لم تكن مؤسسات المجتمع المدني بمنطقة الخليج قد تبلورت كما هو الحال الآن، فكانت ثمة جهود ومحاولات لكن عودها لم يشتد في جميع بلدان المنطقة بالقدر الذي يسمح بتكوين علاقة لها علامات بارزة في الحياة العامة.
لذا فان العلاقات بين دول منطقة الخليج كانت ترتكز على الجانب الاجتماعي حيث تم التواصل بين شعوبها عبر مجتمع البحر إما الغوص او صيد الأسماك أو السفر الذي اوجد روابط اجتماعية بين الناس، وبالتنقل بين هذه البلدان، برزت علاقات أسرية حيث تم التزاوج بين بعض الأسر.
ولعل مرحلة انكسار مهنة الغوص، واستخراج البترول في بعض البلدان بكميات تجارية ساعدا على تنامي العلاقات الاجتماعية التي تحولت إلى علاقات اقتصادية حيث سافر الكثيرون من المناطق التي تأخر استخراج البترول فيها إلى الدول الأخرى بحثاً عن فرص عمل بها.
وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولات تجارية قام بها البعض بين دول المنطقة، نتج عنها اقامة بعض اولئك التجار بمنطقة الإمارات.
كان متنورو ذلك العصر بشوق لالتقاء نظرائهم في البلدان الأخرى فكلما سنحت الفرصة لهم للالتقاء فيما بينهم يحدث تواصل مشهود له أثر في خلق روابط ثقافية متينة ولكنها تكون دائماً فردية.
وقد مثل مجتمع بومباي نقطة التواصل حيث أن تجار ومثقفي المنطقة كانوا يلتقون هناك سواء المقيمون منهم أم الذين يسافرون ويعودون، وساعد وجود بعض المثقفين العرب هناك على إيجاد بيئة ثقافية مهمة.
ويؤرخ لنا الشعر بعضاً من وجوه الحالة التي كانت عليها منطقة الخليج وخاصة الإمارات بعد كساد سوق اللؤلؤ فهذا الشاعر راشد بن علي بن مكتوم من إمارة أم القيوين يرثي حال الفقر التي مرت بها البلاد وسفر الناس الى بلدان الخليج الأخرى في منظومة يقول فيها:
إني نفرت من الفقر
حقاً لمن قال كفر
انظر إلى سكاننا
الحي منهم قد طفر
شدوا الرحيل لفقرهم
والماكثون على الأثر
أضحت تشمرت البلاد
إلى الكويت وثم قطر
وللشعر النبطي في هذا الجانب دور وحضور كذلك، فهذان الشاعران سالم الجمري ومحمد بن سوقات يتشاوران حول الأوضاع ويتبادلان الرأي في السفر
فالجمري يقول في مداعباته:
وأشوه رأيك إن عبرنا
في مركب في سيره مجد
لكويت ولبصرة سفرنا
وإلا جدا مدارس والهند
ويبادله ابن سوقات الرأي قائلاً:
أولى لنا نسافر سويه وشغل السفر بالخير مذكور
لكويت وإلا لقطريه
والرزق عند الله ميسور
وعندما اشتاق أحد الشعراء الى بلاده وأحس بالحنين قال:
لو لي بخت ما سرت الكويت
ولا بعد فارقت الأوطان
اسميك يا حظي ترديت
وابعدتني عن ساحل عمان
فرد عليه آخر مذكراً إياه بما حصل عليه من أموال في سفره الى الكويت التي لولاها لهلك.
لولا لكويت جان وليت
ولا بعد جمعت نيطان
نظراً للتقارب الجغرافي بين الإمارات وسلطنة عمان فإن العلاقات بينهما تعد أكثر عمقاً، حيث انها اعتمدت الجانب الاجتماعي الذي ربط بين الشعبين وسهل التواصل بينهما. وفي الجانب الثقافي نجد رسوخاً أكبر في العلاقات. فقد كان التواصل مستمراً بين الشعراء والأدباء والمؤرخين على وجه الخصوص، وبتتبع هذه العلاقة نستطيع أن نلخصها فيما يلي:
* التعليم:
تثبت الروايات حول التعليم ان مناطق الإمارات شهدت وجود عدد من الملعمين (المطاوعة) مارسوا التعليم البدائي. وعند افتتاح مدرسة العتيبة في أبوظبي في عشرينات القرن الماضي تقريباً. كان من بين مدرسيها الشيخ عبدالله الرستاقي نسبة إلى رستاق العمانية.
ومن المعلمين الذين جاؤوا ومارسوا التدريس أيضاً في دبي أستاذ عماني يدعى جمعة المسقطي والذي جاء في الأربعينات، وافتتح فصلاً لتعليم اللغة الإنجليزية حيث درس في العراق، وكان يساعده أخ له يدعى «شنون» وعلى يديه درس الإنجليزية نفر من أبناء دبي والإمارات الأخرى.
* ـ الشعر:
أهم مظاهر التواصل الثقافي هو الشعر الذي يعد الوسيلة الأوضح في بيان مدى العلاقات الثقافية بين البلدين فمن الشعراء العمانيين نجد كلاً من:
أ ـ الشاعر ابن عديم الرواحي: يعد الشاعر ابن عديم من شعراء عمان المشهورين له قصيدة نونية يتحدث فيها عن المنطقة نجده يورد مقطعاً فيها عن أهالي أبوظبي ودبي الذين ينتمون إلى حلف بني ياس حيث يقول:
وما رجاء بني ياس على خطأ
فإنما القوم أعوان وإخوان
قوم على صهوات الخيل طفلهم
يربو له من دم الأطفال ألبان
تلكم حصون بني ياس ومعقلهم
لا يحصن القوم أسوار وأفدان
ب ـ الشاعر محمد بن حمود: وهذا الشاعر وجدت له قصيدتان هما الأقرب لموضوعنا في إحدى قصائده يمتدح المدرسة الأحمدية ودورها ومؤسسها أحمد بن دلموك فيقول في قصيدته:
فجازاه رب العرش خير جزائه
وأسكنه في جنة الخلد سرمدا
فأعظم بها من نعمة مستمرة
منارا لأهل العلم من راح أو غدا
هنيئاً لكم يا آل دلموك إنكم
بكل مقام ذكركم قد ترددا
وفي القصيدة الثانية يمتدح أحد علماء دبي ورجالها الأفاضل الشيخ مبارك بن علي الشامسي الذي كان يعد قاضي تمييز ترد إليه أحكام القضاه، ويؤم منزله العلماء والأدباء. فيجتمع طلبة العلم بمجلسه أياماً طوالاً. يقول فيه:
قف بالرفاعة ساعة يا حادي
وأقرأ السلام أهيل ذاك النادي
واخصص أخي من بينهم بدرا أضا
قد عم منه النور كل بلاد
نجل الفخام مبارك بن علي من
سبق الكرام وفاق كل جواد
شهم تقلد بالعلوم جميعها
وقد ارتوى بالحلم والأرفاد
وهناك شاعر له دور مهم في العلاقات الثقافية المتبادلة بين البلدين هو الشاعر مبارك بن حمد العقيلي الاحسائي مولدا والدبوي إقامة ومدفنا. قدم عمان وأقام بها لدى الامام فيصل بن تركي آل سعيد، ثم استقر في دبي بداية من عام 1906.
وكان يمثل علاقة وصل ثقافي بين البلدين. وقد رثى ثلاثة من أمراء عمان ودبي حيث يقول:
أبعد بطي وابن حشر وفيصل
لمثل عقيلي تطيب المجالس
فهو يرثي الشيخ بطي بن سهيل حاكم دبي (1906 ـ 1912) والشيخ مكتوم بن حشر حاكم دبي (18 ـ 1906) والإمام فيصل بن تركي إمام عمان.
وقد استمرت علاقته بأولاد فيصل بن تركي، ويتضح ذلك من الرسالة التي بعث بها إليه السيد تيمور بن فيصل جد السلطان قابوس حيث يقول فيه «®. من تيمور بن فيصل إلى جانب شيخ الأدب وخدينة المود العزيز مبارك بن حمد العقيلي دام في بحبوحة الصحة والعافية..» وذيل رسالته بقوله: «®. هذا وعليك السلام من مسقط في 19 صفر 1365 هـ 1947م محبك أبي سعيد تيمور».
وأثناء إقامته بدبي لم تنقطع قصائده في عمان وأهل عمان. أما شعراء الإمارات فكانت علاقتهم أيضاً قوية بالمثقفين في عمان. فهذا الشاعر سالم بن علي العويس ابن الشارقة يقيم فترة من الزمن في عمان، ويرتبط بعلاقات وطيدة مع العمانيين.
وعندما زار الإمام سليمان بن حمير دبي عام 1369 هـ 1951م أنشأ قصيدة يرحب به ويذكر فضله يقول فيها:
يبني القضية لا يألوا سليمان
هو الأساس وكل الناس بنيان
فلبى فحج قلبي الله دعوته
وحسبك الله ما استكفاه إنسان
وكذلك الشاعر أحمد بن سلطان بن سليم أحد أدباء دبي وأعيانها المشهورين. كانت له علاقة وثيقة مع مؤرخي ومثقفي عمان وعندما قام الإمام فيصل بن تركي بزيارة إلى دبي أنشأ قصيدته التي يقول فيها:
تيها دبي ألا أمر حي
طربا لقد نلت المنى
وانضي لثامك وابرزي
في يوم عيدك والهنا
وافي يعشيه الجلا
لـ مشرفا وهيمنا
ويذكر العلاقة بين البلدين قائلاً:
ليس الشمال ومسقط
وصحار فيما دونا
إلا أديم واحد
مهما تعددت الكنى
لو أن ثغر من هنا
لرنا له هذا هنا
ويقول مادحاً الأمير سليمان بن حمير البنهاني أحد أمراء عمان:
لولا سليمان الأمير المجتبي
ما كان عن هذا النوى أغناني
الضيغم القرم الهام الحول
الحامي حمى الأوطان والجيران
يا أيها السند العظيم ومن به
ترجو البلاد سعادة العمران
رفقا بهذا الشعب ان حياته
تحي الجميع وموته سيان
وفي إحدى زياراته إلى عمان رحب به أحد شعرائها قائلاً:
شرفت أهلا يا أديب عمان
يا شاعرا شهدت له الملوان
يا من غدا لدبي خير ممثل
ساع لرفعه شأنها متفاني
يا أحمدً حمدت خصالك فانبري
يشدو بمدحك كل حر عان
أمر الإمام العدل نبراس الهدى
ذاك الخليلي ذو العلا والشأن
من يعتني بك ناشرا عنك الثنا
ولأنت أهل يا فتى سلطان
يا أحمداً عش في المعالي راقياً
وتشيد حمدك فوق كل لسان
واحمل تحية شعبنا لدبينا
وأميرها الضرغام فخر عمان
ومن الشعراء العمانيين الذين قدموا الإمارات وأقاموا بها الشاعر سالم بن عبدالله الكراني الذي عمل في أبوظبي كاتباً لدى الشيخ سلطان بن زايد بن خليفة حاكم أبوظبي الأسبق والد المرحوم الشيخ زايد بن سلطان. ثم عمل كاتباً لدى الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي وله فيهما شعر جيد.
؟ـ تواصل المثقفين:
مر بنا سلفاً ذكر الشاعر أحمد بن سليم الذي تواصل مع المثقفين العمانيين واهتمامه بشؤون عمان كقوله:
هنت عمان بما حازته بلدان
إذ أحرزت بك نصراً يا سليمان
ألقى إليك مقاليد الأمور بها
من حثه لطريق الخير إيمان
شد المدارس في فيح المدائن كي
تنجاب عنا عمايات وخذلان
وأكمل عليها يا رباب العقول كما
يقضي الصلاح وتستوعيه أذهان
ومن أهم الشخصيات الأدبية العمانية التي كانت تزور الإمارات الشيخ عيسى بن صالح الحارثي الذي ارتبط بعلاقات مع أدباء الإمارات ومؤرخيها.
ونستدل على ذلك بما نشرته مجلة البعثة الكويتية في عددها الثامن من السنة الخامسة أكتوبر 1951 في مقالة بعنوان «طرف من عمان» يقول الكاتب فيها (.. ولقد سمعت من صديقي الأستاذ أحمد بن سلطان بن سليم منذ عدة سنين أنه زار المرحوم الشيخ عيسى بن صالح الحارثي زعيم الهنائيين في الشرقية من عمان..)نموذج لقصيدة الشاعر العماني سالم بن عبدالله الكراني في مدح الشيخ سلطان بن زايد.