حظيت دبي طوال تاريخها بقادة وحكام ذوي رؤى محلية ولكنها كانت تسابق عصرها. فقد استلهم حكام دبي رؤيتهم العصرية تلك من أوضاع دبي ومصالحها والأوضاع الإقليمية والدولية الحاصلة آنذاك. وطوروا نظاما سياسيا وإداريا ناجحا استطاع أن يضمن لدبي نجاحا هائلا على مر السنين والأزمان .
فقد تميز حكم دبي منذ بدايات القرن التاسع عشر بأنه حكما ليس تقليديا بل فريدا في نمطه ونظامه. فمنذ البداية حكمها شخصان هما عبيد بن سعيد بن شرارة ومكتوم بن بطي. وقد ظل الحكم مشتركا حتى العام 1836 عندما تولي مكتوم بن بطي الحكم بعد وفاة خاله. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر كان على حكام دبي أن يتبنوا ويسيروا على سياسة حذرة تضمن الحفاظ على استقلالهم الداخلي في وقت كانت فيه الإمبراطورية البريطانية تصول وتجول في مياه الخليج تهدد من تعتقد أنه يهدد أمن تجارتها وطريقها البحري في الخليج والمار للهند.
وعلى الرغم من أن بريطانيا قد تبنت تجاه مشيخات الخليج الصغيرة ما يعرف باسم سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية ألا أن هذه السياسة كانت صورية.
فقد كانت بريطانيا تراقب الأوضاع الداخلية ولم تكن تسمح بحرية الحركة السياسية أو الاقتصادية إلا في النطاق الذي يخدم مصالحها. لذلك فمن الغريب أن تنحو دبي منحى مستقلا دون أن تلفت لها الأنظار البريطانية. فقد استطاعت دبي أن تتبنى سياسات حذرة خوفا من المراقبة البريطانية المتنامية.
والملاحظ أن شيوخ دبي قد وقعوا مع بريطانيا في القرن التاسع عشر كافة الاتفاقيات التي أرادت بريطانيا منهم توقيعها حتى تلك التي تتعارض مع مصالحهم التجارية والسياسية وعلى استقلالهم الداخلي والسياسي.
فقد أرادوا تجنب المشاكل والصعاب التي قد تخلقها لهم بريطانيا من جراء الاعتراض على بعض سياساتها التعسفية. ففي خلال حكم الشيخ سعيد بن بطي (1852-1859) شهدت دبي توقيع اتفاقيات متعددة أهمها اتفاقية الصلح البحري الدائم واتفاقية اللاسلكي واتفاقيات منع تجارة الرقيق وغيرها .
وهي اتفاقيات تتنافي مع الإعلان البريطاني بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه المشيخات. جميع هذه الاتفاقيات وقعها الشيوخ على مضض رغبة منهم في تجنب التفتيش البريطاني لسفنهم وملاحقتهم بحريا.
وخلال حكم راشد بن مكتوم ( 1886-1894 ) شهدت دبي توقيع أهم الاتفاقيات وهي الاتفاقية المانعة ( 1892 ) والتي سلبت دبي حقها في اتخاذ قراراتها فيما يتعلق بعلاقاتها الخارجية والدفاع.
وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقيات كان لها دور سلبي على جميع إمارات الخليج حيث فرضت عليهم هذه الاتفاقيات عزلة قاتلة ، إلا أن دبي استطاعت تجنب الآثار السلبية والنهوض بسرعة لتتحول في تلك الفترة بالتحديد إلى أكبر ميناء تجاري في الخليج. في عهد مكتوم بن حشر (1896-1906) استطاعت دبي الاستفادة من موقعها الاستراتيجي والتجاري المهم والإجراءات التي بدأت فارس في اتخاذها لتتحول دبي ومنذ العام 1903 إلى أكبر وأهم ميناء لإعادة التصدير في الخليج.
وعلى الرغم من السياسيات التعسفية التي كانت بريطانيا تمارسها تجاه هذه المشيخات الصغيرة وعلى الرغم من اعتراض مشايخ الخليج عليها ألا أن دبي لم تكن لتتخذ أي إجراء من شأنه أن يؤثر على استقرارها الاقتصادي والسياسي. ولذا يمكن اعتبار حادثة 1910 حادثة فريدة في تاريخ دبي وفي تاريخ علاقاتها الطويلة مع الحكومة البريطانية.
* حادثة دبي
بعد وفاة الشيخ مكتوم بن حشر عام 1906 تولى من بعده الشيخ بطي بن سهيل. كان الشيخ بطي يتميز بشخصية قوية وعزيمة شديدة ولم يكن يلين أو يخضع للسياسات البريطانية أو للضغوط الكبيرة التي كانت بريطانيا آنذاك تمارسها على دبي .
كانت بريطانيا منذ العام 1909 راغبة في مد خطوط للاسلكي عبر دبي يخدم أغراضها التجارية. ويبدو أن خلافا قد نشب بين الشيخ بطي وبريطانيا حول مسؤولية الشيخ في حالة ما تعرضت هذه المنشآت البريطانية للخطر.
وبينما كانت بريطانيا تصر على تحميل الشيخ كافة المسؤوليات المترتبة على حماية هذه المنشآت كان الشيخ يعتقد بأن تلك هي مسؤولية بريطانية . وبينما كان الوضع متأزما جاءت حادثة 1910 (والتي تعرف في الوثائق البريطانية بحادثة «الهياثنث» نسبة للسفينة هياثنث التي شاركت في الهجوم) لتضيف فصلا جديدا للعلاقات المتأزمة بين الشيخ بطي وبريطانيا.
فقد اتهمت بريطانيا بعض تجار دبي بتهريب الأسلحة، ولذا أمرت السفينة «هياثنث» المتواجدة في خور دبي بالنزول إلى الشاطئ وتفتيش بعض المنازل. رفض الشيخ هذا التهديد وأمر بمهلة لإخبار الأهالي للاستعداد لتفتيش منازلهم ولكن بريطانيا رفضت بزعم أن تلك المهلة قد تستخدم لإخفاء الأسلحة.
وهكذا نزل الضباط البريطانيون إلى منزل أحد المواطنين في الشندغة ودار إطلاق نار سقط فيه قتلي من الجانبين. أثرت هذه الحادثة مؤقتا على دبي وعلى العلاقات مع بريطانيا. فقد شددت بريطانيا الرقابة على موانئ دبي بل وتعداه إلى منع الأجانب الراغبين، وخاصة التجار، كنوع من الحصار المفروض على دبي . وقد استمر هذا الحصار حتى قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914.
ويروي لنا أحد المبشرين الأميركيين الراغبين في زيارة دبي في تلك الفترة الصعوبات التي واجهته في سبيل الحصول على تصريح من الوكالة البريطانية لزيارة دبي. كما واجهت تجار اللؤلؤ بشكل خاص، صعوبة في سبيل الذهاب للهند لبيع إنتاجهم وشراء احتياجاتهم. هذا الوضع خلق وضعا سيئا في دبي وتاق الجميع للخلاص منه.
*عصر جديد
ما أن تسلم الشيخ سعيد بن مكتوم مهام الحكم في دبي عام 1912 حتى باتت دبي على مشارف عصر جديد. فقد أدرك الشيخ سعيد أن أهم مهمة أمامه هي الحفاظ على علاقة متوازنة مع الحكومة البريطانية. لذا فقد بدأ عصره بمحاولة إزالة أسباب الخلاف مع بريطانيا. وبما أن الحكومة البريطانية كانت مقبلة على حرب كبرى (الحرب العالمية الأولى) فقد كانت مواقف شيوخ الخليج مهمة لضمان الاستقرار في الخليج ككل.
وما أن انتهت الحرب حتى كان الشيخ سعيد قد نجح، بشخصيته الفذة وذكائه السياسي، أن يحظى بثقة الحكومة البريطانية التي أصبحت تري فيه عامل استقرار في منطقة الساحل المتصالح ككل. وكثيرا ما يلجأ الضباط البريطانيون للشيخ سعيد لطلب المشورة أو النصح في كيفية التعامل مع الشيوخ الآخرين في المنطقة.
هذه العلاقة الهادئة مع الحكومة البريطانية من ناحية ومع الوكيل الوطني البريطاني (عيسي بن عبد اللطيف السركال) أكسب الشيخ سعيد ودبي ككل وزنا مهما في صنع السياسة البريطانية تجاه منطقة الإمارات. وسرعان ما عادت دبي من جديد لتكون مركز الثقل السياسي والاقتصادي للمنطقة بأسرها.
في الماضي عندما كان الرحالة الغربيون يأتون إلى دبي كان يشدهم إليها الكثير من المناظر التي تجعل دبي وكأنها مدينة تضم الماضي والحاضر والمستقبل.
فالكثير من الرحالة أعربوا في كتاباتهم عن رغبتهم في أن يروا دبي مدينة عصرية حديثة ولكنهم أيضا أعربوا عن تخوفهم أن يؤثر ذلك التغيير على طابع المدينة الشرقي وتلك الروح التي تتمتع بها. فلم تجتمع في مدينة في المشرق خصائص الشرق والغرب كما اجتمعت في دبي. فلا غرو أن يعرب الكثيرون عن أملهم أن لا يؤثر ذلك التغيير وتلك المدنية المتسارعة الخطى على توجه دبي الحضاري وخصائصها الشرقية وطابعها الإسلامي.
واليوم، على الرغم من التقدم الذي تحرزه دبي، على كافة الأصعدة ، ألا أنها جعلت هدفها الأول هو إبقاء تلك الصلة التي تشدها لماضيها مع التأكيد على عصرية المدينة وتحضرها. أن هذه الرؤية إنما هي استمرار لنهج الطبقة الحاكمة فيها والذين استمدوا رؤيتهم تلك من ظروف دبي وطبيعتها.
كما أن هذه الرؤية العصرية هي تأكيد واستمرار لمنهاج تلك المدينة التي استطاعت وبكل جدارة أن تجمع الماضي والحاضر والمستقبل وتصهرهم في بوتقة واحدة اسمها «دبي».
ترصدها:د. فاطمة الصايغ

