الناظر إلي دبي اليوم ليعجب من تلك الروح الفريدة التي تربط بين النخبة الحاكمة وأهالي دبي وقاطنيها. فهناك علاقة ود ومحبة متبادلة بين تلك النخبة الحاكمة وبين سكان دبي، علاقة ارتسمت في القرارات والسياسات التي تتخذ دبي واضعة في الاعتبار مصالح كافة الأشخاص الذين يعيشون ويتمتعون بخيرات هذه البقعة من وطننا الإمارات.
ان هذا التقليد ليس بالجديد ولكنه تقليد تاريخي تميزت به دبي منذ نشأتها وحتى يومنا هذا. عرفت دبي منذ نشأتها بأنها مدينة تتميز بطابع سياسي واجتماعي مختلف كل الاختلاف عن باقي مدن الخليج. فقد كانت مجالس الشيوخ والحكام مفتوحة على الدوام للالتقاء بالمواطنين والمقيمين على اختلاف مشاربهم وطبقاتهم.
فلم يغلق باب الشيخ يوما أمام مطالب ولم تسد الأبواب لسماع شكوى أو مشكلة. كانت مجالس الحكام قديما مكانا للالتقاء وتبادل المشورة والنقاش الحر الأمر إلي يعكس الجو الديمقراطي الحر الذي أوصى به الإسلام عندما قال الله عز وجل في كتابه «وأمرهم شورى بينهم».
وحتى عندما تطورت دبي في فترة الخمسينيات والستينيات ودخلت أنماط حضارية جديدة ظل مجلس حاكم دبي يلعب نفس ذلك الدور التقليدي الذي لعبه مجلس الحاكم في الماضي. فقد أصر، الشيخ راشد، على احتفاظ مجلسه، بنفس وظيفته وقيمته التقليدية القديمة كونه مجلسا استشاريا للشيخ وللامارة وكونه مكانا للالتقاء وتبادل الآراء.
كان مجلس الشيخ مكانا للتشاور وتبادل الآراء وهكذا كان هذا المجلس يشكل نواة الديمقراطية في هذه المجتمعات. كان من حق أي مواطن أن يرى الحاكم ويناقش معه القضايا التي تشغله. وتقول الروايات ان حاشية الشيخ راشد أرادت أن تمنع رجلا يوما دائم الشكوى من الدخول على راشد فما كان من الشيخ الا أن أدخله واستمع إليه حتى انتهي. هكذا كان مجلس الشيخ مجلسا ديمقراطيا قائما على احترام الجميع على أساس المساواة ودون تميز.
* العمل الجاد
كان راشد مثالا للحاكم الذي يؤمن بقيمة العمل الجاد الدؤوب والمكثف. فقد كان من المعروف عنه أنه يستيقظ في الخامسة صباحا ليؤدي صلاة الفجر ثم يغادر منزله لتفقد المشاريع الكبرى التي كانت تدور في دبي.
كان راشد يتفقد المدينة في جولات غير رسمية اما على صهوة جواده أو جمل أو السيارة أحيانا. وكان يتنقل دون حراسة ودون الكثير من الأتباع. كانت رؤية الحاكم وهو يسير وحده أمرا مثيرا للعامة.
وكثير ما كان راشد يتوقف للتحدث مع من يقابله من تجار وموزعين ومن عامة الشعب.وعند الساعة الثامنة كان راشد يعود للمنزل لتناول طعام الافطار ثم الاستعداد لبدء المرحلة الثانية من عمله وهي المقابلات الرسمية في مقر الجمارك المطل على الخور.
من صفات القائد الناجح المشورة من أبناء شعبه المخلصين. وطبقا لروايات معاصريه، فقد كان راشد يفتح باب النقاش والتشاور وكان يحيط نفسه دائما بأشخاص يحترم ارائهم ويعتقد أنهم قادرون على تحقيق المهام التي حددها لهم.
فإذا ما كان لديه مثلا، فكرة أو مشروع كان يطلب من الحاضرين ومن الأشخاص الذي يثق في قدرتهم على التفكير الصحيح الناصح أن يعبروا عن وجهات نظرهم. وكان راشد ينصت باهتمام ويدلي برأيه دون تعصب ودون منع أحد من التعبير. لذلك تميز مجلس راشد على رأي معاصريه، بالكثير من الحيوية والديمقراطية.
كان راشد يشعر بالراحة في مكتبه المتواضع وكان بابه مشرعا لدخول الراغبين في مقابلته حتى أنه في الكثير من الأحيان يجد صعوبة في انجاز أعماله المكتبية بسبب توافد الناس عليه. وكان في الكثير من الأحيان يترك أوراقه للاستماع إلى محدثيه. ونادرا ما عرف عن راشد بأنه فقد أعصابه في تعامله مع أي شخص. بل عرف عنه أنه مستمع جيد. وكان يفكر مليا قبل أن يجيب ويختار كلماته بحذر ولم تكن ردوده متسرعة.
هذه العلاقة المتوازنة بين الحاكم والمحكوم أزالت تلك الطبقية المتعارف عليها بين النخبة الحاكمة والشعب وجعلت من مجتمع دبي مجتمعا مفتوحا على الكثير من الثقافات والأعراق. فقد كان راشد يردد على الدوام النصيحة التي سمعها من والدته الشيخة حصة بنت المر، لا تزرع بذورا لا تؤتي ثمارها.
لذلك ظل راشد طوال حياته متمسكا بتلك النصيحة محققا لدبي قفزة نوعية لم تعرفها مثيلاتها من المدن العربية. وهكذا أتت السياسيات الحكيمة لراشد في حياته بذورها وأثمرت تلك البذور ثمرات خيرة تقطفها وتستفيد منها الأجيال الجديدة التي تعيش في دبي.
* العلاقات الاجتماعية
كما سبق ذكره كان مجلس الشيخ مفتوحا على الدوام للالتقاء بالمواطنين. ولم تكن هذه العلاقة من طرف واحدا. بل ان الشيخ نفسه كثيرا ما جامل مواطنيه في أفراحهم وأتراحهم. فلم يعتبر الشيخ نفسه حاكما بل أعتبر نفسه واحداً من أفراد المجموعة البشرية التي تقطن دبي.
لذا كانت العلاقات الاجتماعية وثيقة بين الحاكم وافراد الشعب بل وحتى المقيمين. فقد كانت الزيارات الاجتماعية التقليدية بين الأهالي متبعة حتى من قبل الشيخ نفسه. بل أن الشيخ كان يزور المقيمين في دبي ليجاملهم في أعيادهم ومناسباتهم الدينية.
فتروي لنا الصور التاريخية التي التقطت في تلك الفترة عن لقطة جمعت بين الشيخ راشد ورجل الأعمال الهندي جي.بي. شويترام في زيارة قام بها راشد لتهنئته على ذكرى العيد الهندي «الديوالي».
لقد استطاعت الطبقة الحاكمة في دبي أن تبني نمطا اجتماعيا مغايرا وجديدا لتلك العلاقة الأبدية الشائكة بين الحاكم والمحكوم، علاقة قائمة على الاحترام المتبادل وصدق المشاعر الودية، تلك العلاقة أورثت الحب والولاء من قبل أهالي دبي وقاطنيها لتلك البقعة التي يعيشون عليها، حبا خرج عن نطاق المواطنة ليلون تلك العلاقة القائمة بين الانسان وبقعة الأرض هذه بلون جديد.
فلا غرو أن تصبح هذه العلاقة اليوم علاقة حب وعشق لهذه المدينة الجميلة. فدبي التي تضم اليوم أكثر من 1,1 مليون نسمة استطاعت أن تكون أنموذجا للمدينة الكسمبوليتينية دون أي مشاكل عرقية أو أثنية أو ما خلافه.
* دبي والعولمة
وعلى الرغم من مخالب العولمة الشرسة التي بدأت تنشب أظافرها في مناطق أخرى من العالم وتؤثر عليها الا أن دبي استطاعت بفضل حكمة صناع القرار فيها تفادي الكثير من القضايا الشائكة. هذا لا يعنى أن دبي تستطيع أن تعيش بمعزل عما يجرى في مناطق العالم الأخرى.
فتبني دبي للاقتصاد المفتوح والفضاء المفتوح بالاضافة إلي موقع دبي بين الشرق والغرب جعلها ملتقي ليس فقط للكثير من الحضارات والثقافات بل وملتقى للكثير من الأفكار الجديدة والرؤى. هذا المزيج جعل من دبي مكانا مناسبا لبدء تيارات فكرية جديدة.
ولذا فلا غرو أن يسبب نجاح دبي الخوف وتوصف بأنها «الطير الذي يغرد خارج السرب». هذه المقولة سرعان ما تم تفنيدها على لسان أحد أبنائها والذي راقب نجاحها أبا عن جد، ولي عهدها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
فتطور دبي ليس ناتجا عن نجاح حديث ولا عن تطور غير مدروس. بل أن تاريخ دبي هو سلسلة من النجاحات التي حققتها سواعد أبنائها مع سواعد الجاليات الوافدة. ان معرفة هذا التاريخ مهمة وضرورية لمعرفة سر نجاح دبي الحالي.
ترصدها:د. فاطمة الصايغ