هو محمد فريد بن مصطفى وجدي ـ ولد في سنة 1295 هجرية الموافق 1877 ميلادية ونشأ بالإسكندرية وتلقى تعليمه الابتدائي بها، ثم التحق بمدرسة ثانوية بالقاهرة ولم يتم تعليمه بها، إذ رأى في كثرة المواد التي لا تهم الطالب المسلم ما زهده فيها، فآثر الدراسة المستقلة بعد ان أتقن الفرنسية تماماً، جعله هذا الإتقان أحد المؤلفين بها، بل انه أصدر قبل ان يبلغ العشرين كتابا يشرح مبادئ الإسلام بهذه اللغة.
ونال من تقدير المنصفين ما قوى عزيمته على التعمق في الدين الإسلامي وشرح حقائقه لغير المسلمين كي يخففوا من حملاتهم التبشيرية التي كانت تجد في الاحتلال الانجليزي لمصر أقوى نصير.
وكتاب الإسلام والمدنية الذي ابتدأ به حياته الفكرية، كان مثار إعجاب المنصفين شرقاً وغرباً، وقد جعله بعضهم في مرتبة «رسالة التوحيد» لإمام العصر الشيخ محمد عبده، وهو الباكورة في تأليف الأستاذ .. وهو ولاشك ليس بعيدا عن مدرسة الأستاذ الإمام وإنما هو محسوب عليه، وروحه المستقلة في الكتابة مستمدة من نفثة الإمام التي نفثها في سويداء من حوله.
ولعل هذا ما دفع الدكتور تشارلز آدمز الى اعتبار محمد فريد وجدي من أشياعه، بقوله: (لعلك لاحظت فيما سبق ان الدكتور توفيق صدقي كان وحده دون سائر أشياع الإمام، ما زال في سن الشباب، ولقد اشترك معه في هذه الصفة محمد فريد وجدي وان كان يكبره قليلا)..!
ولقد كان محمد فريد وجدي عصاميا ـ كما يقال ـ في بناء نفسه علمياً وفكريا وأدبياً، وتمثلت هذه العصامية العلمية في شخصه، تمثلا حقيقيا رائعا، اذ اتجه بنفسه الى تحصيل معارف كثيرة تيسرت له من دون توجيه من أحد، وقد أصبح بما حصله من هذه المعارف الواسعة المحيطة علما من أعلام الشرق والإسلام حتى إن المؤسسة الدينية الرسمية ـ الأزهر ـ تقبل وتطلب وترجو ان يرأس ويدير تحرير مجلتها الناطقة باسمها، الأزهر، ثمانية عشر عاماً متوالياً، فأرتفع بمستواها العلمي حيث نشرت فصولاً لكتاب الغرب تحمل الشبهات التي يهاجمون بها الإسلام، ثم أعقبتها بردود قاطعة كتبها الأستاذ فريد وجدي ..!
وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على الثقة والتقدير الذي حظي به الأستاذ محمد فريد وجدي لدى القائمين على أمر المؤسسة الدينية الرسمية من أئمة وعلماء قد أرادوا للدعوة خيراً وابتغوا سبقاً للمجلة ..!
ومما ساعد محمد فريد وجدي على سلوك الوجهة الدينية، إن والده كان محافظاً لدمياط، وله اهتمام بالمباحث الدينية، فجعل يعقد في منزله كل أسبوع ندوة يحضرها علماء المعهد الديني بدمياط، وكان من المعاهد المعدودة على مستوى الدولة، وكانت المعاهد تمثل مراكز إشعاع حقيقي على المنطقة المحيطة بها فكراً ودينا وأدباً وسياسة، وكانت ندوات معهد دمياط تكون مجالاً للبحث الهادئ في ما يدور في المجتمع من مشكلات فكرية.
وكانت تصيب المشاركين في الندوات الدهشة من الآراء التي كان يبديها الشاب الناهض من معرفة واسعة، فينال إعجابهم بعد دهشتهم، فيشدوا من عزمه، ويغبطونه على ثبات قدمه، ويطلبون منه المزيد من المشاركة، ومنذ هذا العهد الباكر وهو يغمر جرائد اللواء، والدستور والمؤيد والأهرام ببحوثه الدقيقة، فلفت الأنظار إليه، وعد من حملة الأقلام الزائدة عن الإسلام، فكان يذكر اسمه بجوار الأسماء الكبرى في عالم الدفاع عن الإسلام.
والرد على الحملات المنكرة التي كان يؤجج لهيبها أعداء الإسلام من المستشرقين والمبشرين، أمثال أصحاب القرائح المنيرة والأقلام البصيرة، كالأستاذ الإمام محمد عبده، والشيخ رشيد رضا، والشيخ علي يوسف، وعبدالرحمن الكواكبي، وهيكل وغيرهم ..!
وجاء عليه وقت قدر له ان يكون المدافع الأول، والناقد الجهير لكل ما يكتب عن الإسلام، ويتضمن ما يجب أن يصحح من الأخطاء، فامتلأت الجرائد لعهده بمناقشات علمية للكتب المغرضة، والمقالات المهاجمة يكتبها الأستاذ بقلم عف نزيه، وله في هذا المجال «كتابه الشهير عن المرأة المسلمة» رداً على الأستاذ قاسم أمين، وكتباه «نقد كتاب الشعر الجاهلي» رداً على الدكتور طه حسين، وكتابه «على أطلال المذهب المادي» في أربعة أجزاء رداً على أنصار نظرية داروين، وكتابه «ليس من هنا نبدأ» رداً على كتاب الأستاذ خالد محمد خالد، وكتابه «الأدلة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن الكريم الى اللغة الأجنبية» رداً على الأستاذ محمد علي سليمان ..!
هذا عدا المقالات التي زخرت بها الصحف السيارة ـ من جرائد ومجلات ـ على مدى نصف قرن، لكانت مكتبة حافلة، وقد رأى بعض أهل الفضل جمع ما أمكنه من تلك المقالات في مجلدات، فتم جمع بعضها في كتاب نشرته المؤسسة اللبنانية المصرية، تحت عنوان «مناقشات وردود»..!
كما أصدر مجلات علمية مثل «الحياة» التي عنيت بالمعارف الحديثة، ومثل جريدة (الدستور) اليومية التي كانت حرباً على الاحتلال، وكانت تنطق باسم (الحزب الوطني) رغم اختلافه مع أفكار مصطفى كمال وهو أبو الحزب الوطني، وكان من شيم محمد فريد وجدي إيمانه بحق صاحب القلم ان يكتب ما يرى دون ضغط من أحد، ومن هنا كان يكتب في جريدته من يختلف معه في الرأى أحياناً كالعقاد مثلا، فكان ينشر مقالاته وآراءه دون تعقيب .. ثم استقلت الجريدة بعد ذلك عن الحزب الوطني ..!
واهتم الاستاذ محمد فريد وجدي بالأبحاث الروحية، فأصدر مجلة خاصة بها، وأفرد لها أجزاء متتابعة من مؤلفاته، وقد جعل من هذه البحوث الخاصة باستحضار الأرواح والتنويم المغناطيسي، حجة قوية تقف في وجوه من ينكرون عالم الغيب من الماديين ويجحدون فاطر السماوات والأرض.
وقد ساعدته الاكتشافات الأوروبية الحديثة مساعدة تامة، فأخذ يفسر الظواهر العلمية في ضوء الحقيقة الكبرى التي جاءت بها الأديان السماوية، فأتاحت له ثقافته المتعددة والمتشعبة في علوم النفس والاجتماع والفلسفة فيضا زاخراً من الحجج العلمية، أكسبت بحوثه قوة تجذب الأنظار، وكان أسلوبه الجدلي وطريقته النقدية موضع الارتياح من معارضيه، فكانوا يسجلون ذلك في ردودهم مغتبطين.
وكانت مصر في مفتتح القرن العشرين في حاجة ماسة الى ذخيرة من المعارف الإنسانية في شتى العلوم المختلفة، وليس بها من المؤلفات العصرية ما يسد هذا الفراغ، فصمم على ان يصدر وحده، «دائرة معارف القرن العشرين» في عشرة مجلدات، فكانت جامعة ثقافية لقراء اللغة العربية، وقررتها نظارة المعارف في مكتبات المدارس، وتعددت طبعاتها، ويعتبر جهد الأستاذ في هذا النطاق جهداً بطوليا يقرب من الإعجاز إذ كيف يقوم فرد واحد بما تقوم به عدة لجان من مختلف التخصصات ..!
ولقد زين الأستاذ قلمه بالإنصاف في النقد وكلمة الحق فوق رؤوس الجميع، يعلن ما يراه دون تجاوز وبكل أدب واحترام، فحين كتب الأساتذة الكبار من أمثال: عباس العقاد، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم، كتبا مستقلة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لاقت قبول الناقدين وحازت شهرة مستفيضة، أخذ الأستاذ فريد وجدي ينقدها في دقة وأمانة مع الترحيب كل الترحيب باتجاهها، ثم رأى ان يصدر كتاباً خاصا بالسيرة تحت ضوء العلم والفلسفة، فكان موضع التقدير، اذ تحدث عن الوحي السماوي حديثا يقنع أصحاب الاتجاه العلمي.
وأيد كلامه بنقول مستفيضة تثبت صدق الوحي، كما رد على الشبهات التي حيكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهلاً أو سفهاً، فوضع الحق في نصابه، وكتابه في السيرة المحمدية درة غالية في عقد هذه الدراسات الخاصة بنبي الإسلام، وقد نشره متفرقاً وقامت المؤسسة اللبنانية المصرية بإصداره.
كما نقل كتابه «المرأة المسلمة» مترجماً الى اللغات الإسلامية كالتركية والفارسية والأردية، وصادف ارتياح الكثيرين، اذ كشف هذا الكتاب عن عمق المؤلف في دراساته الاجتماعية، وبصره باختلاف المنازع البشرية من الشرق والغرب، وإلمامه بما تخوف منه كثير من أساطين التشريع في أوروبا حين رأوا المرأة تتبرج وتغشى المواقف المريبة دون استنكار، وحين تمتهن في المعامل حاملة الأثقال، وواقفة أمام النيران المشتعلة في الأفران، وملطخة بسواد الفحم في المناجم .. وكل ذلك مما يخالف طبيعتها دون إنكار، مع الائتناس بآراء أئمة الاجتماع في العصر الحديث ..!
ودرة الأستاذ محمد فريد وجدي الذي أفاد منه كل مسلم ومسلمة صغيراً أو كبيراً، هو المصحف المفسر والذي قال عنه: أما بعد فإني حوالي سنة 1323 هجرية حاولت إن أقرأ القرآن قراءة تدبر وفهم كما أمر به موحيه سبحانه وتعالى فأعوزني ان أجد من التفاسير ما يبلغني أمنيتي من أقرب الطرق وأسهلها، فإن المطولات لا يتسع لتلاوتها وقت أمثالي من المشتغلين بفروع كثيرة من العلم، والمختصرات قصد بها حلول المسائل الفنية من التفسير ..!
وكان مرادي تفسيرا يعطي الألفاظ العربية حقها من البيان، وتعرض للمعنى بعبارة خالية من المسائل الفنية، مع بيان أسباب نزول الآيات ليتجلى للقارئ المعنى بكل جلاله، فأخذت أضع تفسيراً لنفسي، وشرعت أكتبه على هامش مصحف لأتخذه عمدة في تلاواتي للكلام الكريم ..!
وقبل أن أتمه أدركت ان هذا العمل طلبه كل تالٍ للقرآن العظيم، فرأيت ان أتم هذا العمل ـ التفسير ـ وأطبعه ليعم انتشاره، ففعلت، وهو هذا الكتاب الذي أقدمه للقراء راجياً ان أكون بهذا العمل سبباً في نشر معنى كتاب الله بين أناس لم يكونوا ليبلغوه في حياتهم، اما لأن أعمالهم لا تمكنهم من الإطلاع على التفاسير، وإما لأن مادتهم العلمية لاتسمح لهم بإدراك أغراض المؤلفين السابقين ..!
ثم إني رأيت تتميماً للفائدة ـ أن أجعله على شكل المصاحف العادية، فجلعت تفسير كل صفحة في هامشها ليسهل الرجوع الى معنى أي لفظ أو آية في حال التلاوة، والحمد الله أولا وأخيراً..!
وإني لأرجو من وراء هذا ان يعمَّ انتشاره فيشيع بهذه الوسيلة العلم بمعاني الكتاب العزيز، وتتحرك في النفوس عوامل الرغبة في العمل بها، لاسترداد مجد هذه الأمة الضائع، بمثولنا وسط الأمم الراقية: تعمل ـ كما نعمل ـ لرفع منار الإنسانية، وتشييد صروح العمران والمدنية.
علي عيد
