ما بين سطوة الحياة الغربية وبين التمسك بالعادات والتقاليد الإسلامية، يواجه المسلمون المقيمون في الغرب تحديات يومية وزادت هذه التحديات بعد أن ضاقت الرؤية الغربية تجاه العالم الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

حيث انبعثت جذور الفتن والمؤامرات على الدين الإسلامي من قبل بعض المستشرقين الغربيين الذين وجدوها فرصة سانحة أمامهم لتشويه صورة الإسلام وزرع فتيل العداء في قلوب ونفوس الغربيين نحو الإسلام والمسلمين مسترجعين العداء الكبير للإسلام منذ الفتوحات الإسلامية الأولى.

ومن هنا تثار التساؤلات التي يتعلق جانب كبير منها بالخلفية الفكرية للمواقف الغربية إزاء الإسلام والمسلمين، وما مدى القصور الذي يتعلق بالمسلمين وما سبل تصحيح صورة الإسلام والمسلمين وإيصالها للغرب ؟

حول هذه التساؤلات يدور كتاب «الإسلام والغرب» للدكتور محمود حمدي زقزوق ـ وزير الأوقاف المصري ـ الصادر عن سلسلة قضايا إسلامية التابعة للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

ينطلق الكتاب من حديث عن الإسلام والغرب سيظل حديثاً سطحيا إذا لم يتجه إلى البحث عن جذور التصورات الغربية عن الإسلام الدين الحنيف. ويؤكد على ضرورة التعرف على المنابع الأساسية التي يستقي منها الغرب تصوراته عن الإسلام.

ويرى المؤلف أن أهم هذه المنابع يتمثل في الدراسات الاستشراقية ما يدفعنا إلى أن نتجه أولاً إلى بحث قضية الاستشراق بوصفها تمثل عمق التصورات الغربية عن الإسلام.

وهو التي تشكل بصفة أساسية- مواقف الغرب إزاء الإسلام والمسلمين. ويوضح مؤلف الكتاب أن سوء فهم الإسلام في الغرب بصفة عامة يرجع أساساً إلى تشويه متعمد للإسلام منذ قرون طويلة، فالحملات الضارية ضد الإسلام اليوم ليست وليدة ظروف جديدة طارئة.

وإنما هي نتيجة ترسبات قديمة ترسخت في العقلية الغربية منذ الحروب الصليبية، بل وحتى قبل تلك الحروب.. حينما فتح المسلمون الأندلس وحينما فتح العثمانيون ـ فيما بعد ـ فيما بعد القسطنطينية وحاصروا العاصمة النمساوية فيينا.

ويرصد الكتاب ما شهدته العصور الوسطى في أوروبا من الكثير من الافتراءات ضد الإسلام والمسلمين حيث راح اللاهوتيون والنصارى في ذلك الوقت المبكر ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وربطوا بينه وبين الأساطير المفرقة في الخيال وفي الضلال وتواصل هذه الربط في العصر الحديث معتبرين الإسلام هو العدو لهم. هذه الرؤية المتأصلة في أذهان الغربيين تمثل تحدياً كبيراً أمام المسلمين المقيمين في الغرب للعمل على تغييرها.

ومن أجل تحقيق ذلك يؤكد الكتاب على النظر أولاً الى ما يتعلق بنا كمسلمين لأن مستقبل الإسلام في الغرب يتوقف بالدرجة الأولى على مستقبل الإسلام في العالم الإسلامي.. فالمسلمون أمة واحدة، كما أراد الله لها ان تكون (إن هذه أمتكم أمة واحدة ) (الأنبياء ك 92)..

ومن هنا فإن عزة الإسلام وقوة المسلمين في العالم الإسلامي وازدياد تأثيرهم في مجال السياسة العالمية من شأنه ان يدعم الأقليات الإسلامية في الغرب ويرفع من معنوياتها، ويزيد التصاقاً بدينها وتراثها وحضارتها ويعطيها الأمل في مستقبل مشرق..

ومن هنا تأتي ضرورة استمرار ربط الجسور مع المسلمين في الغرب، ومعاونتهم في تصحيح صورة الإسلام في أذهان الغربيين بكل الوسائل العلمية والعملية التي تعرض الإسلام عرضاً سليماً يصحح المفاهيم المغلوطة ويزيل الشبهات ويبدد الأوهام .

ويقضي على الأباطيل المنتشرة بين الغربيين سواء في وسائل الإعلام او في بحوث المستشرقين او في المناهج الدراسية، وهذا كله من شأنه ان يحمي أبناء المسلمين في الغرب من أخطار التنصير وألاعيب الملاحدة، وفي هذا السياق يقترح الكتاب عدة وسائل منها:

إصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأجنبية تعرض الإسلام عرضاً علمياً وبطريقة موضوعية تنأى عن الخلافات المذهبية الضيقة، وترد في الوقت نفسه على المزاعم التي تثار ضد الإسلام، وتحل هذه الموسوعة - بالنسبة للمسلمين في الغرب - محل دائرة المعارف الإسلامية التي أخرجها المستشرقون.

ولا يزالون يعدون لإخراج الطبعة الثانية منها، كما تكون هذه الموسوعة أيضا بجوار موسوعة المستشرقين بالنسبة لغير المسلمين ممن يريدون ان يتعرفوا على وجهات النظر الإسلامية من مصادرها الأصلية، فالباحثون في العالم الإسلامي وفي العالم الغربي أيضاً ـ يعتمدون على دائرة المعارف الاستشراقية، ولعلهم معذورون في ذلك نظراً لعدم وجود البديل، فكل فراغ فكري لدينا لانشغاله بأفكار من عندنا يكون عرضة للاستجابة لأفكار منافية، وربما معادية لأفكارنا.. فلا نلوم إلا أنفسنا.

ـ إصدار موسوعة فقهية مختصرة باللغات الأجنبية، تشتمل أيضاً على كل ما يهم المسلم معرفته في حياته التمهيدية والعملية.. ـ إصدار موسوعة حديثة مختصرة ومبوبة باللغات الأجنبية، تشتمل كذلك على كل ما يهم المسلم معرفته من أمور دينه.

ـ كذلك إصدار ترجمة معتمدة لمعاني القرآن الكريم بعدد من اللغات الأجنبية، لخدمة المسلمين في الغرب وخدمة الراغبين في الاطلاع على الإسلام من غير المسلمين.

ـ مد المسلمين في الغرب بالعلماء المستنيرين الفاهمين لحقائق الدين والدنيا، وتزويدهم بالمراجع الإسلامية الأصلية والبرامج الدينية الهادفة التي تُفيد في نشر الدعوة الإسلامية، بدلاً من الأعمال التي تصف المسلمين بأنهم «عباد اصنام» وتدمغهم بأحط الأوصاف، ولم ينج من نشر مثل هذا الضلال أعلام الأدباء في الغرب مثل دانتي وفولتير وغيرهما..

وقد ترسخ في العقلية الغربية ان الإسلام دين عدواني متعصب شهواني تواكلي.. إلخ»، ولا تزال حتى يومنا هذا تدرس للأطفال في المدارس الغربية معلومات خاطئة عن الإسلام والمسلمين. ويضيف مؤلف الكتاب ومن هنا لا نعجب إذا وجدنا الحملات الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين في الغرب تنشط بين الحين والحين..

فهي حملات تعبر عن مدى سوء فهم الغربيين للإسلام، ومدى تأصل ما ورثوه في هذا الصدد من أوهام ترسخت في أذهانهم، ويعجب المرء عندما يجد ان الأديان الأخرى وبخاصة الأديان البشرية تعامل من جانب الغرب معاملة منصفة.. والإسلام وحده من بين كل الديانات في العالم هو الذي يهاجم ويساء إليه، وهو وحده الذي يرمى بكل النقائص.

وترتعد فرائص الغربيين حينما يسمعون عما يسمى بالصحوة الإسلامية في بعض البلاد الإسلامية، وينظر الغرب اليوم إلى الإسلام على أنه «هو العدو البديل» بعد انهيار العدو التقليدي المتمثل في الشيوعية.. ولم يخف المسئولون في الغرب ذلك، بل أعلنه العديد منهم في صراحة ووضوح..

ويتضح موقف الغرب من المسلمين في وقوفه موقف المتفرج لأكثر من عامين من مأساة البوسنة والهرسك.. فقد أعلن الصرب في وضوح أنهم يقومون بمهمة تاريخية وهي حماية أوروبا من الإسلام، وأن أوروبا إذا قالت شيئاً غير ذلك فهذا من قبيل النفاق، وقد ظلت أوروبا بالفعل تنافق طوال هذه المدة .

وتكتفي بإصدار بيانات الشجب والاستنكار إلى ان يحقق الصرب أهدافهم، ويريد الصرب ان يكرروا مأساة البوسنة والهرسك ما فعله الأسبان قبل خمسمائة عام من طرد المسلمين من الأندلس والفتك بهم، ولو نجح الصرب في ذلك سيأتي الدور على بقية المسلمين في بلاد غربية أخرى.

وحول ركائز المستقبل الإسلامي في الغرب يقول المؤلف إن مستقبل الإسلام في الغرب يتوقف بصفة أساسية على عدة عوامل:

ـ أولها: يتعلق بالعالم الإسلامي

ـ ثانيها: يتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في الغرب

ـ ثالثهما: يتعلق بالموقف الغربي نفسه.

وهذه الأبعاد الثلاثة كما يتضح، بعد على مستوى العالم الإسلامي، وبعد على مستوى المسلمين في الغرب، وبعد غربي.. وهى أبعاد او عوامل غير منفصلة عن بعضها، بل هي متداخلة ومتشابكة، ومن هنا فلا يجوز بحث مستقبل الإسلام في الغرب دون النظر إليها من خلال هذا التدخل نظراً لأن كل عامل منها له تأثير متبادل مع العوامل الأخرى.

الأقليات الإسلامية

المؤلف في كتابه يجعل قضية الأقليات الإسلامية في الغرب ضمن قائمة الأمور التي يجب أن تكون موضوع مباحثات بين الجانب الإسلامي، والجانب الغربي مثلما يفعل الغرب ذلك، ويضع في رأس قائمة موضوعاته الاهتمام بالأقليات المسيحية في العالم الإسلامي.

القاهرة ـ محمد الصادق