كانت الجبال والنخيل تتنافس في مطاولة السماء، فهنا رفع الجبل رأسه لينشر ظلاله على الوادي وهناك نخلة امتدت قامتها لتقدم رطبها شهياً للآكلين وبينهما تشكلت حكاية الناس والمكان في منطقة أذن إحدى مناطق رأس الخيمة التي عرفت بعراقتها وتميزها بين القرى المجاورة، فقد كان يأتيها المصلون من ريامة والروضة ليصلوا الجمعة فيها.

توجهنا إلى أذن عبر طريق الطويين الجديد حيث تركنا قرى الطويين على يميننا لنستمر في الطريق المؤدي إلى منطقة أذن، وما ان وصلنا حتى توجهنا إلى إحدى مدارس المنطقة التي مثلت نقطة دالة لتجمع الشواب فيها.

التأم المجلس بحضور كبار السن من القرية ليتحدثوا عن ماضيها وحياتهم فيها ليقول محمد سالم اليماحي «كانت المنطقة خصبة والوادي «يحدر» الماء ونشرب منه، وقد كان الماء يمتد من وادي «السدر» ووادي «العيم» ووادي «كو» إلى أذن، والآن انقطع المطر وجفت الوديان ولم يعد الزرع كما كان في الماضي.

فقد كان الناس يزرعون النخيل ويعتمد عيشهم على التمر، وقد كانوا يسقون «باليازرة» ففي أيام زمان «ماشي مكاين» واليوم جاءت الكهرباء والمكائن لكن الرحمة انقطعت بين الناس» ويقول عبيد سالم المزروعي «كانت بيوتنا من الخوص و«العسبج» و«السمر».

وفراشنا حصير من سعف النخيل، وكان الرجل لا يسافر وحده بين الجبال بسبب وجود الذئاب التي قد تفترسه ولابد أن يحمل معه سلاحاً مثل الصمعة أو الميزر، وكان هناك رجل يجلس تحت السمرة يصنع البارود ويبيعه علينا بنصف روبية وأربع آنات أو ثلاث، فنحن لا نستطيع دائماً شراء «الرصاص» المصنع في مصانع السلاح، وكانت الحياة فيها خوف إذ لابد ان يسافر الرجال رباعة ويحملون أسلحتهم معهم».

ويقول سالم المزروعي «أول» الناس تأكل من حرث الأرض فتزرع البر والنخيل وتعيش عليها، وكان البيت الصغير للعائلة يضم عدة خدمات فهو مستودع للحبوب والتمر ومكان للنوم ومطبخ لإعداد الطعام، فلم يكن الناس يمتلكون القدرة على بناء البيوت الكبيرة التي نراها اليوم، وكنا نزرع «بالوعوب» القمح والح والبطيخ واللومي والفندال وكان الماء في الجبال والوديان لذا تتوفر أنواع المحاصيل مثل الذرة والدخن».

ويتحدث المزروعي عن مواقع سكن الناس قائلاً «كانت الناس تسكن في السيح والجبال وعددهم قليل في ذلك الزمان وأحوالهم ضعيفة وهم متفرقون في أذن ووادي العيم ووادي لو والعيص وغيرها من البقاع، وكان بعضهم يصنعون الصخام ويبيعونه في رأس الخيمة وكان سعر .. الجونية «أقل من ريالين».

ويأتي الحديث عن شهر رمضان المبارك فيقول محمد عبيد سالم المزروعي «كانت أذن بمثابة المسجد للمصلين من سكانها وسكان القرى المجاورة فقد كان فيها مسجد قديم جداً يقع في الشرق يؤذن فيه للصلاة ويقال ان اسمها ارتبط برفع الآذان وكان الناس يأتونها من «الفيل والعيم ووادي كو والرويضة واريامة واسهيلة والساعدي» لكي يصلوا الجمعة فيها.

وكان المرحوم راشد بن حميد يصلي بالناس أربعين عاماً ولم يكن يأخذ شيئاً منهم، واليوم المطاوعة يأخذون المال ليؤذنوا ويخطبوا في المساجد، وكان المطاوعة القدماء من أهل أذن هم حمدان بن غازي وسيف بن علي بن سيف بن غازي، وكانوا يحفظون القرآن ولا يكتبون».

ويقول علي سالم المزروعي «كان الناس يحسبون الأيام على الحساب الهجري للسنة، وفي الماضي لم تكن هناك هواتف أو إذاعة وتلفزيون، فكان الشواب «يطلعون» فوق الجبل وإذا شاهدوا الهلال «نقعوا» البندقية، وقالوا غداً رمضان، و«يقعت» حكومة رأس الخيمة «مدفعية» صباح العيد فإذا فاتت الناس صلاة العيد أفطروا وصلوها في الثاني، وكان الرجال يفطرون رباعة، وحتى الآن يتجمعون في المساجد ويصلون التراويح جماعة، وكانت النساء كذلك تصلي جماعة».

ويقول علي عبيد الحنقري «كان في ذلك الزمان الجو حار والناس يصومون ويعملون في الزراعة ولا توجد مكيفات أو كهرباء لكنهم لم يتكاسلوا عن واجباتهم وأعمالهم وفي الظهيرة كانوا يبللون إزاراً يتدثرون بها في ظلال النخيل أو السمر، وفطورهم «سح» وخبز وكامي وقهوة وسمن وعسل حسب ما هو متوفر لديهم وكانوا يشترون «العيش» من رأس الخيمة وكان من نوع يسمى «قردة».

وكذلك يجلبون القاشغ من الساحل حيث تستغرق الرحلة ثلاثة أيام ذهاباً ومثلها إياباً، وكانت النساء تجهز البلاليط والحريس وغيرها من الأطعمة المعروفة، والكل راض برزقه وما قسم الله تعالى له من نعمة.

ويتحدث الحنقري عن الزواج والفرق بين الماضي والحاضر قائلاً «عندما تزوجت كان راتبي ستمئة درهم وكانت تكفينا ونعيش بشكل جيد بينما أنا اليوم متقاعد وراتبي يصل إلى العشرة آلاف درهم ولا يسد حاجات البيت، وقد كانت الحياة في الماضي بسيطة والزواج ميسر.

وكانت الفتاة تتزوج حسب مشورة أهلها فيخطب الرجل البنت وقبل زواجها بيومين يتشرون لها ملابس جديدة ويقيمون العرس من دون أن تعترض، وكان العشاء عند أبي العروس حيث تتم ضيافة جميع القادمين مع المعرس وتنتقل الضيافة إلى بيت المعرس في اليوم الثاني ويقام العرس لثلاثة أيام أو أربعة تكون فيها الأفراح والرزيف و«نقع التفك» وإذا ذهبت العروس إلى بيت زوجها أنشدوا

شلّوا غزال السيح عنا

خذوه بسال وشريعة

أعاد المجلس ذكريات الشباب والماضي الجميل، لكننا آثرنا ان نشاهد طبيعة أذن في الحاضر فكانت الجولة بين البساتين وآثار المنطقة القديمة وتمايل السعف في جوار الجبال.

استطلاع: دلال جويد