ماذا تفعل لو كنت شاباً جامعياً في مصر، توجهت إلى القاهرة وعندك مشكلة مع أبيك: هو يريد لك دراسة الحقوق وأنت تريد دراسة الأدب؟ لويس عوض خُيّل إليه أنه عثر على الجواب حينها، اتصل بعملاقي الأدب في ذلك الحين طه حسين وعباس محمود العقاد، ثم قصدهما طالباً العون والمشورة، وها هو يحدثنا عن النتيجة من من هذه الصفحات المستقاة من كتاب ذكرياته «أوراق العمر» الذي أثار ضجة وإعجاباً حين صدر قبل ربع قرن، وفي طريقه يقدم لنا عرض صورة من الداخل للأديبين الكبيرين.

لم أضيع وقتاً بعد قدومي إلى القاهرة، فبعد أن سجلت اسمي طالباً بكلية الآداب وقدمت طلبات المجانية، انصرفت إلى شؤوني الخاصة(..) وأضعت الأسبوع الأول في شراء الأثاث ونقله وفي شراء بعض الكتب الأساسية، وكان أهم ما اشتريته كتاب «خزانة الذهب»، وهو مختارات من عيون الشعر الانجليزي القصير، كذلك اشتريت كتاباً مقرراً في قواعد اللغة اللاتينية وبعض نصوص الأدب الفرنسي.

وبعض نصوص الأدب العربي وهي «البيان والتبيين» و«الشعر والشعراء» و«ديوان الحماسة»، واشتريت نسخة من قاموس أوكسفورد الذي كان استعماله معتمداً في قسم اللغة الانجليزية، ومسرحية «ماكبت» لشاكسبير و«الرجل والسلاح» لبرناردشو...وأقبلت على دراستي بحدية تامة...).

ولم ينقض الأسبوع إلا وكنت قد قفزت القفزة الكبرى:اتصلت هاتفياًّ بطه حسين في منزله. وكان يسكن في شارع المينا بمصر الجديدة، وطلبت تحديد موعد للقائه فحدد الموعد لي سكرتيره توفيق شحاته.

ثم اتصلت تلفونياًّ بعباس محمود العقاد في منزله بشارع السلطان سليم في مصر الجديدة، فردّ عليّ بشخصه وحدد الموعد خلال الأسبوع، أما طه حسين فطلبت لقاءه لعرض «أمر خاص» وأما العقاد فقد طلبت لقاءه كطالب معجب بأدبه، ومازلت أذكر مدى الاضطراب الذي شاع في صوتي وأنا أطلب اللقاءين، ومدى الاضطراب الذي شاع في حركاتي وأنا أواجه هذين الكاتبين العظيمين.

عندما دخلت بيت طه حسين، استقبلني عند الباب توفيق شحاته وقادني في ممر مكسو الأرضية إلى حجرة مكتب طه حسين في الدور الأرضي وأعلن عن اسمي، واستقبلني طه حسين واقفاً، وصافحني ثم جلس في تؤدة قائلاً لي بالفرنسية: «أجلس» فجلست. وكانت مدام سوزان واقفة بالقرب منه فقالت لي «بونجور مسيو» فوقفت وأجبت متلعثماً «بونجور مدام».

ثم جلست مرة أخرى وعاد طه حسين يقول ودائماً بالفرنسية «شاي من فضلك يا سوزان». وكانت مدام سوزان تحدّق فيّ في جدية تحاول ان تكتشف أي نوع من الشبان أكون. ثم انصرفت وكان توفيق شحاته واقفاً طوال الوقت في طرف الحجرة، وكانت حجرة المكتب مكسوة الجدران برفوف المكتب السوداء المجلدة والرفوف لونها جوزي غامق، وكان فيها أثاث قليل:

مكتب صغير جميل غامق اللون عليه تلفون، ومقعدان من الجلد ومقعدان من طراز لا أعرفه وكرسيان جميلان من طراز غريب أيضاً و«المقطوفتان»، وكانت هذه أول مرة أرى فيها أرضية باركيه وورق جدران، ففي المينا لم تكن أسرتي تعرف غير البلاط المنقوش وطلاء الزيت، وكذلك لم يكن في بيت عمي اسحق بمصر الجديدة إلا بلاط جميل عليه سجاجيد جميلة، وكانت في حجرة طه حسين ستائر ثقيلة داكنة على النافذة وستائر وردية على زجاج النافذة كبتت ضوء الشارع، كان يسود المكان هدوء غريب، الكلام خفيض ووقع الأقدام أشد انخفاضاً.

وسألني طه حسين في لطف عن سني وعن دراستي في المينا الثانوية، وعن بدايتي في كلية الآداب وعن أبي وعمله، وكانت الأسئلة مقتضبة والأجوبة مقتضبة، وأخيراً وصلنا الى بيت القصيد: «ايه بقى الموضوع؟» وبدأت أجيب بخجل. وهنا دخلت مدام سوزان بالشاي وتركت الصينية وذهبت، وصبّ توفيق شحاته لطه فنجاناً ولي فنجاناً.

واستأنفت شرح الموضوع :الموضوع أني أريد أن أدرس الأدب وأبي يعارض في ذلك ويهدد بعدم الإنفاق علي إن أنا دخلت كلية الآداب، ولهذا قدمت للكلية طلب المجانية وأنا أرجو أن يساعدني الأستاذ طه حسين في الحصول على هذه المجانية.

وبدا الانزعاج على وجه طه حسين: «وليه ما تسمعش كلام أبوك؟» فأجبته باضطراب: «أنا مصمم على دراسة الأدب مهما تكن النتيجة»، فاشتد انزعاجه وكرّر: «أنا رأيي إنك تسمع كلام أبيك، حاول أن تقنعه مرة أخرى وإذا أصرّ على الحقوق اسمع كلامه»، ولم أجب لشدة اضطرابي.

لقد كان واضحاً أني أقحمت طه حسين في مشكلة، لأنه لا يستطيع أن ينصح ولداً بعصيان أبيه، ويبدو أنه أحس بأني كاسف البال فضرب فخذيه براحتيه وقال: «على العموم الموضوع ده حتبتّ فيه لجنة المجانية في أوائل نوفمبر، حاول تتفاهم مع والدك وربنا يسهل». فأحسست إحساساً غامضاً بأن هذه العبارة تحمل وعداً بخير، وبعد خروجي التقيت في الطرقة بغلام وصبية أكبر منه سناًّ، فعرفت أنهما ابن طه حسين وبنته، فيما بعد عرفت أن اسمهما الرسمي هو مؤنس وأمينة («كلود ومرغريت» هكذا قال توفيق شحاته).

وبعد أيام من زيارتي لطه حسين زرت عباس محمود العقاد وكان الجو عنده مختلفا تماماً عن الجو عند طه حسين، كان يسكن شقة في أحد الأدوار العليا، وكان ضوء الشارع عنده قوياًّ، وفتح لي الباب خادم يلبس جلباباً وأدخلني غرفة الاستقبال التي سميت بعد ذلك «صالون العقاد» وهناك جلست وانتظرت نحو 5 دقائق، ثم دخل العقاد بقامته الفارغة ولم يكن في بدلته مثل طه حسين، ودخل لابساً بيجاما وفوقها روب شتوي، شبيه بالبطانية، وكان يلبس حول رقبته كوفية وعلى رأسه ما يشبه الطاقية، فنهضت وصافحته، وأشار بالجلوس فجلست.

وكانت حجرة الجلوس واسعة فيها طقم من «المذهّب» مستكمل بكراسي من نفس النوع وهي غالباً تقليد الأوبيسون.

وكانت مكتبته في مواجهة حجرة الاستقبال، فرأيت قسماً من مكتبته المشهورة(..)، ولم أجد في بيت العقاد (...) ذلك الهدوء الشامل الذي وجدته في بيت طه حسين، فقد كان ضجيج المترو في شارع الخليفة المأمون يصل إلى مسامعنا كل بضع دقائق وكنا نسمع نداء الباعة في الشارع، وبعد أن عبرت للعقاد عن إعجابي الشديد بكتاباته ومتابعتي لكل كلمة يكتبها في الأدب والسياسة.

استفسرت منه عن بعض ما استغلق علي فهمه من عباراته، فشرح لي وخيّل إلي أنني فهمت ولكني في الحقيقة لم أفهم معنى عبارات له مثل «أوزان الفن وأفراحه» أو «الحياة أقدم من الكون في نظري»(...)، وكان العقاد باتاًّ معي ولم يبخل عليّ بعلمه وتعليماته ولكنه حين عرف بمشكلتي الخاصة بين الآداب والحقوق لم يعلق بأكثر من قوله أن من سنن الحياة أن الأجيال لا تتفاهم، ولم ينصح بشيء، ولقد وجدته قادراً على (...)

والدعابة رغم صوته الحاد والعميق وإلقائه المتعالي، وكان متحفظاً في الكلام عن طه حسين لكنه تكلم في كل شيء آخر: في المتنبي والمصري وفي داروين ونيتشه، وفي هازلت وامرسوف، وفي شيلي وبيرون، وكان لاذعاً في أكثر ما يقوله.

وتركته بعد ساعتين بعد أن أبلغني أن صالونه مفتوح كل يوم جمعة، ودعاني أن أتردد عليه لو شئت لألتقي بعض الأدباء وذكر لي أسماء بعض مريديه، ولم أكن قد سمعت بأحد منهم.