تعدد الخيارات بين محطات تلفزيونية فضائية بفعل انتشار الأطباق اللاقطة وغزارة الإنتاج وتنوعه والتنافس بين تلك القنوات خلال شهر رمضان كلها وسعت الخيارات المتلفزة لكنها بالمقابل قلصت من عادات التزاور وأضعفت حميميته بين الأقارب والأصدقاء على حد سواء.

هذا هو واقع حال ليالي رمضان اليوم في اليمن كما يتحدث عنه اليمنيون فالزيارات المتبادلة بين الأسر اليمنية كانت إلى وقت قريب من أهم التقاليد التي يحرص عليها الفرد اليمني لكن مع الانتشار المتزايد للأطباق اللاقطة للبث المتلفز على أسطح المنازل وتزايد الألفة مع هذه الوسيلة الإيهامية أصبح التلفزيون يحتل مكانته في اهتمام كل فرد من أفراد الأسرة حسب ميولهم واهتماماتهم وأعمارهم وجنسهم .

يقول إبراهيم النخلاني أستاذ ومحلل نفسي: التلفزيون وانتشاره على نطاق واسع قلل كثيرا من الزيارات الأسرية وتزاور الأصدقاء خاصة مع انتشار القنوات الفضائية بكثرة التي تتيح للمتابع الانتقال من قناة إلى أخرى ومن برنامج لآخر وهذا التنوع في الخيارات وفر بدائل كثيرة حلت محل العادات التي كانت تجمع بين المتزاورين.

ويقول راشد علي مهندس ميكانيكي الحقيقة إن الزيارات تراجعت في الآونة الأخيرة على مستوى العوائل من النساء والأطفال أما الزيارات بين الرجال فهي على حالها نتيجة لتعاطي القات فحسب العادة اليمنية بعد الإفطار يلتقي اليمنيون في جلسات القات المطولة التي تدوم حتى منتصف الليل وهذه المجالس تدور فيها أحاديث متفرقة بعيدة عن أجواء التلفزيون ومع انه في غالب تلك المجالس يوجد جهاز تلفزيوني لكن قلما يفتح.

محمد الشرماني لا يشاطر راشد فيما ذهب إليه ويرى أنه وإن كانت مجالس القات تجعل الرجال في منأى عن متابعة التلفزيون فإنها لا تضم سوى القلة القليلة من أفراد الأسرة أما بقية الأفراد من أطفال ونساء وشباب يظلون على علاقة حميمية مع التلفزيون كما أن الكثير من مواضيع الأحاديث التي تدور في تلك المجالس مستقاة من التلفزيون سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وعلاوة على كل ذلك بعد أن ينفض الناس من تلك المجالس يذهبون لمتابعة التلفزيون كالمسلسلات أو الأخبار لأن هذه الآلة باتت تزاحم كل وسائل الإعلام الأخرى.

وفي هذا السياق يقول يحيى هائل تربوي وأستاذ علم النفس: تأثير التلفزيون في رمضان على التزاور واللقاءات كبير جدا وذلك لعدة اعتبارات أولها أن قنوات البث تكيف مادتها بطريقة تحث الناس على المتابعة من خلال مسلسلات وبرامج أعدت خصيصا لهذه المناسبة.

وتعمد إلى تبني حملة ترويجية لها قبل قدوم الشهر حتى أن التسابق بين القنوات أصبح السمة الغالبة بمنزع دعائي وترويجي وصل إلى حد إنتاج مسلسلات وبرامج ذات طبيعة خاصة مرتبطة بمجريات الأحداث وبموضوعاتها والهدف منها هو السيطرة على المشاهد لتمرير الترويج الإعلاني والدعائي أي أن الباعث على شد الناس إلى هذه الآلة أصبح باعثا تجاريا يغذي النزعة الاستهلاكية ويعمل على تسطيح الوعي وهذا بدوره يخلق كلفا زائدا في المتابعة خاصة من قبل النساء والأطفال والشباب مما يوسع من البعد الوجداني بين أفراد الأسر.

الاعتبار الثاني أن التلفزيون هو من طبيعة خاصة يسيطر على الحواس الهامة في الإنسان فيقع المشاهد تحت سيطرته الأخاذة ويكون في حالة استلاب وانصياع وهذا يكون له آثار شديدة الوطأة على العلاقة بين الناس.

الأمر الثالث أن العلاقة التي تربط المشاهد بالتلفزيون هي من النوع الحاث على المتابعة حيث تعمد القنوات الفضائية إلى بث المسلسلات المطولة والجوائز المختلفة وبالتالي إذا كانت الزيارة ستحول دون متابعة الفرد لبرامجه أو فقراته المفضلة أو مسلسله المحبب في إنه يؤثر ألا يقوم بتلك الزيارة وأنا أعرف كثيرا ممن يقلصون برامج زيارتهم وأحيانا يلغونها حرصا على أن لا تفوتهم فقراتهم المفضلة في التلفزيون.

صنعاء ـ «البيان»: