إن كثيراً من آيات القرآن الكريم فيها الحث على الصبر، وإن فيها ما يدل على الفرج بعد الضيق، وفيها ما يشير إلى تربية الإنسان، وصقل النفس، وجلاء الوجه الإيماني الذي يحمله الإنسان بين جوانحه، فتنعكس من على مرآته ابتسامة عريضة بعد عبوس وتقطيب.
وتعلمنا تجارب الحياة، وتاريخ الأمم، وحوادث الدهور، بل حكمة الله أن لا شيء يدوم في هذه الحياة فالسعادة يتبعها شقاء، والتعاسة تنقلب إلى هناء، والفرج يعقبه شدة، والشدة تنحسر ظلماتها عن الفرج، وان الشيء اذا تناهى، ووصل إلى قمة كماله يأخذ بالنزول، منقلباً إلى ضده، وهكذا تتم الحياة «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
من هنا نستطيع أن نتلمس الأسباب التي دفعت ناظم القصيدة المسماة (بالمنفرجة) أو (بالفرج بعد الشدة) إلى نظمها، ودفعت المصنفين بعد ذلك يتناولونها بالمعارضة والتخميس والتسبيع، والشرح والتحليل، والإعراب، وبيان الوجوه البلاغية فيها، وإن البصري تناول هذه القصيدة بالشرح.
وعنون شرحه بشرح السريرة المنزعجة بشرح القصيدة المنفرجة، ومن الطريف أنه قام بتدبيج هذا الشرح عندما حصل للمسلمين شدة مهولة سنة 873 هـ بسبب ارتفاع الأسعار.وقبل ان نعرض تعريف هذا الكتاب وتحليله لابد أن نعرف بناظم القصيدة ثم نعرج على مؤلف هذا الشرح.
ناظم القصيدة: هو أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، المعروف بابن النحوي، المتوفى سنة 513ه، توزري الأصل، وتوزر من أعمال تونس، كان فقيها يميل إلى الاجتهاد، وكان من أهل العلم والفضل، شديد الخوف من الله تعالى، لا يقبل من أحد شيئاً.
شكا إليه بعض أهله الضيق من فراره من ظالم بلده، ورغبة في رفع الأمر للظالم، ليؤذن له بالرجوع، فقال سأفعل، فرفع شكاته إلى الله سبحانه بدلاً من رفعها إلى ظالمه بقصيدة منها:
لبست ثوب الرجال والناس قد رقدوا
وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
ثم نظم قصيدته المنفرجة التي مطلعها:
اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج
ثم أعاد إليه أهله السؤال، فرد عليهم قائلاً: بلغ الأمر أهله، وسترى، وعن يسير ورد إليه كتاب من توزر فيه تلطف للشيخ ورغبة في أن يرجع، فقال للسائل قضيت الحاجة، فعاد إلى بلده.
أما مدبج هذا الشرح فهو: علاء الدين، علي بن يوسف بن احمد بن علاء الدين الدمشقي، العاتكي، الشافعي، الشهير بالبصروي، ولد كما قال الغزي نقلا عن النعيمي في كتاب الدارس في اخبار المدارس )1/14) سنة 842 أو سنة 843ه، وتوفي سنة 905 ه.
اشتغل بالعلم، وبرع في الفقه، لازم شيخ الاسلام رضي الدين الغزي، وولده شهاب الدين، ثم لازم زين الدين خطاب، شيخ الشافعية بدمشق، وغيرهم من العلماء. وشغل منصب نائب القاضي الشافعي بدمشق، وهو المنصب الذي شغله النعيمي، ومارس التدريس في الجامع الأموي، ويبدو أنه لم يكن يفارق الجامع الأموي، وكان عفيف اليد واللسان محبا للعلماء، مع ميل واضح إلى الشافعية منهم، يصل الى حد التعصب، وذلك أمر نلاحظه بسهولة من اطنابه في المديح لمن يترجم له منهم.
*مصنفاته
ـ النفحة الزكية في شرح المقدمة الآجرومية. ذكره في شذرات الذهب 8/27.
ـ شرح جمع الجوامع للتاج السبكي، ذكره له في الكواكب السائرة 1/279.
ـ تحفة البررة في مناقب العشرة. ذكره لنفسه في شرح المنفرجة.
ـ تاريخ البصروي، ذكره له ابن طولون في كتابه مفاكهة الخلان، وكان ينقل عنه، وسماه الذيل. والكتاب هذا مطبوع.
ـ شرح السريرة المنزعجة بشرح القصيدة المنفرجة.
* المخطوط:
يشرح فيه البصروي القصيدة المنفرجة، مظهرا في شرحه الحكم والفوائد والمواعظ والفرائد التي اشتهرت بها هذه القصيدة، وقد اعتمد في شرحه هذا على شرح أبي العباس احمد بن زيد النقاوسي البجائي المتوفى سنة 810 ه، حيث قال في ديباجته: «وبعد فإن القصيدة المسماة بالمنفرجة، نظم ابي الفضل يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي..
لما احتوت على حكم وفوائد ومواعظ وفرائد اشتهر عن العلماء وأرباء القلوب انهم اذا ضاق بهم الحال قرأوها فيفرج عنهم الكروب، وكان شرحها.. أبو العباس أحمد بن زيد النقاوسي، قد احتوى من العلوم والحكم والآداب الشرعية على ما يبهر الناظر.. سري في خلدى.. ان انتقي من الشرح المذكور وغيره ما يوضح معنى أبيات القصيدة تفاؤلا باسمها وممارستها.. على انه قد تصدى بعض شيوخنا لاختصار الشرح آتيا يغالب مقاصده..».
ولعل السبب الذي دفعه الى القيام بهذا العمل ما أصاب الناس سنة 873 هـ من شدة مهولة أصابت المسلمين كافة بسبب ارتفاع الاسعار وغيره، وما اصاب بعض أكابر بلدته دمشق فقال في ديباجته:
«وكانت هذه السنة وهي سنة ثلاث وسبعين وثمنمئة قد حصل للمسلمين كافة شدة مهولة بسب بارتفاع الأسعار وغيره، ولبعض أكابر بلدتنا دمشق خاصة بسبب تغيير الخواطر الشريفة سرى في خلدي بتحريك مصرف القلوب.. لعل الله تعالى أن يقرب الفرج».
كما جعل شرحه هذا هدية لمن اصيب من اكابر مدينة دمشق، ولعله يقصد بذلك محنة القاضي نور الدين الصابوني، حيث سجن في القلعة، ثم اطلق منها، كما ذكر المؤلف في كتابه التاريخ (تاريخ البصروي 3638) فقد قال في ديباجته: «واجعله هدية للمخدوم المشار إليه مع سؤالي الله ان يفرج كربتة ويكشف غمه، انه على كل شيء قدير».
* منهج المؤلف:
بدأ المؤلف شرحه هذا بالتعريف بنظام القصيدة، وترجمة حياته، ذاكراً بعض ما له من كرامات، وما كان يغدق به من عطف ورعاية وتسامح وخلق مع طلبته، وبعضا من أدعيته التي كان يلجأ اليها كلما أهمه أمر، أو ضاق به مخرج، ونقل سند النقاوسي شارح القصيدة في روايته لها، ثم بدأ بعد ذلك بتلخيص الشرح، مبتدئا باثبات البيت ثم يشرح معاني الكلمات ومدلولاتها وايحاءاتها.
وموضحا بعض الجوانب البلاغية، واجرائها، مستشهدا على المعنى الذي يوضحه بآيات قرآنية، واحاديث نبوية، واثار العلماء والصالحين وأقوالهم، والاشعار المنظومة التي توضح المعنى وتبينه، ثم يذكر المعنى العام للبيت، ثم يتلوه البيت الذي يليه وهكذا إلى نهاية القصيدة.
ومن الجدير بالذكر أنه ورد في نسخة من نسخ هذه المخطوطة في نهياته: «قال المولف: اعلم ان الله تعالى منّ بالاجابة، فلم يتم تحرير هذا الشرح إلا وقد حصل الفرج لمن أشرنا إليه في الخطبة.
وتنازلت الأسعار، فلله الحمد لا رب غيره، ونسأله تمام الفضل لحفظ نعمة الإسلام إلى أن نموت على التوحيد، فنلقاه وهو راض عنا، اللهم حقق لنا ذلك يا كريم..» ونثبت فيما يأتي نموذجا من شرحه لبيت من أبيات القصيدة، ليتضح لنا منهجه، وليتبين لنا مدى أهمية هذا الشرح وفائدته لأبناء لغة الضاد.
وإذا انفتحت أبواب هدى
فاجعل لخزائنها ولج
الانفتاح معروف وهو هنا استعارة، لارتفاع الموانع الحسية، والحجب النفسية، والعلائق، لأنها مانعة من الهدى، والهدى: مصدر هداك الله للدين هدى أي أرشدك والضلال: ضده، والعجل: الإسراع، وفي التنزيل «وعجلت إليك ربي لترضى» والخزائن: واحدة خزانة بكسر الخاء، وهو ما يخزن فيه، والولوج: الدخول في الشيء، يعني:
إن تيسر لك لحوق بمقام من مقامات الهدى الكسبية، التي لم تكن حاصلة لك قبل ذلك، فبادر إليها على أي حال كنت وانتهز فرصة الإمكان قبل مفاجآت الموت، وحصول الفوت، ولا تسوّف بفراغ شغل أنت فيه فإن ذلك ضرب من الحماقة، إذ قد يهجم عليك الموت، أو يزداد شغلك أو تتبدل نيتك، قال الإمام المحقق ابن عطاء الله: إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفوس.
* النسخة المخطوطة:
هذه النسخة محفوظة في المكتبة الظاهرية، ضمن مجموع يحمل الرقم 10136 عام، وعنها نسخة مصورة على ميكروفيلم في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الفيلم رقم 1646، تتكون من 29 ورقة الصفحات 70 ـ 126 في كل صفحة 17 سطراً قياس 1015.
وإنه لحري بنا أن نثني بالثناء الجميل على رئيس المركز ومؤسسه الذي بذل ولا يزال يبذل الكثير الذي يمتلئ قلبه سعادة فيطير من فرط هذه السعادة عندما يدرك بحاسته السادسة وجود قطعة من كنوز أمتنا، سواء في أقطارها .
أو في غيرها من البلدان، ولا يهدأ أو يستقر له قرار إلا عندما يعود من رحلته بصيد ثمين ليقدمه على مائدته للباحثين والمشتغلين بالعلم، لإحياء هذا التراث وتجديده وتقريبه من مفاهيم العصر، لعل هذه الأمة تتكئ في نهضتها، وتستند في صحوتها المعاصرة عليه، فتعيد لنا مكاناً بين الأمم فقدناه.
عبدالقادر أحمد عبدالقادر
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث