تسابقت أقلام أصحاب العلم في تدوين أقوال أئمتهم في العلم والدين، الذين شغلهم القرطاس والقلم عن مزاحمة الناس في دنياهم، حتى صاروا أئمة تشد الرحال لنيل بضاعتهم، وتنفق الأموال لشراء سلعتهم، فتزاحم الناس عليهم رغبة فيما عندهم من العلم فدونت أقوالهم في العلم، اعترافاً بفضلهم وعلو قدرهم، وطمعاً في تحري الصواب من بين آرائهم، فعلمهم هو زاد الناس الى آخرتهم.

وقد كانت كتب الفقه تبعاً لمذاهب المصنفين، فكل مصنف له من نسبه نصيب، فمن نسب للشافعي عمل جاهداً على جمع أقوال أئمته في المذهب عارضاً أو موازناً، أو مرجحاً، وقل مثل ذلك عن أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ووقفتنا هذه ستكون مع مخطوط في فروع الفقه الشافعي لإمام من أرض الإيمان والحكمة، أرض اليمن.

عنوان مخطوطنا «العباب المحيط بمعظم نصوص الشافعي والأصحاب»، ألفه الإمام أحمد بن عمر بن محمد، المذحجي، الزبيدي، صفي الدين، المشهور بالمزجد «هكذا ضبطها أصحاب التراجم دون إشارة الى أصلها ومعناها» وهو قاض، من فقهاء الشافعية بتهامة اليمن، مولده في زبيد سنة 847ه، ووفاته في زبيد أيضاً سنة 930 هـ له عدة مصنفات في الفقه منها: تجريد الزوائد وتقريب الفوائد، وتحفة الطلاب، ونظم مسائل الإرشاد «منظومة تقع في 5840 بيتاً» وغيرها.

أما كتابه العباب فهو مشهور بين أهل العلم، وقد شرحه ابن حجر الهيتمي، وقال فيه صاحب العقيق اليماني: «اجمع علماء مصر والشام واليمن أنه لم يصنف مثله في حسن ترتيبه وتهذيبه وجمعه، أقام في تهذيبه عشر سنين».

وقال فيه وحيد الدين الزبيدي نظماً:

جزى ربنا عنا الذي هو أهله

شهاب الدنا والدين أعني أبا الحسن

بتصنيفه هذا العباب الذي له

تقلد ذو العلم الجسيم من المنن

غنينا به عن كل أصل وفرعه

وروض وإرشاد وشرحهما معا

فيا طالبا للعلم حسبك درسه

إذا شئت تدعى عالم الشام واليمن

ينبيء العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه بما ضمنه إياه، فهو كتاب في فروع الفقه الشافعي، حرص فيه المؤلف على اختيار الآراء وأقواها في المذهب، وفي مقدمة المخطوط عبارات موجزة الألفاظ وافية المعاني تبين موضوع الكتاب ومنهجه، ننقلها بنصها وفصها اذ هي أبلغ من أن نتصرف فيها، يقول فيها:

«®. أما بعد فهذا كتاب محرر الفصول والأبواب، مهذب الفروع مع الإيعاب، جمعت فيه من فروع المذهب أكثرها، وقيدت من أوابده منتشرها، ونظمت في سلكه جواهرها ودررها، وأودعته خلاصة روضة الطالبين.

وعمدة المفتين مع زيادة فوائد عديدة وفرائد مفيدة انتزعتها من غضون كتب الأصحاب، وقربتها الى الراغبين من الطلاب، ونحيت فيه القشر عن اللباب، جازما بما رجحه الشيخان الرافعي والنووي إماما المذهب، ثم بما رجحه الإمام النووي في الأغلب، منبهاً غالباً على ما خالفا فيه الأصوب».

تقدم قريباً منهجه في عرض مادته، أما منهجه في تقسيم كتابه فإن عامة كتب الفقه لا تختلف كثيراً عن بعضها في عرض مادتها، فخطوات المنهج بين غالبها متطابقة، يقفو فيها اللاحق أثر السابق، فغالبها يبدأ بعد المقدمة بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم.. إلى ان ينتهي المطاف أخيراً الى كتاب المكاتبة والعتق وأمهات الأولاد.

وكتاب «العباب» لا يختلف عنها فهو سائر في ركابها، ومتبع لخطاها، فمقدمته الموجزة التي تقدمت قريباً بين في أولها موضوع كتابه ومنهجه، وختمها برجاء يحسن نقله يقول فيه: «وأرجو ان يسر الله لي هذا المطلب، وتم تأليفه على هذا النمط الأطيب، ان يكون خزانة علم يحملها الفقيه في كمه، وعبابا زاخراً تقصر كبار المصنفات عن يمه».

وأوله بعد المقدمة «كتاب الطهارة»، وآخره «كتاب أمهات الأولاد، وما بين هذين الكتابين توزعت المادة الفقهية على حسب: الكتب والأبواب والفصول، فالكتاب يشير الى الموضوع الفقهي الرئيسي، والباب تنسج فيه مادة الكتاب الفرعية، والفصل تنشر فيه جزئيات الباب الدقيقة، فكتاب الطهارة مثلاً فيه من الأبواب:

باب بيان النجاحات، وباب الآنية، وباب صفة الوضوء.. وفي باب النجاسات من الفضول: فصل في تنجس الماء الراكد والجاري، وفصل في الماء الجاري، وفصل في كيفية إزالة النجاسة.. وهكذا.

حوت خزائن مركز جمعة الماجد من هذا السفر النفيس على ثلاث نسخ مصورة إحداها مصورة ورقية، وبقيتها مصورات مايكروفلمية، أما المصورة الورقية، فتقع في 364 ورقة، في كل ورقة 33 سطراً ورقم حفظها في المركز 369 ورقي، وهي نسخة نفيسة قيمة لها كثير من الميزات، منها:

1 ـ إن الذي نسخها حفيد المؤلف، واسمه عبدالرحمن بن حسن بن أحمد بن عمر المزجد، نقلها عن نسخة بخط المؤلف، وفرغ من كتابتها في 16 رمضان سنة 948ه.

2 ـ هي نسخة مقابلة، ومصححة، على بعض أهلم العلم.

ولكن مع هذه الميزات فيها عيب طارئ إذ ان النسخة التي وصلت الى المركز فيها ما يقرب من ثلاثين ورقة غير واضحة التصوير.

وأما المصورتان الميكروفلميتان فإحداها وصلت الى المركز ناقصة مع كمالها في الأصل، ورقم حفظها في المركز 13100.

والأخرى كاملة واضحة، وهي محفوظة في المركز برقم 13034 وعدد أوراقها 555 ورقة، في كل ورقة 29 سطراً.

نسأل الله الكريم ان يسخر لهذا السفر النفيس طالب علم، صبور دؤوب، يعمل على تحقيقه ونشره، ليمتع أهل العلم نواظرهم بدور هذا «العباب» الزاخر بكل نفيس.

د. هادي أحمد الشجيري

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث