العدل نحن بحاجة إليه في كل شؤوننا، أي أسرتنا، في أسواقنا، في مساجدنا، في محاكمنا، في كل أمورنا، وأهم ميدان للعدل هو المحكمة التي يلجأ الناس إليها لتعطي كل ذي حق حقه، وتزن كل واحد من الخصوم بميزان القسط، قال تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) .
وقال (فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا) وإذا ما خرب ميزان العدل في المحكمة من أجل رشوة أو محاباة أو خوف من ظالم كانت البلاد خربة والعدوان من أهل الشوكة على أشده، وما هي إلا غابة لا قانون فيها إلا قانون الوحوش.
إن الذي يدعو الإنسان للظلم هو الانتصار للنفس وإتباع الهوى. قال تعالى (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) خاصة الأقوياء الذين يخيفون ضعفاء الناس وفقراءهم، ويأبون أن يزنوا أنفسهم بميزان العدل، لأن في تحاكمهم إلى أهل الحق والعدل مع هؤلاء الضعفاء ـ كما يظنون منقصة لهم، ولم يدروا أن النقص عند الله وعند الناس إنما هو إباء الحق ورفض العدل.
وأي عظيم أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مثال العدل، بل إنما بعث بالعدل، وحدث في غزوة بدر أنه صف أصحابه وبيده قضيب، فمر برجل اسمه سواد بن غزية فطعنه به وقال استو يا سواد، فقال الرجل:
أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فكشف رسول الله عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وجعل يقبله، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فما أحسن العدل وما أجمله!