أبرزت الدكتورة سهير عبد العزيز عالمة الاجتماع والعميدة السابقة بجامعة الأزهر والأستاذة بجامعة الإمارات العديد من جوانب العظمة الاجتماعية في الحضارة الإسلامية والتي تميزت بها عن مثيلتها الغربية، وأوضحت نقاط الالتقاء بين الحضارتين.
كما أكدت على ان التكنولوجيا الرقمية لم تؤثر سلبا على تماسك الأسرة الخليجية باعتبارها من المجتمعات شديدة التعرض لهذه التكنولوجيا الرقمية، كما أوضحت ان الحضارة الإسلامية ليست لديها مشكلة في الاعتراف والتحاور مع الآخر بقدر ما تكمن المشكلة في العقلية الغربية نفسها التي ترفض قبول الآخر، كما تناولت العديد من القضايا المختلفة في حوارها الذي اختصت به «بيان الصائم»...
* بداية في ضوء تخصصك ما هي رؤيتك للعطاء الحضاري للإسلام؟
ـ العطاء الحضاري في الجانب الاجتماعي للإسلام في غاية العظمة وقد جسده ابن خلدون في دراساته المتعمقة للمجتمعات الإسلامية مبرزا الجوانب الإنسانية الراقية والحضارية في تعامل المسلم مع كافة المخلوقات بما في ذلك الجماد نفسه فضلا عن القواعد الاجتماعية التي تعمل على تماسك المجتمع وتكافله وتراحمه والأخلاقيات النبيلة التي دعا إليها الإسلام وأسس البنيان الاجتماعي عليها من الصدق والأمانة وإتقان العمل وحفظ الحقوق والمساواة وغيرها من الأمور التي تحل المئات من مشاكل الحياة المعقدة اليوم لو انه تم حلها بالمنظور الإسلامي وتوجيهاته في هذا الميدان.
* بوصفك أستاذة علم الاجتماع كيف ترين ابن خلدون ومقدمته ؟
ـ ابن خلدون كان عبقري زمانه..لأنه ظهر في القرن ال14 في النصف الثاني قبل ان يظهر اى عالم اجتماع غربي كـ «أوجست كونت».. ونادى بنظرية علم الاجتماع.. نادى بهذا العلم في فترة سابقة على تفكير البشر ليدرس لنا الحياة الاجتماعية ويدرس لنا الظواهر الاجتماعية دراسة علمية تقوم على الملاحظة والمشاهدة والاستقراء للواقع وصولا إلى نتائج تتفق والواقع بالفعل وليس الخيال؛ وهذه الدراسة وهذا العلم الذي يدرس هذه الظواهر شأنه شأن العلوم الأخرى كالطبيعة والكيمياء،.. وبالتالي فانه سبق لعصره وهو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع او علم الاجتماع البشرى أو المعاشرة.
وبالنسبة لنظرياته فخلال ترحاله وقراءة كتب التاريخ استطاع ان يدرس ويرصد واقع المجتمعات الإسلامية ليخرج بنظريات تحكم هذا الواقع الاجتماعي وضمنها في مقدمته الشهيرة ( مقدمة ابن خلدون) التي درس فيها المجتمعات البدوية وحلل صفاتها وخصائصها واعتبر ان البداوة أصل العمران البشرى وان البدوي إنسان على فطرته لم تلوثه الحضارة.
كما درس صعود وهبوط الحضارات وشبه المجتمع الإنساني بالكائن البشري وهو يولد طفلا ثم يصل للشباب والفتوة والعمل والاجتهاد ثم الازدهار ثم الركود والكسل للتمتع بمكاسبه وجهده، ليصل المجتمع بعدها إلى مرحلة الشيخوخة وبالتالي ينهار ويقوم على أنقاضه مجتمع آخر مثل الكائن البشري وصدقت مقولات ابن خلدون على كثير من المجتمعات.
* ما هي الأشياء التي تميز الحضارة الغربية عن حضارتنا الإسلامية من وجهة نظرك؟
ـ الحضارة الغربية هي بمثابة القشرة الذهبية التي تخفي داخلها نفايات او شيء عفن ينخر فيه السوس.. والمبهر فيها هي المظاهر المادية التي ينعم فيها الفرد والإنسان الغربي فيعيش حالة رخاء ولكن هذه المجتمعات ومن يعيشون فيها يعانون من خواء قيمي، ولا يعني ذلك رفضهم بل هؤلاء أناس مجتهدون ويقدرون العلم وعلى النقيض من الدول المتخلفة والتي منها للأسف بلادنا العربية والإسلامية والتي لا تقدر العلم والعلماء كما ينبغي!!
ولكن ما زالت دولنا العربية تحمل بعضاً من القيم الإيجابية الجيدة والتي ارجو لها إلا تزول.. مثل قيم الأسرة والترابط والتراحم والتكافل.
وفي الوقت الذي هرب الكثير من علمائنا وعقولنا المفكرة يجب علينا ان نراجع أنفسنا وعلينا ان نتمسك بالمتبقي من هذه العقول ثم نأخذ من الغرب هذه القشرة الجميلة ونحولها إلى واقع ملموس من العلم والعلماء والبحث والتقصي والانطلاق الحضاري، كما اننا بحاجة ماسة إلى ان نتحول من مجتمعات مستهلكة إلى مجتمعات منتجة بحيث ننتج ولا نستهلك فقط ولان مقولة الشيخ الشعراوي الشهيرة : «من لا يملك قوته.. لا يملك حريته» فضلا عن ان استهلاكنا لمنتجات الغرب يعطينا إحساسا بالدونية للأسف الشديد.. فأنا استهلك منتج الأخر ولا أساهم فيه ما يجعلني أدرك على الفور إنني اقل منه.
* بوصفك أستاذة سابقة بجامعة الإمارات كيف ترين واقع الأسرة الخليجية في ظل التكنولوجيا الرقمية الحديثة؟
ـ مازالت الأسرة في بلادنا العربية يجمعها سقف واحد.. وحتى داخل المجتمع البدوي والقبلي التي مازال يغلب عليها مجتمع العائلة الواحدة..وهى قيم أحبذها وأدعو إليها لأنها تعطى أماناً وصحة نفسية لا يعرفها الغرب الذي يفتقدها ويعاني الويلات من فقدانها.
ومن العجيب إننا نجد ان العديد من الأصوات تتعالى اليوم داخل المجتمعات الغربية تدعوا للعودة إلى هذه المجتمعات الأسرية والالتزام بالعفاف والزواج المشروع بين اثنين فقط والإقلاع عن الإباحية والحرية الجنسية والتي قد ساهمت في تفكيك هذه المجتمعات لاسيما في أميركا حيث تنطلق عشرات الدعوات للمحافظة على قيمة العفاف والأخلاق لان المجتمع الغربي أصبح مريضا أخلاقيا لدرجة تهدد كيانه واستمراره، حتى ان نصف المجتمع الغربي يعانى من الاكتئاب بسبب الانحلال الخلقي والتفكك الأسري.
*ما هي مقومات الحضارة الإسلامية التي تميزها عن الحضارة الغربية والتي وتساعد على نهضة المجتمع ؟
ـ التراث الإسلامي ضخم وثرى جدا والحضارة الإسلامية عمرها 14 قرنا بالإضافة لما هو مُنزل فيها من فكر إلهي، وإذا قلنا إن في التراث الحضاري ما يصلح فهو ضخم ولكن ليس كل ما هو موجود صالح أو طالح؛ وهناك ما يحتاج للغربلة والفرز والتصفية وهي مهمة المثقفين بواقع مجتمعهم وهمومه، والمثقف الغيور على دينه وعلى مجتمعه عليه بذل الجهد لنخرج هذا التراث والكم الهائل من الأفكار للواقع في صورة تليق بها وتتماشى مع روح العصر.
أما بخصوص النظرة للتراث العربي والإسلامي فهناك 3 اتجاهات :
1-منهم من يريد إحياء هذا التراث كما هو كاملا دون نقص أو حذف أو تغيير أو تحويل لتعيش في الواقع بهذا الكم التاريخي القديم وهم من يطلق عليهم «الأصوليون».
2 اتجاه ثان يرفض كل ما هو قديم على أساس انه مضى وانتهى، وعلينا ان نأخذ بالجديد لنكون عصريين ونواكب الدول المتقدمة، وهذا الاتجاه يرفض النظرة للماضي بحلوه ومره..وهم ما يطلق عليهم «الحداثيون».
3 وهو اتجاه يقف في المنتصف.. وأنا أؤيده وهو ينادى بأن نأخذ من تراثنا ما يتفق وروح العصر، كما نتماشى مع قيم الحاضر ويكون لدينا النظرة المستقبلية الجديدة ونغربل ونمسح بعض الأفكار لنخرجها بما يتماشى مع ظروفنا الحالية وظروف عصرنا الحالي ونترك مالا يتفق وذلك لنجلي أو لنعطى حضارتنا روح العصر وبريقه، فلا ننسحب إلى الوراء،.. ولا نترك ماضينا خلفنا فنقتلع من جذورنا بسهولة.
* ما هي السلوكيات والمظاهر الخاطئة التي غزت مجتمعاتنا العربية والإسلامية ويجب مواجهتها؟
ـ لاشك ان هناك العديد من هذه السلوكيات السلبية المرفوضة قد غزت حياتنا نتيجة التقليد الأعمى والتأثر السلبي بالإعلانات التي تتبع النمط الغربي في الاستهلاك والتفكير حيث انتشرت الأنانية الفردية وأنماط الاستهلاك الترفي الذي لا يليق بمجتمعاتنا الفقيرة، ولا يليق بالأخلاق الإسلامية وما يحضنا عليه الدين الإسلامي من عدم التبذير ومن الاقتصاد وعدم الإسراف.
هذا فضلا عن التقليد الأعمى في المظهر والملابس ونمط المعيشة والدعوة إلى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل حتى تحولت هذه المساواة إلى حالة مرضية لتجاوزها العرف والدين والأخلاق الإسلامية في المساواة؛ وان ما نطالب به هو عدم حرمان النساء والفتيات من حقوقهم كاملة في التعليم والعلاج وكذلك في الواجبات فضلا عن ان لكل إنسان دوره في الحياة، والمرأة والرجل مكملان لبعضهما البعض ولكل منهما دور في الحياة لا يتم بدونه،.. ولابد ان يؤديه على أكمل وجه.
*كيف ترى الدكتورة العميدة نظرية هنتنجتون حول صدام الحضارات ؟
ـ أرى ان صدام الحضارات موجود في العالم بالفعل وقد نشأ وترعرع في قلب الحضارة الغربية نفسها لذلك فهم يصدقونه ويسعون لفرضه على بقية شعوب العالم لاسيما الشعوب الإسلامية،.. وبالفعل صدقت هذه المقولة.. فضلا عن انها ليست وليدة اليوم، ولكنها وليدة مئات السنين منذ ان عاش الغرب حالة صدام بين الانجلوسكسون والفرانك، حيث كانت إنجلترا ضد فرنسا، كما ان الثقافة الفرنسية تعيش حالة صراع ضد الثقافة الأميركية.
أضف إلى ذلك أنهم يعيشون حالة صراع طائفي بين الكاثوليك والبروتستانت كما هو الحال داخل انجلترا نفسها على سبيل المثال.. وان المذاهب المسيحية المختلفة وتناحرها كان احد العوامل التي اذكت نيران الحربين العالميتين الأولى والثانية.. وعليها فهم يرون ان صدام الثقافات والحضارات قائم في العقلية الغربية منذ مئات السنين؛ وهذا ما ولد لدى هنتنجتون نظريته تلك وغذاها ووجهها ضد العالم الثالث بصفة عامة والعرب والمسلمين على وجه الخصوص.
*وهل ترين المرحلة التي يمر بها العالم اليوم بحاجة إلى مزيد من التعايش ام الصدام ؟
ـ من البديهي ان الإسلام يقبل الآخر ولا يرفضه، ويؤمن بضرورة التعايش معه حتى ولو كان هذا الآخر كافرا وملحدا ولدينا الوثيقة الإلهية التي حددت كيفية التعايش مع الكفار أنفسهم وليس أهل الكتاب وقد سجلتها سورة «الكافرون» في القاعدة القرآنية { لكم دينكم، ولي دين}.. ولكن المشكلة الحقيقية ليست لدينا نحن المسلمين ولكنها لدى الغرب الذي لا يقبل الآخر ولا الحضارة الغربية التي تؤمن بإبادة الآخر وعدم قبوله واعتبار ان الآخر هو الجحيم ذاته فضلا عن ثقافة الغرب في هذه القضية هي ثقافة الاستعلاء المرفوضة.
* كيف نتعامل إذن في ضوء قافلة الاستعلاء تلك مع الغرب بأسلوب حضاري يجبرهم على احترامنا ؟
ـ أرى انه من الواجب علينا لمواجهة ثقافة الاستعلاء الغربي تلك أن نقوي أنفسنا ونهتم ببرامج التعليم لدينا لنكون أقوياء في هذا الجانب ومن ثم يقوى جانب البحث العلمي والتكنولوجيا وتتقدم بلادنا صناعيا وتجاريا واقتصاديا وعلميا وثقافيا ونكون حينئذ شيئا قويا..
وساعتها فقط يكون لنا احترامنا ومكانتنا حيث أن العالم الذي نعيش فيه لا مكان للضعفاء ولا للمستهلكين فيه ولا احترام لهم كذلك ولنأخذ الدرس من التجربة الآسيوية حيث ان العديد من الدول كماليزيا وإندونيسيا وتايوان وغيرهم أصبح لها احترامها اليوم بما تمتلكه من إنتاج وتقدم اقتصادي وصناعي وتكنولوجي؛ ولك ان تنظر إلى الخطاب الأميركي لدولة مثل كوريا التي تمتلك فعلا سلاحا نوويا والعراق التي لم تكن تمتلك شيئا لتدرك بنفسك الفرق؛!
والمسألة ليست خلافا دينيا فقط على طول الخط والدليل ما حدث في البلقان من تحطيم أميركي للصرب في إطار صراع الأقوياء.. فهي حرب اقتصادية وهيمنة سياسية ودينية في ذات الوقت، والحرب العالمية الثانية كانت بين مسيحيين ومسيحيين.
* هل نحن بحاجة إلى علم الاستغراب للوقوف لنتمكن من التفاهم مع الآخر ومواجهته ؟
ـ فهمي للآخرين شيء مهم بلا أدنى شك.. ولكن فكرة الاستغراب كان من الممكن قبولها في الماضي قبل عشرين عاما من اليوم في زمن الإغلاق، ولكن الآن الأقمار الصناعية وشبكة المعلومات العنكبوتية «الانترنت» كشفت كل شيء عن الآخر لنا وله فلا حاجة اليوم لا للاستشراق ولا للاستغراب..
ولكن الآن علينا هضم الآخر وكيفية التعامل معه كأمة عربية إسلامية موحدة إلا انه ونحن الآن في حالة تشرزم وضعف وخلافات ولا نستطيع وضع هدف نجتمع عليه فمن الأولى ترتيب بيتنا من الداخل أولا ثم نتجه بعد ذلك للآخر حضاريا وثقافيا وإعلاميا.
القاهرة ـ مجاهد مليجي
