بعد ان يدق جرس المدرسة معلنا انتهاء اليوم المدرسي القصير في شهر رمضان يعود المعلم حسن عبد اللطيف البالغ من العمر 35 عاما متعبا وجائعا وعطشا، ولكنه بعد ان يدخل البيت لن يتحدث في العادة إلى أهل بيته يكفي «السلام عليكم».
وفي الأثناء يجب ان تكون زوجته قد هيأت له «الفرشة» أمام التلفزيون والتي سيبقى نائما عليها حتى موعد الإفطار اللهم انه سيقوم لصلاة العصر ثم يعود للنوم مجددا.
وعائلة عبد اللطيف تعرف عنه هذا جيدا ولهذا فلن تجادله فعشر سنوات من الزواج كانت كافية لمعرفة حدود الخطر التي ستفرزها مثل هذه النقاشات كيف لا والرجل صائم.
على أية حال كبسة زر تشغيل التلفزيون هي المنجد للعائلة من كل العصبية التي سيكون على العائلة تلقيها من عبد اللطيف ولهذا فإنها تسير وفق المثل القائل «نوم الظالم عبادة» باعتبار النوم البديل الأسلم لتعاطيها مع «العصبي حتى يفطر».
ويصف الطبيب النفسي د. محمد نايف التلفزيون بأنه في هذا العصر تحول إلى عضو مهم في الأسرة المعاصرة. وقال إلا ان الفرق بين هذا العضو الإلكتروني البلاستيكي والعضو الطبيعي ان الأول يعمل على تفريق أفراد هذه الأسرة بدل ان يجمعهم.
ويشير إلى بروز الخلافات شبه اليومية بين أفراد الأسرة حول البرامج والمسلسلات المراد حضورها من قبل أفراد العائلة الواحدة خاصة في حالة وجود جهاز تلفزيون واحد بالبيت، مؤكدا على ان هذه إحدى المشكلات التي يولدها هذا الجهاز.
ويضيف انها تختطف الزوجة من زوجها، وأحيانا العكس هو الصحيح، فنجد الزوجة متسمرة أمام التلفزيون لمدة ساعات متواصلة في الوقت الذي لا تكلم زوجها أكثر من نصف ساعة طوال اليوم.
ويتابع د. نايف: ان التلفزيون قلل التفاعل بين الزوجين كما اضعف العلاقة بين الأب وأولاده الذين ينشغلون بمتابعة برامجهم لساعات طويلة تجاهلوا خلالها والديهم ولا يلجأون لهم إلا لأمر ضروري أو لطلب معين.
وكانت دراسات غربية قد خلصت إلى أن التلفزيون يجمع العائلة فيزيائيا ويفرقها عاطفياً، إذ تجتمع حول هذا الجهاز الصغير بينما كل يحلق في عوالمه المختلفة ويعتبر البعض ان التلفزيون خلق عوالم مفترضة تصلح بديلا عن التواصل العائلي ولا بد ان تعاني من هذا ديناميكية العائلة، فالأطفال بحاجة لتطوير مهارات لبناء علاقات اجتماعية والمكان الأول لتعلم الأطفال مهارات لغوية وتواصلية هو البيت ومع أفراد أسرتهم.
ويستشهد د. نايف بالقول: لو افترضنا ان الشاب أو الطفل يشاهد التلفزيون 3 ساعات يوميا فهذا يعني ان الشاب وعند بلوغه 17 عاما سيكون قد أمضى 17 ألف ساعة أمام التلفزيون» مشيرا إلى ان المواد المشاهدة لا تضم المحتوى النافع الذي ينمي العقلية والشخصية في الوقت الذي لا تتناسب فيه مع قيمنا وعاداتنا أيضا.
أما فيما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية التي تنتج عنه فيقول إن العديد من الزوجات يشكون من نظرة أزواجهن لهن نظرة دونية وذلك لمقارنة الأزواج أحيانا بينهن وبين الجميلات المطلات على الشاشة بشكل متواصل».
أما من ناحية الزوجات أنفسهن فإن الزوجة أصبحت عقليتها استهلاكية وتريد شراء كل ما تراه عبر الشاشة مشيرا إلى تكريس صورة المرأة ككائن ضعيف لا يفكر الا بالحب وإرضاء الرجل فقط.
ويتطرق الطبيب النفسي إلى مسألة إنشاء علاقات غير شرعية كنتاج عن تقليد الأبناء خصوصا في سن المراهقة لقصص الحب التي يرونها، مؤكدا على تسبب هذا الجهاز بمشاكل لا تعد ولا تحصى بين أفراد الأسرة مما يؤدي بالأب أحيانا إلى تكسيره كما جرى في بعض الحالات.
منوها إلى ان أسباب هذه الخلافات والمشاكل عادة ما يعود لاختيار المحطة فأحدهم يريد مشاهدة مباراة رياضية وأخر محطة أغان أما الأم فتريد مشاهدة مسلسل في حين يود الأب متابعة الأخبار مما يضع العائلة في صراع ناتج بالدرجة الأولى عن كثرة وتنوع الخيارات، «استثني من هذه الحالة الأثرياء الذين توجد في كل حجرة من حجرات البيت جهاز تلفزيون والذين كنتيجة عن هذا يعيشون كالغرباء تحت سقف واحد».
ويصبح الترفيه التلفزيوني وخصوصا في رمضان نوعا من الإدمان لأنه يقوم بدور «المحول» الفوري والذي ينقل المرء من مشاعر سلبية مترافقة مع حزن وألم أو حتى ملل يعانيه الفرد، ولكن في المقابل وتماما كالإدمان الحقيقي فانه يقلص الألم .
ولكن على المدى القصير فقط، ويترك الشخص بدون حلول أو منافذ للخروج من معاناته أو حتى لتطوير مقدرته على إيجاد حلول لهذه المشاكل على المدى البعيد، وليس هذا فحسب بل قد يعطل إدمان التلفزيون إيجاد حلول لأي نوع من الأزمات لأنه سيؤجلها فقط لانشغال صاحبها وعدم تفرغ عقله لحلها!.
أما ربا جمال - ربة بيت فإنها تصف استنجاد زوجها بالتلفزيون «والتجول بين عوالم حالمة وأخرى عنيفة تلك التي تقدمها الفضائيات حسب قولها إنما هي «ولوج إلى عالم من الاسترخاء مع هذا الجهاز السحري». وتقول: لا أنكر انه يمثل دور المتلقي السلبي في نهاية كل يوم مرهق ولكنه على الأقل في هذا الشهر يمكن ان يبعد عني شر زوجي، دون ان تنكر العزلة الاجتماعية التي يساهم في تعزيزها التلفزيون بالنسبة إلى زوجها.
ولا تستبعد ربا ما تتحدث عنه الدراسات من ان التلفزيون يقلص التفاعل مع الآخرين الا أنها تقول ان هذا الشهر استثنائي وعليها مراعاة عصبية زوجها ما دامت لا تستطيع معالجتها. ويتابع طالب الثانوية العامة احمد عبد الرحمن في شهر رمضان خمسة مسلسلات تلفزيونية ويؤكد انه لو ان يومه يستوعب أكثر من ذلك لتابع أكثر من هذا العدد.
يقول عن ذلك: في الأيام العادية يمتد السهر معي مما يجعلني غير قادر على الاستيقاظ مشيرا إلى انه في أحد الأيام نام بعد ان تابع أحد المسلسلات بعد صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا بعد أذان المغرب.
عمان ـ «البيان»