«الحروفية» مصطلح فني جديد، يشير إلى ظاهرة بدأت تتنامى وتنتشر، ليس في الحيوات التشكيلية العربية فحسب، بل وتطول تجارب فنية عديدة، في بعض الدول الإسلامية كإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان وأندونيسيا وماليزيا... وغيرها.
وعلى الرغم من اتساع انتشار «الحروفية» وتناميها الدائم، لم تلق حتى الآن، ما يكفي من الدراسة والاهتمام والتحليل اللائق بصخبها وتنوعها والمواقف المتباينة منها، سواء من قبل الفنانين بعامة، أو أولئك المشتغلين عليها بخاصة، يضاف إلى ذلك المواقف الصدامية بين «الحروفيين» و«الخطاطين».
فالخط العربي برأي الخطاطين، يمثل عظمة التراث الفني الذي خلفه العرب والمسلمون، ليس في بلادنا العربية، بل في كل بلدان الإسلام المنتشرة في آسيا وأوروبا وإفريقيا وأصقاع أخرى كثيرة من العالم، حتى أصبح هذا الفن التجريدي العربي الخالص، علامة مميزة للحضارة العربية والإسلامية، لكن الخطاطين يتحسرون على واقعه الحالي، حيث يعامل معاملة الغريب على أرضه، إذ يقوم مجموعة من الفنانين التشكيليين المستغربين بعده فناً زخرفياً، يتم مسحه وتكسير أصوله، في لوحات من يطلقون على أنفسهم بالحروفيين.
ويؤكد الخطاطون أن الخط الذي يستخدم الآن في اللوحات التشكيلية أقرب إلى الفن التشكيلي، ولا يتبع القواعد المعروفة للخط، إنما يستفاد من جمالياته الشكلية في اللوحة، وفي معظم الأحيان، تكون استخداماته زخرفية بحتة.
بل لقد ذهب بعض الخطاطين إلى التأكيد صراحة، على أن ملامح الغربة، طيف يلازم الخط العربي، على الرغم من أنه يعد جزءاً لا يتجزأ من العرب والمسلمين، وعلى الرغم من المحاولات المتكررة لحمايته من براثن الغربة التي يكاد يقع بها، نتيجة لتجاهل الجميع له من أجل هذا، يعلن الخطاطون صراحة، أنه لا يحق للتشكيليين تغيير شكل الحرف بشكل يفقده معناه وذاته، بالإضافة إلى شكله، حيث يعد هذا تدخلاً في تخصصهم وبشكل مشين، فالخط لا يتطور، وإنما يقلد، خاصة وأن هناك مقاييس ومعايير لا أحد يستطيع تجاوزها فيما يخص شكل وحجم الحرف وإلا فقد الخط صفته.
ويرى الخطاطون أن الإعلام يتجاهلهم، في حين انه يسلط الضوء على التشكيليين.
في الجانب الآخر، يرى التشكيليون أن الخطاط ليس فناناً تشكيلياً، لأنه لا يملك امتياز التطوير، أو هو غير قادر عليه، في الوقت الذي يبيح التشكيليون لأنفسهم، باستخدام خط الخطاطين في لوحاتهم. على هذا الأساس، يصر الخطاطون على أنهم من التشكيليين، وبينهما يقع «الحروفي»، وبناء على ذلك، ليس من حق التشكيليين أن يبعدوا الخطاطين أو غيرهم، من حقل الفن بشكل عام.
بعيداً عن الحرب القائمة بين «التشكيليين» و«الحرفيين» من جهة، وبين الخطاطين، من جهة ثانية، لابد من التأكيد على جملة من المقومات الأساسية، في طليعتها عدم الإخلال بقيم وقواعد وموازين الخط العربي الذي يتمتع بإمكانات تشكيلية لا حدود لها، أكدتها طبيعته الانسيابية اللينة.
ولنجاح التجارب الحروفية المعاصرة، لا بد لها من اعتماد الحرف العربي جزءا لا يتجزأ من الأثر الفني التشكيلي، أو أساساً له، وليس مجرد إضافة تزيينية باهتة. كما لابد للفنان الحروفي من استيعاب التطور التقاني الطباعي وتجاوزه للتعامل مع الحرف العربي بروح معاصرة ومغايرة من الناحية الإبداعية الابتكارية، تؤكد وتبرز جمالياته الكامنة فيه، دون إساءة أو تشويه.
وتالياً استخدام أو استثمار هذه الجمالية في تحقيق منجزه الفني الصافي الناهض في الأساس، على انجازات الخط العربي الموروثة التي حققها جهابذته عبر عصور مختلفة، والتأكيد على ضرورة أن يشكل هذا المنجز الحروفي الجديد، رافعة للإدراك الحسي الجمالي عند المتلقي له، من خلال عملية توافق وانسجام، بين الانجازات القديمة للحرف العربي وبين المواد والتقنات الفنية الحديثة.
محمود شاهين


