يجب أن نعترف بالتخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي وأن نرده إلى أسبابه الحقيقية بدلاً من السبب الجاهز والزائف الذي يقدمه لنا الغرب والذي يربط هذا التخلف بالدين.

عن واقع هذا التخلف الذي نعيشه وكيفية تجاوزه حاورنا رئيس قسم الفلسفة الاسلامية بجامعة المنيا وعضو المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية الدكتور محفوظ عزام فأكد حاجتنا إلى العودة للإيمان لأن ذلك هو أفضل ما يعيننا على تجاوز التخلف، ويرى أن المسلمين لم ينهضوا في السابق بفضل قوة اقتصادية أو عسكرية وإنما بفضل قوة إيمانية نفسية.. وهذا نص الحوار:

* البعض يدعو إلى الأخذ بالمنهج الغربي والسير على هدى الحضارة الغربية حتى يتقدم العالم الإسلامي ويتخلص من التخلف الذي خيم عليه سنوات طويلة.. ما تقييمكم لتلك الدعوات ؟ وهل تعنى التخلي عن الحضارة الإسلامية ؟

ـ نعم هناك تيار تغريبي يريدنا أن نسير وفق الحضارة الغربية ونحن بالطبع لا نكره العالم الغربي لكننا نكره من يحاول ان يغير على ثقافتنا أو يغير على إسلامنا أو يغير على عقائدنا وعلى حياتنا الخصوصية، فكل امة لها هويتها التي تتميز بها فإن أردنا أن نتقدم فلابد أن نحافظ على هذه الهوية.

وما يتضمنه من ثوابت وأصول دون انحراف أو تحريف هذا هو المطلوب وهو مطلب شرعي ومطلب إسلامي وإنساني وحياتي بالنسبة للمسلمين في هذا الوقت الذي نعيش فيه لأننا فعلا نؤمن الآن أننا متخلفون حتى عن منهجنا نفسه فلابد أن نتجاوز هذه المرحلة ولابد ان نعبر هذه القنطرة .

وان نصل إلى العالم الآن وان نحيا حياتنا المعاصرة التي نتعامل فيها مع غيرنا من غير المسلمين الذين ينظرون إلينا كمتخلفين ويربطون بيننا وبين الإسلام ومن ثم يزعمون أن الإسلام يدعو إلى التخلف وهذه فرية كبرى وكذبة كبيرة يرددها غير المسلمين لان المسلمين بتخلفهم أصبحوا فتنة للذين كفروا والإسلام يدعونا إلى التقدم ويدعونا إلى العلم والثقافة، فأول أية من القرآن الكريم نزلت تدعو إلى العلم :

«اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم » والمخرج بالنسبة لنا الآن أن نجدد لكن كيف نجدد وما الذي يحتاج إلى تجديد ؟ لابد أن نضع أسسا للتجديد وأول أساس للتجديد أن نفهم الإسلام فهما صحيحا لان الفهم المجزأ للإسلام أو التركيز على قضايا معينة وترك الباقي تشويه للإسلام.

وليس تجديدا والإسلام فيه حل لمشكلات الإنسان وحل مشكلات الفقر والجهل والمرض ثالوث التخلف، فالإسلام يعالج هذا بطريقة إنسانية وبدون عنف ولا ثورية ولا يسارية وإنما بطريقة إنسانية لأننا امة وسط « وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس» فالوسطية تقتضى منا ان نعالج امورنا بروح الإسلام وعن طريقه الذي هو طريق العلم والعقل .

* دين العقل

* بعض المستشرقين ومن يدورون في فلكهم يقولون ان الإيمان بالإسلام خاصة وبالأديان عموما يتعارض مع العقل والتفكير العقلي وهذا هو السبب الأساسي في تخلف العالم الإسلامي فما مدى صحة ذلك ؟

ـ الإسلام دين العقل وبعض الناس يظنون أن الإسلام ليس كذلك، وهذا خطأ لان التفكير كما قال محمود عباس العقاد فريضة إسلامية، وقد كتب كتابا بهذا العنوان وما من أية في القرآن الكريم الا وتنتهي بقوله تعالى «أفلا يعقلون» أو « أفلا يتفكرون» فالعقل له منزلة كبيرة بدليل انه مناط التكليف في الشرع فمن شروط التكليف العقل والبلوغ.

والحياة في الإسلام لابد أن تقوم على العلم بمعنى أن يكون هناك منهج علمي لان العلم منهج ولابد أن يوجد لدينا المنهج العلمي وان نضبط سلوكياتنا وتصرفاتنا بهذا المنهج العلمي الصحيح وليس بمنهج مغلوط والعلم وظيفته انه يختصر الوقت والجهد وإذا لم يتحقق ذلك فليس هناك علم أو منهج علمي ولابد للمسلمين أن يهتموا بالعلم .

وان يأخذوا الأمور بطريقة عقلية وليس بطريقة خرافية فلابد من العقل والعلم والعمل ولكي يتخلص المسلمون من الحالة الراهنة ويكون تجديدهم تجديدا حقيقيا لابد من فهم الإسلام فهم صحيحا وتطبيقه تطبيقا صحيحا لان في الإسلام حلا لكل مشكلات الإنسان وكذلك احتراما له وإعطاءه حقوقه .

وبدون ذلك لن يحدث تقدم أو تجديد، فالإنسان هو الفاعل والصانع والمنتج ولكي يكون صانعا ومنتجا ومشاركا في الحياة لابد أن يحس بقيمته كانسان لأنه إذا شعر بقيمته أن قال فسوف يحاسب على قوله وان فعل فسيحاسب على فعله أما الإنسان المعدوم وغير المحترم فانه لا يقول ولا يفعل لأنه يشعر أن قوله ليس له قيمة وان فعله أيضا ليس له قيمة.

ولا يمكن أن يقوم مجتمع سليم على إنسان معدوم على الإطلاق أما الأمر الثالث فلابد من العمل من اجل اللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي المعاصر لأننا أصبحنا عالة على غيرنا وما ينبغي أن تكون امة الإسلام عالة أبدا على غيرها فنحن كنا قادة .

وكنا فاتحين وصانعين وفاعلين وفتحنا العالم شرقا وغربا لم نفتحه بالقوة أو العنف وإنما فتحناه بالعلم والعمل والأخلاق ويذكر بعض الباحثين أننا أخذنا المنهج العلمي من القرآن الكريم ولم نأخذه عن اليونان ولذلك نجد البعض.

ومنهم الجاحظ يقول عن اليونان انهم كانوا قولة ولم يكونوا فعلة نحن أخذنا منهم الكيمياء لكن لم تكن لديهم مختبرات للكيمياء أما المسلمون فانشأوا آلاف المختبرات واخترعوا وأضافوا وحللوا وعملوا وكانت لهم ذاتيتهم وشخصيتهم التي اعترف بها العالم كله وأنهم صانعو حضارة وأنهم أبناء أمة هي خير أمة أخرجت للناس .

* غربيون منصفون

* هل هناك مصادر ومراجع في الغرب تؤكد أن العرب والمسلمين أصحاب حضارة وان الغرب نقل عنهم ؟

ـ هناك مراجع ومصادر كثيرة جدا مثل «حضارة العرب» لجوستاف لوبون وهذا كتاب قيم يشهد لحضارة العرب وكثير من النابهين والعقلاء الغربيين أشادوا بالعرب والمسلمين وبالنبي - صلى الله عليه وسلم.

- وهناك أيضا توماس كارليل وله كتاب بعنوان الأبطال وقد جعل محمدا من الأبطال ورد عليه عبد الرحمن عزام من خلال كتابه «بطل الأبطال» وكتاب هونكة » شمس العرب تسطع على العالم».

وفى جامعة برينستون بالولايات المتحدة الأميركية هناك قسم للرازي يحتوى على مؤلفاته وله تمثال ويطلق عليه ابو الطب العربي وفى ايطاليا حتى القرن السابع عشر كانت هناك قاعدة فى حساب المثلثات تعرف بقاعدة البيرونى وكثير من الأوروبيين تتلمذوا على العلماء العرب ونقلوا كتبهم الى اللغات الأوروبية .

وهناك حوالي عشرين ألف مخطوطة عربية وإسلامية في المكتبات الامريكية الخاصة انتقلت الى هناك إما عن طريق الحروب الصليبية او السرقة او البيع او عن طريق الاتصال بالأندلس وكذلك ارنولد توينبى وهناك أسماء كثيرة وكبيرة تحدثت عن عظمة المسلمين وعن تاريخهم وحضارتهم منها توماس ارنولد في كتاب بعنوان «الدعوة إلى الإسلام» .

* الحروب والاستعمار

* مادمنا كمسلمين أصحاب حضارة فما الذي حدث حتى نصل إلى هذا المستوى من الضعف ؟

ـ لا أؤمن أن هناك سببا واحدا وإنما هناك أسباب متعددة بعضها خارجي وبعضها داخلي بالنسبة للأسباب الخارجية نحن نعلم أن هناك حروبا دائمة بيننا وبين غيرنا طوال التاريخ ابتداء من عهد علي بن أبى طالب عندما وجد عبدالله بن سبأ وهو يهودي لكنه اظهر الإسلام .

ومنذ ذلك الوقت بدأ الدس والكيد للإسلام ثم كانت الحروب الصليبية التي دامت نحو 200 سنة وحصل فيها قتال شديد في بيت المقدس لدرجة انه قيل أن 70 ألف مسلم قتلوا في القدس وحدها حتى كانت الدماء كالأنهار وقبل ذلك ما حدث في الأندلس وإخراج المسلمين وتنصير من تبقى منهم وهذا كله اثر فى الجسد الإسلامي وكذلك الاستعمار بجانب انغماس المسلمين في الترفيه والترف والانشغال عن وظيفتهم الأصلية .

وهى الاستخلاف في الأرض «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله » وهذا سبب الخيرية فالخيرية ليست مطلقة وإنما لها أسبابها وشروطها وهذه بعض الأسباب التي أدت إلى الوضع الراهن المتخلف والمرير والجاهل .

* العقل والسلوك.

* البعض يحمل الاستعمار مسؤولية تخلفنا رغم ان هذه المنطقة حررت من الاستعمار الاوروبى منذ أكثر من نصف قرن ورغم ذلك تزداد أوضاعها سوءا ؟

ـ الحقيقة أن الاستعمار لم يغادرنا ولم يفارقنا فلا يتمثل الاستعمار قدر ما يتمثل في الوجود العسكري فحسب في العقل والسلوك والعادات والتفكير في مختلف الأشياء، الاستعمار تركنا بجنوده لأنه لم يعد في حاجة إلى الجنود رغم أنهم عادوا في الوقت الحاضر بجنودهم وسلاحهم الى استعمار جديد يريدون أن يهجموا علينا هجمة لا نقوم بعدها أبدا .

* تقرير التنمية البشرية الأخير يؤكد أن هذه المنطقة هي منبع الاستبداد والديكتاتورية وهذا هو سبب تخلفنا هل تتفقون مع رؤية هذا التقرير ؟

هنا نأتي إلى الأسباب الداخلية، فأول سبب في تقديري يتمثل في تخلفنا عن منهج الإسلام لان الإسلام دين قوة وليس دين ضعف أو تخاذل وتخلينا عن الإسلام جعلنا نتخلى عن مصادر القوة وبالتالي أصبحنا نهبا لكل من هب ودب من استعمار وأفكار وغير ذلك، فهذا التخلف وتركنا للدين هما سببا كل المشكلات التي نعيشها الآن .

ولو رجعنا للعرب في الجاهلية سوف نجد أنهم كانوا قوما حفاة عراة يتحاربون لأتفه الأسباب فمثلا حرب «داحس والغبراء» بين عبس وذبيان استمرت أربعين سنة من اجل مقتل فرس فماذا حدث لهؤلاء الناس ؟

حدث تغيير نفسي وهبت عليهم رياح الإيمان فتغيرت نفوسهم وتغيروا، وهذا قانون آلهى «أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وبعض الناس يرجع إقامة الدول إلى أساس عسكري أي قوة عسكرية فى حين يرجعها البعض إلى قوة اقتصادية أما القرآن فقد ارجع المسألة إلى قوة نفسية.

واكبر دليل على ذلك أن هؤلاء العرب الذين كانوا حفاة عراة أصبحوا قادة عظاما وكونوا دولة هي أعظم دولة عرفها التاريخ حتى الآن، فقد وصل المسلمون إلى جنوب فرنسا والى الصين وروسيا بمنهج الإسلام وأخلاقه وبالقوة النفسية التي منحها لهم هذا الدين وجعلهم يتغيرون فنجحوا في تغيير الآخرين.

والمسلمون اعتمدوا أول ما اعتمدوا على أساس الإيمان أي القوة النفسية التي تعطيهم أرادة وفاعلية، الآن أصبح المسلمون معدومي الإرادة فلا إرادة ولا فاعلية لان الملهم بالنسبة لهم لم يعد موجودا وأصبحت نفوسهم في اتجاه نازل وليس صاعدا لغياب الإيمان.

وأظن أن المسلمين الآن أصبحوا كما كانوا في الجاهلية واذكر أن هناك قصيدة لشاعر يدعى لقيط بن يعمر الأيادي كتبها لقومه يحذرهم من غزو كسرى لهم فقال :

ابلغ ايادا وخلل فى سراتهم انى أرى الرأي وان لم يعص قد نصعا.

مالي اراكم نياما في بولامية وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد