عاش الصحافي الفرنسي الكبير البير لوندر (1884 ـ 1932) مغامرات كثيرة في حياته وتنقل بين بلدان ومناطق عديدة، كتب عنها وعن أحداثها أهم دراساته وتحقيقاته، وجمعها في كتب كانت مقروءة بكثرة في زمنه، لكنه لم يكن شاعرياً أبداً بقدر ما كان حين عاش لفترة من الوقت بين صيادي اللؤلؤ في البحرين، أولئك الذين وضع عنهم كتابا كاملا، هنا بعض صفحاته الحائرة بين الواقع والرؤيا.

«فلنر! أليس ثمة من بينكم واحد لديه مركب؟ أين هو سوف اعرض عليه صفقة مربحة. أي مركب ولو كان صغيراً، يفي بالغرض. المهم بالنسبة إلي ان يكون قادرا على الملاحة في الخليج، خلال( يونيو) المقبل. الحظ أقول لكم، نفتح صدفة ويكون الأمر قد قضي».

الآن بت اعرف أشياء كثيرة حول هذه المهنة. اعرف مثلا كيف اصرخ بملء صوتي «اشتغل أيها الطواف» ويقينا أنني سوف أتعلم أشياء أخرى. وسوف يكون لكم فيّ نوخدا من الدرجة الأولى. فكروا من هذا واكتبوا ايها السادة - ولكن اعلموا ان ليس لدي عنوان. هذا الصباح أصل إلى قرب «بوم» (مركب خليجي) واصعد إلى أعلاه، آه ها هي الأصداف جميعها جمعت ها هنا مكوّمة، أكثر من ستمائة صدفة، والكل في انتظاري.

«ناولني سكينا يا خميس» وينفذ الخميس الأمر من فوره. افتح الصدفة الأولى فتطلع لي في داخلها لؤلؤة. لم يتح لي الوقت حتى أفكر واحلم، إذا فإن مشاعري أحبطت. وكنت أجهز نفسي لكي لا اخسر شيئا بعد الآن حين نكزني النوخذا بكوعه: صدفة ثانية اللؤلؤة الثانية. يا الهي لم هذه السرعة؟ ان اللعبة التي يربح فيها المرء دائما ليست بلعبة. أخيراً، على أي حال اجلس بشكل جيّد، وبت مستعدا ليد الحظ تضرب من جديد: الصدفة السابعة، لؤلؤة جديدة!

دهشت، لكن الرقيق والصبيان والردفاء جميعا جعلوا يضحكون من دهشتي. وازداد ضحكهم حين عرفوا أنني بدأت في القرصان. فذاك الذي يوحي لدى الفرسان على عقد لؤلؤ سيكون عليه ان ينتظر مائة سنة قبل ان يتمكن من تقديم العقد إلى خطيبته! وهذا ما زعموه على الأقل! وكان في زعمهم هذا وقاحة ما بعدها وقاحة!

في الصدفة الثالثة عشرة، لؤلؤة اخرى. يالها من قطعة صغيرة جميلة. تمالكت نفسي وإلا لكان من شأني ان اصرخ متسائلا: هل الأمر صحيح! لو كانت صحيحة لساوت أربعة آلاف فرنك في فرنسا. مهما يكن أنا عانقت الصدفة من فوري ـ أما خميس فانه وضعها في كوب الأصداف المفتوحة التي سوف ترمى.

تلت ذلك عشرون صدفة: النتيجة صدفة في كل مرّة. وراحت الخيبة تعتريني. لكن العثور على لؤلؤة جديدة أزاح هذه الخيبة عن كاهلي. وراح يخيل إلي أني أعيش في بلد خيالي كل البحص فيه صنع من جواهر ثمينة. وقلت في نفسي ان الصدفة التالية التي تعطيني لؤلؤة سوف آكلها.

وأبداً لن أنسى عبدا عجوزا، زنجيا أمضى ساعة يحوم من حول خميس. عينه لم تبتعد ولو للحظة عن سكين فتح الصدف. وعند كل لؤلؤة كانت ابتسامته تعرض وتخبّئ وجهه. واضح انه كان يتلذذ بالمشهد من دون ان يبالي بأي شخص. في نهاية الأمر كففت عن متابعة خميس لأتابع الزنجي، ذلك أنني كنت اعرف أنني ناص على الفور حين تلد صدفة لؤلؤة.

كان الزنجي يضع رأسه بين يديه مادا عنقه جامدا مثل تمثال. قد نفهم حين يستحوذ استعراض ما على عقل هاو، فما باله هو؟ والآخرون؟ ذلك ان الكل كانوا موجودين هنا. كانت على وجوههم تعابير أطفال ينتظرون لدى المصوّر خروج عصفور من آلة التصوير. كانت اللعبة تسرّهم.

