هذا الكتاب الذي طبع عام 1282ه/1865م في مصر بالمطبعة الوهيبية جمع فيه المؤلف ما في كلام العرب من الدخيل، واستدرك على من سبقه وتوسط بين الذي لم يأت على الموضوع وبين من دقق في تخريجات غريبة، وأشاد بعمل أبي منصور، وأضاف إليه فرائد وفوائد، وضم إليه المولد الذي لم يدون فيه كتاب، مع شيء من النقد والرد ولطائف أدبية.

إنه الشهاب الخفاجي (977-1069هـ = 1569-1659م) أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي المصري: قاضي القضاة وصاحب التصانيف في الأدب واللغة. نسبته إلى قبيلة خفاجة.

ولد ونشأ بمصر، ورحل إلى بلاد الروم، واتصل بالسلطان مراد العثماني فولاه قضاء سلانيك، ثم قضاء مصر. ثم عزل عنها فرحل إلى الشام وحلب وعاد إلى بلاد الروم، فنفي إلى مصر وولي قضاء يعيش منه فاستقر إلى أن توفي. من أشهر كتبه (ريحانة الالبا) ترجم به معاصريه على نسق اليتيمة، و(شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل) .

و(شرح درة الغواص في أوهام الخواص للحريري) و(طراز المجالس) و(نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض) أربعة مجلدات، و(خبايا الزوايا بما في الرجال من البقايا) مجلد في التراجم، و(ريحانة الندمان) و(عناية القاضي وكفاية الراضي) حاشية على تفسير البيضاوي، ثمانية مجلدات.

و(ديوان الأدب في ذكر شعراء العرب) و(السوائح) في خزانة أسعد أفندي بالآستانة، رقم 2738 أدب (كما في المختار من المخطوطات العربية بالاستانة 47) و(قلائد النحور من جواهر البحور) في العروض، ومعه رسالتان له أيضاً، هما (جنة الولدان) و(الكنس الجواري) أخبرني بهما أحمد خيري، ولعلهما في مكتبته، وله شعر رقيق جمع في ديوان (الأعلام 1/238).

يقول الخفاجي: «هذا كتاب جليل جمعت فيه ما في كلام العرب من الدخيل، دعاني إليه أن المعرب ألف فيه قوم منهم من لم يحم حول ناديه، ومنهم من دقق حول التخريجات الغريبة، وأتى في أثناء ذلك بوجوه عجيبة، وكتاب أبي منصور روح الله روحه، وأجزل في منازل السعادة فتوحه، أجل ما صنف في هذا الباب.

إلا أنه لم يميز فيه القشر من اللباب، فأحببت أن أهدي تحفة للإخوان، بل عروساً منتقبة بنقاب الحسن والإحسان، وأضفت إليه فوائد، ونظمت في لبابه فرائد، وضممت إليه قسم المولد وهو إلى الآن لم يدون في كتاب.

ولم يرفع عن وجوه مخدراته النقاب، وقد أوردت منه ما يسر الناظر، ويشرح الخاطر، مع شيء من النقد والرد، ولطائف أدبية تذكر عهود تهامة ونجد، وسميته شفاء الغليل، فيما في كلام العرب من الدخيل.

وأعلم أني أذكر في كتابي هذا تتميماً للفائدة ما قد يذكره بعض أهل اللغة إما لتركهم التنبيه على أنه مولد وإما لأنهم لم يحققوا معناه وإما لكونه غريباً نادر الاستعمار ثم إني رتبت كتابي على حروف المعجم ناظراً لأوله الواقع في الاستعمال من غير تدقيق فيه بالنظر لأصالته وعدمها وقد أترك بعض ما عربوه لعدم وروده عمن يعتد به».

والتعريب نقل اللفظ من العجمية إلى العربية، وقد يعرب لفظ ثم يستعمل في معنى آخر غير ما كان موضوعاً له، وما عربه المتأخرون يعد مولداً، وأعلم أنهم قد يغيرون الكلمة الأعجمية، والتغيير أكثر من عدمه فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا، وربما أبعدوا الإبدال في مثل هذه الحروف وهو لازم لئلا يدخل في كلامهم ما ليس منه فيبدلون حرفاً بآخر ويغيرون حركته ويسكنونه ويحركونه وينقصون ويزيدون.

