعة الثالثة والنصف صباحاً، يتوجهون بعد ذلك للصلاة في المسجد القريب ثم يعودون إلى بيوتهم للسحور مع عائلاتهم، وفي الأيام العشرة الأواخر من رمضان يتغير برنامجهم فيخصصون الكثير من وقتهم للصلاة وقيام الليل دون أن يلقوا بأوراق اللعب جانباً.

بالقرب من تلك «الجمعة الشبابية» تناثرت بعض الأواني التي تحوي مأكولات شعبية يتفرد بها شهر رمضان مثل الهريس والثريد واللقيمات، إلى جانبها حلويات أخرى معروفة عربياً مثل الكنافة وأم علي.

إضافة إلى الشاي والقهوة والبطيخ، ويتعين على كل واحد منهم إحضار ما هو متوفر في بيته، فيكون المشهد بسيطاً عفوياً ينعش شباب الموجودين ويحيي فيهم روح الصداقة والتواصل، أما الزوجة والأبناء فيخرج معهم صباح يومي الخميس والجمعة لقضاء حوائجهم.

الهواء الطلق والأجواء المفتوحة سر توافد الشباب إلى هذا المكان والالتقاء في مجلس خارجي في نظرهم أفضل من المجالس التقليدية عند المواطنين كما يقول إبراهيم عبد الرحيم الذي يعمل موظفاً حكومياً، ويضيف أن الكورنيش سواء في عجمان.

أو في الشارقة يبقى يعج بالزوار لساعات متأخرة من الليل، البعض يلعب الكرة وآخرون يدخنون الشيشة ومجموعات من الأصدقاء تلعب الورق في جلسات على الرصيف بالقرب من البحر وبأجواء تقليدية محافظة بالنسبة لها والتي تستمر لساعات متأخرة من الليل.

* طبيعة الدوام

ويوضح إبراهيم بأن طبيعة دوام هؤلاء الشباب حسب نظام المناوبة يتيح للكثيرين فرصة الالتقاء على البحر للعب الورق والحديث في أمور تهمهم كثيراً تاركين النوم وراء ظهورهم، لأن طبيعة وأجواء هذا الشهر الممتعة تسرق منهم لذة النوم، وبعض رواد هذه المجالس يحضرون معهم أبناءهم للعب بالقرب منهم على دراجاتهم الهوائية ومع الكرة لوقت محدد، فيعيدونهم إلى البيت ويرجعون لمواصلة مجلسهم مع الأصدقاء لأقصى وقت.

محمد علي يعمل في القوات المسلحة، يترك أبناءه السبعة في البيت ويمنح جلسته المفضلة وأصدقاءه وقتاً كبيراً من فراغه، يتسلى مع معارفه وربعه في أجواء جميلة ومقبولة كما يقول، فيها لعب الورق وتناول الحلويات وبعض الأكلات الشعبية المعروفة مع سيجارة وفنجان قهوة أو شاي.

* البيت الشعبي

لكن علامات تشاؤم برزت على وجه هذا الشاب أكثر من غيره عندما سألناه عما يتحدثون في مجلسهم هذا وانزلق في الحديث عن البيت الشعبي الذي ينتظره منذ عام 1996، بعدما تقدم بطلب بيت شعبي من مشروع الشيخ زايد للإسكان، ولا يزال حتى اليوم ينتظر البيت الذي سيأويه وينقذه وأبناءه من بيت قديم متهالك فاق عمره الثلاثين عاماً.

وأضاف أن همَّ الحصول على البيت الشعبي يبقى الموضوع الطاغي في النقاش عند الجميع، حيث أن معظم الموجودين هنا ينتظرون دورهم في بيت الأحلام منذ سنوات، ولا وجود لأمل يخفف عنهم عناء الانتظار، حيث ان بعضهم يسكن في شقق للإيجار بالرغم من محدودية رواتبهم، وتساءل علي: لماذا لا تحل مشكلات هؤلاء الشباب الذين أخذ الشيب من رؤوسهم، والتي لا تتعدى الحصول على بيت منتظر منذ سنوات!.

أما غانم الشامسي والذي يعمل في بلدية عجمان فيعتبر أن ليالي رمضان من أفضل الأوقات التي تسمح بلقاء الأصدقاء، وفي غيرها يكون الجميع منهمك في مشاغله الخاصة، وهذه المجالس تمثل فرصة فريدة في تبادل الحديث والمواقف المعاشة مع الأصدقاء، لا سيما الهموم اليومية التي يواجهونها، دون إهمال جانب التسالي والضحك والترويح عن النفس، وفي هذه الأجواء أيضاً ينتعش الجانب الديني عند الجميع، حيث لا يخلو المسجد القريب من مكان الجلسة من رواده الذين يتلون القرآن الكريم ويقومون الليل فيه.

وتبقى هذه المشاهد المتداخلة والجميلة علامة بارزة تمنح شهر رمضان خصوصية تجعله ينفرد عن بقية الشهور بغض النظر عن المكان، وإن كان شاطئ أو «كورنيش عجمان».

عنان كتانة