أما الزنجي فانه لم يتحرّك إلا مرة واحدة حين مدّ يده يريد لمس لؤلؤة، إذ لم يعد قادرا على المقاومة. ومدّ إليه خميس لؤلؤة دورها بين إبهامه وسبابته، أحسها، تأملها وأشار بحركة من رأسها إلى أنها جميلة حقا، أعجوبة، لؤلؤة صغيرة رائعة. ومرت اللؤلؤة من يد إلى أخرى تبهج كل واحد من الحاضرين، رمينا الصدفات المفتوحة في مياه البحر. والصيادون هنا يزعمون عادة ان الصدفات الأخرى التي تكون في طريقها لان تحمل لؤلؤة إنما تتغذي بالصدفات التي كانت قد وضعت لؤلؤتها.

في ذلك الوقت كانت ريح البرعة، ريح البحرين، لا ريح البلح، بل ريح موسم اللآلئ تعصف في الخليج. وكانت مراكب «البوم» لا تكف عن التراقص. أما الرقيق فكانوا يتمسكون بالحبال، إلى درجة أن ساعة راحتهم سرعان ما تحولت إلى ساعة من النضال والصراع. ترى ما الذي كانت السبع والمستوى صدفة التي اصطيدت أمس قد أعطت؟ لا شيء.

أما «البوم» فكان لا يزال راسيا في المكان نفسه. «أرني على أية حال!» وعلى الفور فك النوخذا ربطة جعبة حمراء، لم يكن فيها سوى لؤلؤتين صغيرتين وأربع عادية. لا شيء إذا، لم يكن هذا ما سعى للحصول عليه على أية حال. قلت له «إننا نحمل الحظ إليك. وغدا سوف تطلق مدافعك فرحا».

أجاب «ألا فليستجيب الله!» سألناه «كم من الوقت في إمكان رقيقك أن يعمدوا في الأعماق؟» «ربما خمسة أيام أخرى» أجاب «خمسة عشر يوما على الأكثر. بعد ذلك سأعيدهم إلى البحرين إذ سيكونون قد هلكوا» «وماذا عن أسماك القرش؟» «لا شك أنها لم تشم رائحة الانس بعد، مع أن الماء ساخن». سعل رق كان معلقا إلى الحبال، فيما ضغط رق آخر على صدغه «كان الله معكم جميعا»، «الله أكبر». ومن خلف أحد الحبال علت صرخة تقول «إلهي رب العالمين».

ورحت أتجول من يوم إلى يوم وكأنني طواشة. على متن واحدها كان الردفاء (المتمرنون) يحيطون بالنوخذا. وكان هذا المعلم يلقي عليهم درسا حول اللآلئ يحدثهم عن قيمة كل لؤلؤة بالروبية ولماذا قد تكون هذه اللؤلؤة الصغيرة أكثر قيمة من الكبيرة. وراح يحدثهم عن الخليج وثرواته. وأدرك هؤلاء الأطفال ان عليهم ان يشكروا الله على نعمة وجودهم في هذا الخليج، ذلك ان ما من بحر يمكنه ان يقدم لهم ما يقدم هذا البحر.

حمدا لله ان لؤلؤتي بيضاء كبيرة مثل هذه لا يمكن العثور عليها في أي بحر آخر. وكان التلاميذ يصغون بكل انتباه، يزنون ما يناولهم إياه بأيديهم ثم يعيدونه إليه ثم يتناولونه من جديد. ويا له من درس غريب ولكن بماذا قد يحلم المرء حين يكون من فتيان البحرين ومجرد ابن غطاس؟!.

لقد شاهدت بأم عيني لؤلؤة ثمنها يقارب السبعمائة ألف فرنك. ولاحقا فيما كنت أعود إلى البوم الذي كان من حظي اليوم، بدا الماء فجأة اسود اللون، ولاحظت جماعات من الطيور المعروفة بأوز العراق عنا وهنالك، أحصيت منها ما يصل إلى الألفين،. وربما كان في وسع رياضي امهر مني ان يعد أربعة آلاف.

وفيما كنا نحاول ان نتابع طيران العصافير القريب بأعيننا بدا كأن السرب كله اختفى: لقد غاص في الماء. يبدو ان كل المخلوقات هنا تريد الحصول على اللآلئ حتى الطيور. لاحقا حين لفت نظر النوخذا إلى الحزن الذي يملأ عيون الجارة التفتت إليّ وقالت: اسمع سأقول لك ما يهم: ان الفرح دب الفوضى في صفوفهم، وهم يكثرون من الغوص على امل، في أشعارنا العتيقة ثمة حكاية عن ملكة تدعى ماريا دي راسيني، ماريا هذه كانت تملك لؤلؤتين كبيرتين معلقتين في أذنيها.

هاتان اللؤلؤتان كان في الإمكان لفترة مشاهدتهما في المدينة المنورة بين جواهر النبي لكنهما خلال الحرب اختفتا ويقال أنهما نقلتا إلى اسطنبول ومن اسطنبول إلى برلين بالنسبة إلينا ضاعت اللؤلؤتان لذا أواصل أنا ويواصل رفيقي البحث عن مثيلاتهما لو عثرنا عليهما سيكون في وسع الجزيرة العربية استعادة زينة الملكة ماريا وسيكون في هذا عودة إلى المجد القديم.