وأحسن كلام العرب ما بني من الحروف المتباعدة المخارج، وأخف الحروف حروف الذلاقة، ولذا لا يخلو الرباعي والخماسي منها، فإذا وردت فاعلم انها غير أصيلة في العربية، ولا تجتمع الصاد والطاء في كلمة عربية، ومن احتج بالصراط فصاده بدل من السين، وليستا لغتين كما ظن، وأسماء الأنبياء كلها أعجمية إلا صالحاً وشعيباً ومحمداً، واختلف في بعضها كآدم وإسماعيل وإسحاق وإلياس.

ثم إن العرب كما تعرب الأعجمي كذلك العجم تعرب العربي، وأعلم ان المعرب إذا كان مركباً أبقى على حاله لأنه سماعي، ومن المعرب ما أبقوه على حاله والمراد حكايته، وهو لا يلزمه التغيير ولا موافقة أوزانهم.

وهو يعد من التكلم بغير العربية، ومنه ما نقل وكثر دوره على ألسنتهم وهم يلحقونه بأبنيتهم إلا ما ندر، وإذا شذ العربي القح فما بالك بالدخيل فأقسامه أربعة ما لم يغير ويلحق بأبنيتهم كخراسان، وما غير وألحق كخرم، وما غير ولم يلحق كآجر، وما لم يغير ووافق أبنيتهم وأعلم ان المولدين كما غيروا الأبنية غيروا هيئة التركيب وأوزان الشعر.

«ايش» بمعنى أي شيء خفف منه نص عليه ابن السيد في شرح أدب الكاتب وصرحوا بأنه سمع من العرب، وقال بعض الأئمة جنبونا ايش فذهب إلى أنها مولدة، وقول الشريف في حواشي الرضى أنها كلمة مستعملة بمعنى أي شيء.

وليست مخففة منها ليس بشيء ووقع في شعر قديم انشدوه في السير (من آل قحطان وآل ايش) قال السهيلي في شرحه الايش يحتمل انه قبيلة من الجن ينسبون إلى ايش ومعناه مدح يقولون فلا ايش وابن ايش ومعناه شيء عظيم وايش في معنى أي شيء كما يقال ويلمه في معنى ويل لامه على الحذف لكثرة الاستعمال انتهى.

«سجن» م ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم سجن وكان يحبس في المسجد أو في الدهليز حيث أمكن فلما كان زمن سيدنا علي رضي الله عنه أحدث السجن وكان أول من أحدثه في الإسلام وسماه نافعاً ولم يكن حصيناً فانفلت الناس منه فبنى آخر وسماه مخيسا بالخاء المعجمة والياء المشددة فتحاً وكسراً وقال فيه:

نزلت بعد نافع مخيسا

بابا شديداً وأميناً كيسا

ألا تراني كيسا مكيسا

وإنما ذكرته هنا لأن هذه الأسماء حدثت بعد العصر الأول. «ملوخيا» نوع من البقول يعمل منه طعام معروف بمصر، وهي باردة لزجة يضر الإكثار منها بالمرطوبين وأصحاب البلغم وفي مطالع البدور وكتاب الأطعمة أنها نوع من الخطمى ولم تكن معروفة قديماً.

وحدثت بعد سنة ثلاثمئة وستين من الهجرة وسببها أن المعز باني القاهرة لما دخل مصر لم يوافقه هواؤها وأصابه يبس في مزاجه فدبر له الأطباء قانوناً من العلاج منه هذا الغذاء فوجد له نفعاً عظيماً في التبريد والترطيب وعوفي من مرضه فتبرك بها وأكثر هو أتباعه من أكلها وسموها ملوكية فحرفتها العامة وقالت ملوخيا.

د. أنس صلاح الدين صبري

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث