من كتب الرحلات المهمة عند مستهل القرن العشرين، كتاب الإمام محمد رشيد رضا.. الذي، وهو اللبناني الأصل، كان مقيما في القاهرة مصدرا «المنار» مساهما في النهضة.

. ثم زار خاصته المناطق السورية، داعيا إلى عدم الانفكاك عن الأتراك، مع الأخذ بأسباب العصر والتقدم. وهو يفعل بعض هذه الأمور هنا، من خلال حديثه عن زيارة لبيروت انطلق منها إلى دمشق الشام، حيث اجتمع بوجهائها وطرح العديد من الأفكار الجريئة معهم.

عدت في 23 رمضان إلى بيروت وفاء بوعدي لأصدقائي وللوالي، فأقمت فيها أربعة أيام كنت القي في كل يوم منها درسا دينيا بعد العصر في أحد المساجد.وفي اليوم الأخير استبدلت بالدرس خطبة سياسية في حظيرة الموقع العسكرية بناء لطلب الكثيرين.

وفي صبيحة يوم الخميس 27 منه، ركبت القطار الحديدي إلى دمشق الشام وهو قطار رديء. الدرجة الأولى منه دون الدرجة الثانية من القطار بين رياق وحمص، فبلغ بنا محطة دمشق قبيل المغرب، فإذا بانتظارنا صديقنا الكريم عثمان بيك العظم وجمهور ممن نعرف .

ومن لا نعرف من المحبين العلماء والوجهاء نخص بالذكر اعلم علماء الشام الأستاذ الأكبر بركة الوقن بقية السلف الصالح الشيخ عبد الرزاق البيطار والأستاذ العامل المجدّ الذي يقتل وقته كله في التدريس والتصنيف وتصحيح الكتب النافقة، الشيخ جمال الدين القاسمي، أدام الله النفع بعلمهما وعملهما. نزلنا في دار عثمان بك، فأقبل للسلام علينا فيها كثير من الوجهاء،فرأينا من أدبهم .

وحسن محاضرتهم، ما ينطبق على كل ما هو مشهور عنهم، وسمعنا منهم منذ الليلة الأولى أخبارا سيئة من جمعية الإخاء العربي التي أسست في الآستانة، فقال بعضهم أنها أسست بإيعاز من السلطان لتكون عضدا له وعونا على جمعية الاتحاد والترقي.. وقال آخرون أنها ضد الترك.

وقالوا أن ندرة بك المطران جاء الشام ليدعو إلى هذه الجمعية وهو يذم الترك ويدعو الناس إلى العصبية الجنسية العربية، وينفّر من جمعية الاتحاد والترقي. وذكروا أن سيرة بعض أعضاء هذه الجمعية غير محمودة، وأن بعض أفرادها يحتقرون وجهاء البلد ويفطرون في رمضان جهرا وان هذا مما يمهّد السبيل لندرة المطران ويجعل دسائسه مقبولة عند كثيرين.

هذا ملخص ما سمعته من أكثر من واحد. وكنت أبين لهم ولغيرهم أن تنفير العرب من الترك مفسدة من المفاسد، وأننا في أشد الحاجة إلى الترك والاتحاد بهم والإخلاص لهم، لأن مصلحتنا ومصلحتهم في ذلك. على أننا أحوج إليهم منهم إلينا، فمن يسعى إلى التفرقة بيننا وبينهم فهو عدو لنا ولهم.

فإن كان سعيه لهواه فهو شر الشياطين، وان كان سعيه لغيره فهو شر الأجراء الخائنين. ولا عجب في خروج ذلك عن بني المطران الفاسدين. نعم..

يجب على العرب أن لا ينسوا في اتحادهم بالترك، أنفسهم ويتكلوا على غيرهم بل يجب عليهم مباراة أخوانهم في التربية التي تقتضيها حال العصر، وتحصيل العلوم والفنون التي عليها مدار العمران، ليكونوا يدا واحدة في إحياء الدولة، وليقدروا على ترقية شأن بلادهم واستخراج خيراتها العظيمة، ثم ليكونوا أهلا لإدارتها بأنفسهم إذا غلب في المستقبل حزب صلاح الدين أفندي ابن أخت السلطان على غيره من الأحزاب التي ينتظر ان تتكون في الدولة.

وهو، أي رأي صلاح الدين، أن تكون كل ولاية من ولايات الدولة مستقلة في إدارتها الداخلية ويعبر عن ذلك بعدم المركزية(..) نعم، يجب علينا أن نفكر في حالنا الحاضرة وفي مستقبلنا القريب ومستقبلنا البعيد، وأن نعلم أن حسن المستقبل متوقف على ما قبله، والنهاية اثر البداية ويجب أن يكون الأساس الذي نبني عليه في حاضرنا ومستقبلنا، الإخلاص لدولتنا والاتحاد بالترك وسائر العناصر العثمانية.

ما دامت هذه العناصر متحدة بالدولة مخلصة لها، وأن تكون الآن من أشد الأعوان لجمعية الاتحاد والترقي على بث روح الدستور في جميع الطبقات ورقباء على الحكومة في سيرها وأعمالها، حتى ترسخ فيها الديمقراطية وتسير بعد اجتماع المبعوثان على الأصول الدستورية.

لقد كان هذا ما رحت أبثه من الأفكار في مثل هذا المقام، وأستطرد منه إلى بيان وجوب العناية بتأسيس المدارس لنشر التعليم الأهلي في جميع طبقات الأهالي، وان ذلك يتوقف على تأسيس الجمعيات الخيرية في كل لواء من ألوية كل ولاية، لأجل تعليم أولاد الفقراء بغير أجرة وتعليم أولاد الأغنياء بأجرة. ثم انوه بالتعليم العالي والرحلة إلى حيث يوجد في كل ولاية مدارس عالية، يستغنى بها عن تلك الرحلة، وهذا ما كنت أقوله في كل بلد.

ومما سرني بدمشق وأهلها سرورا عظيما، حياة كثير من الصناعات فيها، وكيف لا ينشرح صدري لذلك وقد رأيت ذلك الجامع الضخم الذي كان له ذلك الأثر العظيم في هذه العاصمة لأول دولة عربية تأسست فيها فدمره عصر الظلم والاستبداد بالنار فأعاده أهل دمشق إلى ما كان عليه لا ينقصه إلا ما كان فيه أولا من زينة الفسيفساء التي يعجز عنها حتى الإفرنج من أهل هذا العصر.

ثم إنني رأيت معظم أساس البيوت من صنع أهل البلد حتى في بيوت الكبراء كبيت عبد الرحمن باشا اليوسف أمير الحج الذي هو أوسع أهل دمشق ثروة وأوسعهم جاها ومنزلة. فقد تأملت أثاث بعض الحجرات ورياشها في داره، فلم يقع نظري على شيء فيها من غير صنع أهل الشام فلنا أن نفتخر بصناعات أهل الشام في النسج والحفر والبناء والنجارة وغير ذلك.. وان نجتهد في توسيع دائرتها بالطرق الحديثة.

ورغب إلي بعض الفضلاء ان اقرأ درسا في الجامع الأموي كما فعلت في بيروت وطرابلس فأجبتهم إلى ذلك، لرميهم فيه عن قوس عقيدتي، وموافقتهم لرغبتي. واستحسنت أن يكون ذلك بعد صلاة الجمعة. فقيل ان هذا هو الوقت الذي يختم فيه المدرسون الرسميون دروسهم، فيرونك فيه مزاحما لهم، فيثقل عليهم.

فالأولى أن يكون درسك بعد العصر. فوافقتهم إلى ذلك وقد صلينا الجمعة في الجامع الأموي ورجونا أن نسمع فيه خطبة تتناسب في حسنها المعنوي ما في ذلك الجامع من الحسن الحسي ولكن خاب رجاؤنا فسمعنا ما ملته آذاننا من عهد الحداثة وهو مدح رمضان وتعزيز العامة بحديث العتق الذي في «المنار» (الصحيفة التي كان يصدرها في مصر) ما قيل في وضعه.

وشهدنا بعد الصلاة دروس المدرسين فجلسنا زهاء ثلث ساعة في درس الشيخ الكزبري الذي حضره الوالي والمشير حسب العادة المتبعة، كما حضره خلق كثير من أهل دمشق.

ووقفنا هنيهة على درس رجل يقال له الشيخ صالح التونسي يحضره زهاء 15 أو 20 رجلا. ثم على درس الشيخ بدر الدين فإذا هو رجل يسرد الأحاديث الشريفة بأسانيدها بالضبط الصحيح ويورد في معناها كل ما قاله بعض العلماء في شرحها أو جلّه وينتقل من المسألة إلى ما يناسبها من غير تلعثم.

ثم خرجنا من المسجد وعدنا إليه في وقت العصر وبعد صلاة الفريضة تلا بعض القراء آيات من الكتاب العزيز فجعلتها موضوع درسي واستطردت منها إلى غيرها ثم ذكرت ما يطلب من المسلمين في هذا العصر ليحافظوا على دينهم(..) ومما قلته وكررته إنني ارفع صوتي قائلا إننا لا تقوم لنا قائمة ألا بالأخذ بهذه العلوم والفنون(..) فإننا نستطيع ان نصنع كل شيء لأجل حماية حقيقتنا وتعزيز دولتنا(...)