لا تزال خريطة العالم في تأكيدها على كروية الأرض منذ وقت كانت فيه الكنيسة الأوروبية تعدم من يقول بهذا - المعروفة ب«خارطة الإدريسي» تثير إعجاب علماء أوروبا والعالم حتى اليوم، ونعرف ان الأمير المغربي الشريف الإدريسي وضعها لحساب ملك صقلية روجر الثاني، ضاما إياها الى كتاب وضعه ويعتبر من أهم الكتب الجغرافية في التراث العربي، وهو «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق».
خلال السنوات الأولى من حكمه الطويل لجزيرة صقلية، والذي استمر ما يقرب من نصف قرن، أراد الملك النصراني روجر الثاني ان يترك بصمته على علم الجغرافيا الذي كان شديد الولع به، وذلك عبر تكليف عالم من العلماء بأن يضع مؤلفا لا سابق له عن جغرافية هذا العالم.
ولم يجد الملك الصقلي المتنور، يومها، لانجاز تلك المهمة سوى عالم مسلم عربي كان يقيم في الجزيرة، بل في بلاطه تحديدا، وهو الشريف الادريسي، فقام هذا الشريف بالمهمة خير قيام ما ان أوكلت إليه، وهكذا ولد ذلك النص الذي يعتبره العلماء الأوروبيون اليوم «أول نص جغرافي عن الغرب» في العصور الحديثة.
ولو عاش ملك صقلية روجر الثاني طويلا، لكان من شأنه ان يشعر بفخر طاغ لاختياره ذلك العالم المغربي، الذي_ اذ دعم الملك مشروعه بسخاء، ومول له الأسفار البعيدة_ تمكن من استخدام كل ما كان متوفرا من معطيات وكتب.
وكل ما زودته الأسفار من معطيات جديدة لانجاز ذلك السفر الاستثنائي، اذ استغرق العمل عليه خمسة عشر عاما أنجز بصيغته النهائية في العام نفسه الذي توفي فيه روجر، أي العام 1154 م.
اما جوهرة التاج في ذلك الانجاز فكانت خارطة العالم الدائرية الأولى التي وضعها الإدريسي نفسه، إضافة الى خارطة أخرى مستطيلة اكبر كثيرا من الأولى، رافقتا النص الذي حمل بالعربية عنوان «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»®®. ولقد كان لافتا ان يكتب الادريسي نصه بالعربية استجابة لطلب الملك الأوروبي.
والحال ان هذا الكتاب المهم، والذي لم يتوقف عن الثناء عليه علماء كبار من طينة ابن خلدون والحسن الوزان معتبرينه نموذجا يحتذى في موضوعه، حمل العديد من التجديدات المدهشة في عالم الجغرافيا مستفيدا من كل تقدم كان تحقق للعلوم في ذلك الزمن ولا سيما في شرق العالم العربي ومغربه.
غير ان الأهم من هذا هو ان النص اتى عبارة عن سرد علمي ذاتي للرحلة الشخصية التي قام بها الإدريسي على نفقة الملك الى العديد من الديار الإسلامية.. تضافرت في أهميتها مع أهمية الخرائط الإجمالية والتفصيلية التي كانت هي ما هم الفكر الغربي أكثر.
والحقيقة ان هذا الأمر كان طبيعيا في بيئة ثقافية لم تكن تعرف الكثير عن علم الخرائط وأهميتها، سيما وان الإدريسي أتى في خريطته ليؤكد أمرا كان محظورا في ذلك الحين، دينيا يجاهد العلماء بصعوبة في سبيل تأكيده: أي كروية الأرض.
مهما يكن في الأمر فإن الباحثين يصفون الخرائط التي تؤلف في مجموعها تلك الخريطة الكبرى التي طبقت شهرتها الآفاق بأنها «تتألف من سبعين ورقة مستطيلة. وتجمع هذه الأوراق في النسخة الأصلية في سبعة ملفات. يتألف كل منها من عشر أوراق، ويظهر الشمال في أسفل الخريطة، خلافا للتقاليد الحديثة التي نعرفها اليوم».
ان سطح الخريطة يشير الى مئات المدن والمواقع والعناصر الجغرافية الأخرى، لكن الطريقة المتبعة لتحديد مكانها على الخريطة ليست واضحة...». بيد انه ما يمكن لنا ان نقوله هنا هو ان التحديد الفعلي لهذه الأمكنة إنما أتى مرتبطا بعلم الفلك، وكما يفيدنا البروفيسور س.كنيدي من أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت.
يبدأ الإقليم الأول نظريا على خط العرض الذي يكون أقصى طول للنهار عليه مساويا 12 ساعة وثلاثة أرباع الساعة. وهو ينتهي عندما يبدأ الإقليم الثاني على خط العرض الذي يكون أقصى طول للنهار عليه مساويا ثلاث عشرة ساعة وربع الساعة.... وهكذا على هذا النحو تتابع الأقاليم باتجاه الشمال بحيث يوافق كل حد من حدودها زيادة نصف ساعة في الطول لأقصى النهار».
واضح ودائما بحسب كنيدي، ان عروض الأقاليم تبعا لمثل هذا التحديد، تتناقص كلما اتجهنا شمالا. الا انها على خريطة الإدريسي تميل للاحتفاظ بعرض مقداره ست درجات».
ويستنتج كنيدي من هذا على ان «كل شيء يدل على ان الإدريسي لم يكن رياضيا واسع التجربة، وانه كان على الأرجح يجهل علم المثلثات. الا ان طرقه التقريبية العملية كانت ملائمة جدا، لكتلة المعلومات التي كانت تحت تصرفه والتي غالبا ما كانت متناقضة» ومع هذا عرف هو كيف يستفيد منها الى الحد الأقصى...
حيث وايضا كما يشير كنيدي «مهما كانت الطريقة المتبعة فان النتيجة كانت أروع ما انجز في علم الخرائط الإسلامي. وقد استندت عليها لاحقا مؤلفات عديدة تتضمن دراسات لمناطق خاصة على الخريطة كان من الصعب معرفتها حقا قبل الإدريسي مثل الجزر البريطانية واسكندينافيا وألمانيا واسبانيا وبلغاريا وإفريقيا والهند... وكينيدي يقول هذا، يورد لائحة طويلة بأهم الكتب الغربية التي استفادت في هذه المجلات من عمل الادريسي.
اما الفرنسيون فأنهم في نشرة جديدة للكتاب باللغة الفرنسية فيتوقفون اكثر عند النص الجغرافي نفسه معتبرينه «نموذجيا في ذكائه وعمق استفادته من المادة المتاحة ولكن ايضا في الدقة التي حكمت كم المعارف المتوفرة». ولقد لفت نظر الفرنسيين في هذا الكتاب ان «أوروبا انما ظهرت فيه للمرة الاولى مدروسة على هذا النحو في نص جغرافي عربي».
ولعل في إمكاننا هنا على سبيل المثال ان نورد من نص «نزهة المشتاق في اختراق الافاق» بعض هذه الفقرات التي يصف فيها الادريسي بعض المواقع الشامية التي زارها ومنها بيروت «وهي ايضا على ضفة البحر وعليها سور حجارة كبيرة واسعة ولها بمقربة منها جبل فيه معدن حديد طيب، جيد القطع ويستخرج منه الكثير ويحمل الى بلاد الشام، ولها غيضة اشجار صنوبر مما يلي جنوبها حتى تتصل بجبل لبنان».
«®®. ومدينة طرابلس الشام، مدينة عظيمة عليها سور من حجر منيع، ولها رساتيق وأكوار وضياع جليلة. وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير.
والوارد والصادر اليها كثير والبحر يأخذها من ثلاثة اوجه وهي معقل من معاقل الشام، مقصود إليها بلا متعة وضروب الأحوال وظروف التجارات ويضاف اليها عدة حصون وقلاع معمورة داخلة في عمالتها مثل انف الحجر وحصن ابي العدس وحصن ابي القدس وارطوسية...».
واما مدينة صيدا، فهي على ساحل البحر المالح، وعليها سور حجارة ينسب الى امرأة كانت في الجاهلية. وهي مدينة كبيرة عامرة بالأسواق رخيصة الأسعار، محدقة بالبساتين والاشجار، غزيرة المياه واسعة الكور. لها اربعة اقاليم وهي متصلة بجبل لبنان، واقليم يعرف باقليم جزين وفيه مجرى وادي الجروف وهو مشهور بخصبه وكثير الفواكه(....)..
وهو نهر يشق جبالها ويصب في البحر (هو نهر الاولي بالتأكيد) وجميع هذه الأقاليم تشتمل على نيف وستمئة ضيعة ويشرب أهلها من ماء يجري اليها من جبلها في قناة. وبهذه المدينة_صيدا_ عينها المعروفة.
وذلك انه نشأ بها في أيام الربيع سميكات على طول الاصبع سواء منها ذكور ومنه إناث ولها علامات تعرف بها إناثها وذكورها(....) وهذه السميكات صغار، لها أيد وأرجل خفية، وقد رأيناها غير مرة».