يتخوف المسلمون من طغيان الحضارة الغربية وسعيها للهيمنة على البلاد العربية والإسلامية ويرون أن تلك الأوضاع سوف تؤدى إلى اندثار الحضارة الإسلامية وزوالها رغم وجود مصادر ومقومات للحضارة الإسلامية محفوظة .
ولن تندثر ما دامت الحياة، فالأخيرة تقوم على أصول راسخة وثابتة وتستمد قدرتها على البقاء والمنافسة من القرآن الكريم ومن العاطفة الدينية للمسلمين ومن انسجامها مع الواقع وقدرتها على الاستمرار في أي زمان أو مكان .
وإذا كانت الحضارة الإسلامية سوف تبقى رغم ضعف المسلمين وتخلفهم في الجوانب المادية فإن المشكلة تكمن في الغرب الذي يحاول فرض نمط حياته ومنظومته على الشعوب الإسلامية ويعتقد أن حضارته هي المنتصرة.
وهي التي ستبقى وبالتالي يحاول إجبار الناس على الأخذ بها وهذا ما يرفضه المسلمون لان حضارتهم تتميز بخصوصيات لا تتواجد في الحضارات الأخرى وتقوم على عقيدة دينية تدعو إلى طلب العلم وإتقان العمل وتعمير الكون وإنتاج كل ما ينفع البشرية ويأخذ بيدها إلى الأمام .
وإذا كان المسلمون اليوم يعانون من التخلف التكنولوجي فإنهم يجب إلا يستسلموا وان يعدوا العدة لتجاوز هذا التخلف الذي يستثمره بعض الغربيين وبعض تيارات التغريب في بلادنا وتوظفه في الإساءة إلى الإسلام وتشويه صورته في العالم .
في هذا الحوار مع الدكتور محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية باللغة الانجليزية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر نناقش هذه القضايا.
* البعض يتخوف من زوال الحضارة الإسلامية في ظل تزايد الضغوط على البلاد الإسلامية ـ وتعاظم قوى الهيمنة والاستعمار فهل لهذا التخوف ما يبرره من وجهة نظركم ؟
الحضارة الإسلامية هي حضارة للزمن كله، وليست حضارة حقبة محددة أو زمن معين ونقول لمن يخشى على الحضارة الإسلامية من الزوال أو من الاندثار شأن الحضارات الأخرى ان هذا الظن ليس أكثر من وهم أو تعجل للخطر لا محل له، فالحضارة الإسلامية سوف تبقى أطول عمراً أبقى من الحضارة الغربية التي هي الآن موضع التهديد لنا لأن الحضارة الإسلامية تقوم على أصول راسخة وثابتة وتستمد قدرتها على البقاء والمنافسة من القرآن الكريم .
.
ومن العاطفة الدينية للمسلمين ومن انسجامها مع الواقع وقدرتها على الاستمرار في أي زمان أو مكان ونحن ندرك بالطبع ان الحضارة الغربية لها سطوتها اليوم ولها سلطانها وهي حضارة تكاد تمس كل زاوية من زوايا حياتنا وكل اهتمام من اهتماماتنا، سواء كان ذلك في الأمور السياسية أو العسكرية أو المعلوماتية أو الفنية أو التربوية إلى آخر ذلك .
* إذا كان الحال كما ذكرتم فما المشكلة التي يعانى منها المسلمون؟ ولماذا كل هذا الخوف على حضارتهم ؟
ـ إنني ألاحظ ما يمكن أن اسميه - مع وجود حساسية مفرطة لما أقول: إننا نعيش عصر فتنة الديمقراطية وهذا العصر وتلك الحضارة الغربية نحن لا نعاديهما أساساً .
ولكننا نعادى سلبيات أي حضارة وليس الحضارة نفسها لأن الحضارة هي حاجة إنسانية كما انها منتج إنساني ولا يمكن ان يعيش إنسان دون ان يفكر في تطوير وسائل العيش وفي تطوير طرق التفكير وطرق الحكم وطرق الاتصال وهذه أمور بديهية والإسلام نفسه عندما جاء طور وغير وبدل وأسس قواعد ثابتة.
وتخوف المسلمين وغيرهم يرجع إلى ان الحضارة الغربية اليوم وصلت إلى درجة من الهيمنة تستدعى التفكير الجماعي في كيف نقلص من ضغوطها على الناس أو نقلل من تحديها لإرادات الشعوب وعلماء الغرب. والاستراتيجيون الغربيون يقولون إن الحضارة الغربية هي آخر ما توصل إليه الإنسان في سعيه نحو بناء المجتمع المعاصر.
وان التاريخ سوف يقف عند الحضارة الغربية وهذا ما يقصدونه بعبارة « نهاية التاريخ » تماما كما كان الشيوعيون يقولون إن الشيوعية هي نهاية الصراع بين الطبقات .
ولم يكن أمامها أية تحديات والغربيون يفتخرون بقيمهم ويحاولون ان يفرغوا الإسلام بالتحديد من أي مضامين بناءة ففي نظرهم ان الإسلام لم يوجد ديمقراطية ولم يقرر حقوق الإنسان وغير ذلك هذا فضلا عن اتهام الإسلام والمسلمين دائما بالعنف والتطرف والإرهاب .
* الغرب يحاول فرض منظومته وقيمه ونمط حياته على الشعوب والمجتمعات الإسلامية إلا ترون ـ إن هذه المحاولة هي أساس الصراع والأزمات بين الشرق والغرب ؟
هذا صحيح واذكر في هذا الصدد أن بعض الكتاب الأميركيين قالوا إن كوريا الجنوبية كانت في منتصف القرن الماضي يعيش مواطنوها في مستوى اقتصادي مماثل تماما لمستوى المصريين المعيشي، لكن كوريا ضاعفت دخل مواطنيها أكثر من خمس مرات بالمقارنة بالمصريين وذلك بفضل تبنيها للقيم الغربية.
وهذا الكلام كلام مجمل ولا يثبت أمام النقد وبغض النظر عن مناقشته فإن الغرب يحاولان يفرض أيديولوجيته وقيمه على الشعوب وبالذات الشعوب الإسلامية والقيم هنا لا تقتصر على القيم المادية وإنما تتصل أيضا بالمعتقدات الدينية للمسلمين وبطرق التربية ومناهج التعليم و الإعلام والفن والثقافة والأدب .
وغير ذلك متناسين ان العالم الإسلامي له حضارة اصيلة لا يمكن أن ينفك عنها أو يتبنى حضارة اخرى غيرها ويروج في بلادنا اليوم لفكرة تبنى النمط الغربي ويزعم اننا اذا لم نتبنه سقطنا من قطار التاريخ وينادى البعض بفتح بلادنا وحدودنا امام الشركات والمؤسسات الغربية وفي الوقت نفسه فان الغربيين لا يكفون عن ملاحقة العقلية العربية والمسلمة والإلحاح عليها في ان تتقبل القيم الغربية وتترك القيم الإسلامية .
* لكن هذه المحاولات إلا تمثل مبررا للتخوف على الحضارة الإسلامية ؟
ـ أنا لا ارى خوفا على الحضارة الإسلامية لأنها عميقة الجذور وليس من السهل اقتلاعها بجانب ان الحضارة الغربية نفسها مهددة وفيها سلبيات كثيرة وفي باطنها خطر كبير، لكننا لا نريد من الغير ان يتعرض لحضارة المسلمين بهذه الحدة ولا نحب من المسلمين ان يتمنوا زوال الحضارة الغربية لأنها ميراث إنساني يشترك فيه الناس جميعا ويستفيدون منه.
وعلينا ان نفكر معا في كيفية الحفاظ على الحضارة الحالية التي تتفاعل مع الحضارة الإسلامية ولا تتناقض معها ولا تتصادم ولا تتصارع كما يحاول بعض الاستراتيجيين في الغرب ان يصوروا .
* إذا كانت الحضارة الغربية لا تتصادم بطبيعتها مع الحضارة الإسلامية، فلماذا يحاول البعض فرض هذا الصدام وخلق حالة من العداء بين الحضارتين ؟
ـ العداء للإسلام بصورة خاصة، لأنه دين ودولة ولأنه ليس من السهل اختراق الأمة التي تدين به وحتى في أو قات الهزيمة فإن لدى هذه الأمة رصيدها الكبير من المقاومة والهجمة ضد الإسلام والمسلمين ليس فقط بسبب الإرهاب المنسوب إلى قلة من المسلمين قد لا ترى إلا بالمجهر.
والمسلمون أنفسهم أدانوا أية عمليات تضر بالآمنين أو تقع خارج دائرة الصراع إلا أن الغرب يتخوف على حضارته من اكتساح الحضارة في الفكر والثقافة وفي طرق الإقناع وفي سرعة التأثير على الناس، خاصة الغربيين وتقبلهم لها لأنها تخاطب عقولهم وتتعامل معهم من موقع الاحترام والكرامة الإنسانية هذا هو محل الخوف لدى الغربيين .
كما أسموه هم « اسلامو فوبيا» وإلا فالمسلمون لا يملكون سلاحا يهدد أميركا مثلاً وليست لديهم جيوش تهدد الغرب، لكن الغربيين يتخوفون لأن الإسلام ديانة مقنعة ومتسقة مع الفطرة ويتقبلها الغربيون بسهولة وان تعداد المسلمين دائما في ازدياد بخلاف الغربيين فيما يتعلق بعدد السكان ونحن نقول إن الإنسان الخائف يضر.
والمفترض انه في ظل هذه التكنولوجيا العالية وفي ظل التقنيات الضخمة الهائلة في البر والبحر والجو ان يكون اطمئنان أوروبا والغرب أكثر وان يكون تصرفهم أشجع تجاه الشعوب المحرومة من كل هذه الأدوات والوسائل.
وهي فرصة للغرب، قد لا يعوضها، لان ينشئ علاقات قوية مع المسلمين وان يتقبل الإسلام باعتباره ديانة عالمية مؤثرة ولست أعني أن يعتنق الغرب الإسلام يحاول يتقبل الإسلام ويتعايش مع المسلمين وبين ان أقول يعتنق الإسلام فنحن لا نكره أحدا على الدخول في ديننا .
ولا نريد من احد أيضا ان يجبرنا على الدخول في ثقافته أو في نظامه السياسي، لكن هناك عموميات في نظم الحكم والإدارة والمعاملات وطرق التدريس والمناهج يمكن ان نتبادل المعرفة فيها مع الغرب، لكن من موقع الندية، فانا لا أريد ان يصور لى الغرب ان كل ما لديه مقدس وكل ما لدى ضعيف لا يصلح.
هذا الأسلوب غير مقبول وعلينا جميعا ان نبحث عن العوامل المشتركة وان نؤمن بحرية الشعوب في تقرير مصيرها وعدم الاعتداء على أراضى الغير بالقوة، وبهذا يمكن ان نبدأ عصرا جديدا أكثر إشراقا وأكثر أماناً وراحة للبشرية .
* وما هو دورنا كمسلمين للنهوض والتقدم واستعادة أمجادنا الحضارية من جديد ؟
ـ نحن كمسلمين قصرنا كثيرا والغرب للأسف يعرف حضارتنا ويخشى منها ونحن لا نعرف حضارتنا ولا نخشى على أنفسنا وهذه مفارقات عجيبة، والمسلمون يملكون كل مقومات التقدم ولم يتقدموا ولديهم الثروات الطبيعية والمواقع الجغرافية المتميزة ولديهم الرقعة الزراعية والبترولية والمعدنية الواسعة.
ولديهم البحار للصيد والأنهار للزراعة ومواقع السياحة، لكن للأسف التردد والفرقة التي تسود الصف الإسلامي والعربي هي التي جعلتنا لا ننهض ماديا حتى نكون في مستوى الغرب واذا لم نكن في مستواه نجعل الفرق بيننا وبينه ليس بهذه الحدة لان الفرق الحضاري من الناحية المادية كبير بيننا وبين الغربيين وهذا يجعلهم دائما يشعرون بأنهم المتفوقون.
وان من حقهم ان يفرضوا ما يرونه على الغير وان يوجدوا أسباباً للهجوم على الإسلام والمسلمين، فالمسئولية خطيرة جدا واذا استمر الحال فسوف تكون النكبة اكبر .
* هل هذه الأوضاع ستؤثر على الحضارة الإسلامية بالسلب ؟
ـ سوف يؤثر على المسلمين لأن الحضارة الإسلامية اذا قلنا إنها في خطر فإن الحضارة الغربية تواجه مخاطر عديدة فإذا كنا نتخوف على الحضارة الإسلامية فإننا نتخوف بدرجة اكبر على الحضارة الغربية لأن الادوات التي تفتك بها الحضارة الغربية بالغير يمكن ان تفتك بنفسها بها وتحطم نفسها بسلاحها.
ونحن نريد ان نحافظ على الحضارة التي استغرقت قرونا طويلة من اجل ان نصل إليها ونتواصل من خلالها والإنسان في هذا العصر لا يستغنى عن أخيه الإنسان ومن المفترض ان نتبنى الأيديولوجيا الإنسانية العامة التي رفع لواءها الإسلام في قوله - تعالى: « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم
القاهرة : ضياء الدين احمد