يصف دينيه العقليات المتعصبة لبعض المستشرقين أنهّا «لا تلتئم مع بحث علمي مبني على تجرد محض من الهوى وتنزّه عن البغض» والرحالة والمستشرق الفرنسي المسلم دينيه Dinet,Nasir Al-Dine (1861-1929)، تَعَلّم في فرنسا، وقصد الجزائر، فكان يقضي في بلدة بوسعادة نصف السنة من كل عام، وابتنى بها قبراً، وقد أشهر إسلامه وتسمى بناصر الدين سنة 1972، وحج إلى بيت الله الحرام عام 1928، ومن آثاره مؤلفه (محمد في السيرة النبوية) ـ نُشِرَ بالفرنسية والإنجليزية مزوداُ بصور ملونة بريشة المؤلف، وله بالفرنسية (حياة العرب)، و( حياة الصحراء)، و(أشعة من نور الإسلام)، و(الشرق في نظر الغرب).
وسوف نتوقف عند بعض المستشرقين لنتعرف على خلفيات تكوينهم وأفكارهم وانتاجهم ومواقفهم من الحضارة العربية الإسلامية بادئين بالمستشرق الهولندي كرستيان سنوك هيرغرونيه Snouck Hurgronje (1857-1936)، إن أحداً من الأوروبيين الذين زاروا مكه لا يمكن أن يرى مثلما رأى هيرغرونيه على حد تعبير بيدول في كتابه رحالة في بلاد العَرب ـ ترجمته ونشرته مؤسسة «البيان»ـ دبي، تحت عنوان «جواسيس في بلاد العرب» ـ وكان قد أقام فيها أكثر من ستة أشهر عام 1885، بعد أن عاش قبلها في جدة فترة خمسة أشهر.
ولد في استرهوت، وتعلّم في لايدن على دي خويه De Goeje، وفي ستراسبورغ على نولدكه، ثم رحل إلى جاوة، وأقام سبعة عشرة سنة في خدمة حكومته التي كانت تستعمر جزر الهند الغربية ـ عين أستاذاً للغة العربية في باتافيا.
وقد عُدّ عميد اللغة العربية بعد جولد تسهير، وفي طليعة رواد دراسات الفقه الإسلامي والأصول والحديث والتفسير في أوروبا وكان قد حصل على الدكتوراه برسالته عن نشأة فريضة الحج، ثم أصبح محاضراً في مؤسسات في الجامعات الهولندية حيث كانت الحكومة تدرب المسؤولين والموظفين المعتزم إرسالهم للعمل في مستعمراتها في جزر الهند الغربية.
ومن مؤلفاته: (الحج إلى مكة) لاهاي 1886، و(أمثال أهل مكة) و(مكة وجغرافيتها)، و(الثورة في جزيرة العرب) وهو مؤلف يتناول فيه أحداث الثورة العربية في الحجاز ضد الأتراك، مبيناً الأوضاع السياسية السائدة وقتذاك وموضحاً الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، طبع في نيويورك 1917م.
* افتقار إلى النزاهة
أما المستشرق لامنس اليسوعي Lammens (1862-1937) فهو أساساً من القس والرهبان الذين اهتموا بالكتابة عن البدو، بلجيكي المولد، فرنسي الجنسية، انضم إلى الرهبانية عام 1878، وكان أوائل خريجي الجامعة اليسوعية (القديس يوسف) في بيروت حيث درس اللغة العربية، ثم أصبح أستاذاً فيها، درس اللاهوت في انجلترا، وتولى إدارة التبشير في بيروت، وعلّم في لوفان، وفيينا وروما، حتى استقر في جامعة القديس يوسف ببيروت، وعُهد إليه الدراسات الشرقية فعكف عليها، حتى يُقال انه قرأ الأغاني سبع عشرة مرة والقلم بيده، وصنف فيها مصنفات كثيرة عَدّه بعض العلماء بها حجة زمانه.
وأنكر عليه بعضها آخرون، ورموه بالتزمت والتحيز، وصفه الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه موسوعة المستشرقين، بأنه شديد التعصب ضد الإسلام، يفتقر افتقاراً تاماً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها، ويعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من بين المستشرقين، توفي في بيروت.
ولا تزال أهم دراسة عامة وصفت مهد الإسلام بكل جوانبه المادية والاجتماعية على أساس ما ورد في الأعمال الأدبية، مؤلف لامنس وهو تحت عنوان (مهد الإسلام Le bercerau de I'lslam) وله بحوث عديدة منها: (مدينة الطائف العربية قبل الهجرة cite arebe de Taif ? la veille de l'hégire)، وله أيضاً (مكة قبل الهجرة)، بالإضافة إلى مجموعة من الدراسات تم جمعها تحت عنوان (الجزيرة العربية قبيل الهجرة، 1928) وكان الجزء الأول منها وهو بعنوان (المناخ والبدو) قد طبع في روما عام 1914.
كما له (الحج إلى مكة)، و(شريف مكة والثورة العربية) نُشِرَ في مجلة الآباء اليسوعيين بفرنسا عام 1916 وله أيضاً في مجال الجغرافيا (دراسات في الجغرافيا والسلالات الشرقية) و(على الحدود الشمالية لأرض الميعاد) وفي المجال اللغوي له (أثر اللغات الشرقية في الاشتقاق المعاصر) وقد بلغت مصنفاته بين كتاب ومقال وبحث 185 باللغة الفرنسية، 127 باللغة العربية.
أما نولدكه (تيودور) Therخdor Noldeke (1931-1836) فيصفه عبدالرحمن بدوي بأنه شيخ المستشرقين الألمان غير مُدَافَع وقد أتاح له نشاطه الدائب، وألمعية ذهنه، واطلاعه الواسع على الآداب اليونانية، وإتقانه التام لثلاث من اللغات السامية (العربية، والسريانية، والعبرية)، مع استطالة عمره حتى جاوز الرابعة والتسعين، أن يظفر بمكانة عالية ليس فقط بين المستشرقين الألمان بل بين المستشرقين جميعاً.
ولد في الثاني من مارس 1836 بمدينة هاربوج Harburg حيث كان أبوه وكيلاً للمدرسة الثانوية في مدينة لنجن Linegen (1849-1866) وفي لنجن هذه قضى تيودور المدة من ربيع 1849 حتى خريف 1853 للاستعداد للدخول للجامعة، تحت إشراف أبيه، وتوفر إبانها خصوصاً على الآداب الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية).
وقد سأله سنوك هيرغرونيه ذات يوم هل كان ينوي حقاً أن يتخصص في الدراسات اليونانية بدلاً من السامية، فأنكر ذلك لا لسبب إلاّ لأنه وجد الدراسات اليونانية قد عولجت على نحو واسع عميق بحيث لم يبق هناك مجال للاكتشاف الحديث، بينما ميدان اللغات السامية لا يزال بكراً، فيمكن الوصول إلى اكتشافات مهمة بسهولة وقد انضاف إلى ذلك سبب آخر علمي، وهو أنه حين أراد الالتحاق بجامعة جوتنجن G?tngen في 1853 زوَّدَه أبوه بخطاب توصية إلى صديق شبابه هينرش إيفالد H.Ewald عالم الساميات الشهير، وخصوصاً في العبرية.
فوجهه ايفالد إلى دراسة اللغتين العبرية والعربية وآدابهما كما حضر عليه نولدكه لمدة فصل دراسي لدراسة اللغة السريانية، وحضر دَرس برتو Bertheau عن الآرامية الخاصة بالكتاب المقدس، وهي الآرامية الوحيدة التي درسها ابان الجامعة، أما سائر اللهجات الآرامية فقد درسها فيما بعد من تلقاء نفسه.
والى جانب ذلك درس اللغة السنسكريتية على يد بنفاي Benfay وقد واصل دراسته السنسكريتية فيما بعد وهو في جامعة كيل Kiel حينما كان أستاذاً فيها (1864- 1872) كذلك بدأ ـ وهو طالب في الجامعة ـ دراسة اللغتين الفارسية والتركية.
وحصل على الدكتوراه الأولى في 1856 برسالة عن «تاريخ القرآن» وهو في سن العشرين وبعد أن حصل على شهادة الدكتوراه، بدأ حياة التنقل خارج ألمانيا وبدأ مذاك اهتمامه بالمخطوطات العربية، فارتحل أولاً إلى فيينا حيث قضى قرابة عام (1856- 1857) يدرس مخطوطات مكتبة فيينا، وفي الوقت نفسه اهتم بإتقان اللغتين الفارسية والتركية، وبقراءة الشعراء الصوفية الفرس، خصوصاً سعدي وعطار.
ومن فيينا انتقل إلى لايدن فأقام في خريف 1857 حتى ربيع 1858. وهناك في لايدن حيث المخطوطات العربية الوفيرة والأساتذة المستشرقون الممتازون أمثال دوزي Dozy ويونبول Yunyboll ودي فريس Matthysde Vries وكونه Kuenen عقد نولدكه الشاب أواصر صداقة قوية مع هؤلاء المستشرقين، وعكف على قراءة المخطوطات العربية الثمينة.
وفي نفس الوقت تَعرّف إلى أقرانه من الجيل الصاعد من المستشرقين الهولنديين الذين غدوا أعلاماً في عالم الاستشراق فيما بعد ـ مثله هو ـ أمثال: دي خويه De Goeje، ودي يونغ de Jong، وانجلمن Engelmann، خصوصاً دي خويه الذي بقيت الصداقة الحميمة معه حتى وفاة الأخير في 1909.
ورغم تعدد رحلاته، خاصة في أوروبا، إلى فيينا ولايدن وانجلترا وإيطاليا، فالعجب أنه لم يرحل مطلقاً إلى البلاد العربية والإسلامية، رغم أن تخصصه وعمله كله يتعلق بلغات هذه البلاد وآدابها وتاريخها وجغرافيتها.
من آثاره، عدة مقالات وأبحاث جمعت في كتابه (أبحاث لمعرفة شعر العرب القدماء) وقد نشره مترجماً إلى العربية الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه «دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي» كذلك له دراسة عن الشاعر الصعلوك عروة بن الورد وعمل فترة في مكتبة برلين فأنجز فهرساً للمخطوطات التركية هناك، وكان عددها يتراوَح آنذاك بين 200-300 مخطوط وذلك عام 1860.
ثم بدأ يهتم اهتماماً خاصاً بالنحو العربي والنحو المقارن للغات السامية، وكان من ثمار هذا الاهتمام كتابان هما «في نحو العربية الفصحى» (1897) Grammatik des Klassichen Arabish و«أبحاث في علم اللغات السامية» (1911) Neue Beitr?ge zur semitischen Sprachkunde.
وكان لتعيينه في جامعة كيل Kiel أستاذاً للغات السامية ابتداءً من 1864 حتى 1872 دافع قوي لانكبابه على اللغات السامية فنشر عدة أبحاث ومقالات عن اللغة المندائية ـ لغة الصابئة ـ واللغة السريانية الحديثة التي يتكلم بها أهالي منطقة بحيرة أرمية في شمال غربي إيران.
كما نشر مجموعة من الدراسات المتعلقة بالعهد القديم من الكتاب المقدس، وكتابة العديد من المقالات في هذا الباب، ومتابعته الكتابة أيضاً عن اللغتين التركية والسنسكريتية.
* أحكام ظالمة
أما المستشرق دوزي Dozy (1883-1820) الذي وصفه الدكتور عبد الرحمن بدوي بأنه مستشرق هولندي عظيم، فقد اشتهر خصوصاً بأبحاثه بتاريخ العرب في أسبانيا وبمعجمه «تكملة المعاجم العربية».
منذ صباه الباكر أولع رينهارت دوزي باللغات، ورغم عظمته التي أضفاها عليه بدوي إلا أنه وصف أيضاً بالتحامل على الإسلام وبأنه كان يلجأ إلى الشتم والسب خاصة في كتابه (تاريخ مسلمي أسبانيا Histoire des Musulmas d Espagne حيث كان المحتوى العام لهذا الكتاب كما وصفه الدكتور مصطفى الشكعة بأنه «مفعم بالأحكام الظالمة التي كان يُصدرها سلفاً، مليئاً بالقرارات الخاطئة التي يبنيها على افتراضات اختلقها هو وليس على سند تاريخي معروف» ويُرجع الدكتور الشكعة كراهية دوزي للإسلام بأنها نابعة من كونه ملحداً يكره الكنيسة ورجالها فانسحبت كراهيته على الإسلام.
أما المستشرق الهولندي دي خويه Michael Jan De Goeje (1909-1836) فقد اتجه في دراساته منذ البداية إلى الجغرافية العربية، ولد في 9 أغسطس 1836 في قرية دروريب Drourijp في مقاطعة فريسلند شمالي هولندا، ودخل جامعة لايدن في 1854 حيث تخصص في الدراسات الشرقية على أيدي رينهارت دوزي ويونيبول Th.W.J.Juynbol وحصل على الدكتوراه في 1860 برسالة بعنوان: «نموذج من الكتابات الشرقية في وصف المغرب مأخوذ من كتاب «البلدان لليعقوبي».
وفي هذه الرسالة لم يكتف دي خويه بنشر النص العربي، بل أضاف إليه ترجمة لاتينية، وقدم له بمقدمة جيدة وزوّده بإيضاحات جغرافية وتاريخية عديدة ومفيدة. بل ذلك عني دي خويه بكتاب «فتوح البلدان» للبلاذري، فحقق نصه العربي ونشره في ثلاثة أجزاء في لايدن سنة 1863-1866.
ولكن إنجازه العظيم ـ حسب بدوي- في ميدان الجغرافيا عند العرب هو تحقيقه ونشره لمجموعة فريدة من كتب الجغرافيا، سماها باسم «مكتبة الجغرافيين العرب» في ثمانية مجلدات، ظهرت في لايدن من 1870-1894 ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأن دي خويه قد دبّجَ عدداً من المقالات حول مسائل تمس الجغرافيا في الإسلام، مثل بحثه عن يأجوج ومأجوج، وأهل الكهف، وأسفار السندباد، والمجرى القديم لنهر جيحون.
وظل يكرّس وقته ونشاطه في مضمار تحقيق النصوص ونشرها، حتى بلغ درجة رفيعة جعلته أكبر محقق للنصوص في زمانه، بل ولا يزال يُعدّ إلى هذه اللحظة الأستاذ الأول لهذا الفن والقدوة التي يقتدي بها محققو النصوص في أيامنا هذهِ كما يشير صلاح الدين عثمان هاشم في بحثه المعنون «المستشرقون والجغرافيا العربية».
وقد امتدحه المستشرق البريطاني تشارلز ليال Charles Lyall (1920-1845) بقوله: «لقد أصبح وسيظل ـ يقصد دي خويه ـ في هذا الميدان أستاذ جميع المستشرقين في زمانه وذلك لحرصه وإيمانه بضرورة إثبات وتوفير خير النسخ الممكنة للمصادر الأصلية واتخاذها أساساً لكل دراسة دقيقة، إن دي خويه قد أحس بأن التخطيط لأي صرح في هذا السبيل وإقامته يجب أن يسبقه توفير مادة.أفضل مما كان ميسوراً، ومن ثم كرّس لذلك نشاطه في أدوار حياته كلها.
وكان ينسخ بنفسه بعض المخطوطات التي كان دائم البحث عنها أينما وجدت. وإذ نحن بسبيل الحديث عن دي خويه بوصفه ناشراً للنصوص الجغرافية يجب ألا ننسى ما أسداه من خدمات في نشر المصنفات التاريخية والتي تُعَد في الوقت نفسه ذات أهمية كبيرة بالنسبة للجغرافيا أيضاً.
ففي الفترة من (1862-1866) قدّمَ دي خويه طبعة علمية جيدة لكتاب «فتوح البلدان» للبلاذري الذي يُعد من المصادر الأساسية في تاريخ القرون الأولى للإسلام، وهو يعترف في مقدمته للكتاب إن عدم تمكنه في النحو العربي كان له نتائج طيبة بالنسبة لأعماله التالية في ضبط النصوص وتحقيقها.
ومما يشهد له بالتعمق إشرافه على تحضير طبعة جديدة لأفضل اجرومية للغة العربية بأوروبا آنذاك وهي مصنف مشهور لصديقه وليم رايت William Wright (1899-1830). كما نشر مع مجموعة من العلماء والمتخصصين كتاب عربي مهم كان كل العلماء من العرب والمستعربين يودون رؤيته في طبعة علمية وهو تاريخ الطبري.
إن لهذا المستعرب الكبير جهوده الضخمة في نشر النصوص العربية فقد كان عاشقاً من الطراز الأول للمخطوطات العربية ترك أثراً طيباً على كل معاصريه الذين امتدحوه وامتدحوا أخلاقه الطيبة وشمائله الحلوة وإنكاره للذات، عكس ما اقترفه دوزي Dozy مواطنه بحق الحضارة العربية الإسلامية، وبالأحرى بحق نفسه هو شخصياً، بما تركه من أثر سيئ نتيجة ما تقدم وفصلناه من تحامله وكراهيته للإسلام.
تأليف: عمار السنجري
