أوجدنا الله خالقنا وخالق كل شيء بشكل مؤقت على ظهر الارض لكي نبتلي وليعلم الله ما نحن عليه، وحقيقة ايماننا بالله واليوم الآخر «لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك»، وليتم من خلال الابتلاءات بالشر وبالخير تقييم البشر وتصنيفهم «ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون».

حول الموضوع يقدم لنا الدكتور فتحي مرعي عضو مجمع البحوث الاسلامية، كتابه الجديد: «الإنسان والابتلاءات».

في البداية يتحدث المؤلف عن الابتلاءات بالشر، مشيرا الى اربعة انواع في هذا الشأن: الابتلاء للاختبار: فالله تعالى يريد ان يمحص عباده المؤمنين ويختبر درجة ايمانهم، فيقول المولى عز وجل: «ليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم».

الابتلاء بالانذار: فالله سبحانه اذ يريد ان يرحم عبده المؤمن حين يهم بارتكاب المعصية.. ينذره لكي يعيده الى الطريق ولايتجاوزه، فيقول عز من قائل : «وما أصابك من سيئة فمن نفسك» أي ان الابتلاء كان كجرس انذار لينبه المؤمن إلى انه حاد عن الطريق المستقيم او أوشك أن يحيد عنه، فيعود أدراجه منيباً الى الله.

*الانذار للاعذار : هناك من الناس من قست قلوبهم، وهم في غمرة ساهون عن الله وعن اليوم الآخرن فالله يبتليهم لكي ترق قلوبهم ويتخلوا عما هم فيه من الاستعلاء والاستكبار، فيكون الابتلاء كهزة عنيفة لعل منهم من يرتدع، ويتوب إلى خالقه، ومنهم من يفعل، ومنهم من يظل شاردا في غيه : ز«لولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون»، هؤلاء لم يعد لهم عذر في ضلالهم واستكبارهم عن التضرع لله عز وجل.

* الابتلاء لزيادة رصيد الحسنات او لمحو السيئات: فمن حديث خاتم الانبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه الا كتب الله له بها حسنة او حطت عنه بها خطيئة»، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ان الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الارض وما عليه من خطيئة».

وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن الابتلاءات بالخير، مؤكدا أن الذين يقعون تحت هذه الابتلاءات إن لم يثبتوا لله صدق ايمانهم، فيحمدوه ويتقربوا اليه بالطاعات، ويتصدقوا على الفقراء والمحتاجين من مال الله الذي آتاهم فإن هذه النعمة الظاهرة تكون في الواقع نقمة عليهم «ما كان الله لينذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعهم على الغيب»، فالذين نالهم خير ولم يثبتوا للاختبار، فقد فتنوا، واضلهم الشيطان واستزلهم ببعض أعمالهم» الشيطان سول لهم وأملى عليهم».

الدنيا فخ لناس كثيرين، والذي تطبق عليه المصيدة، لم يفطن لحقيقة الدنيا، وانها مجرد دار اختبار، ولا مستقر فيها، في حين أن الآخرة هي دار القرار والاستقرار، ينبئنا بذلك رب العالمين، في غير موضع من كتابه الحكيم، حتى لا ننسى فنضل ونشقى «وان الآخرة هي دار القرار».

وتحت عنوان: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة» يرى المؤلف ان إقبال الدنيا علينا او ادبارها منا، لا يجب في الحالتين ان يصرفنا عن بذل المهمة من اجل حياتنا الآخرة، فإقبال الدنيا علينا بحظوظها هو شطر الابتلاء، لأن الإنسان اذا اقبلت عليه الدنيا ونال منها كل ما يتمناه، فقد ينتهي ذلك بالانسان إلى بطر النعمة وعدم شكر المنعم عليها، وهو الله الذي يقسم الارزاق، او قد يؤدي إلى قسوة القلب أو المباهاة أو التجبر على خلق الله.

وفي الناحية الاخرى اذا أدارت الدنيا وأولتنا ظهرها، فقد يؤدي ذلك الى طغيان مشاعر القنوط والاحباط وكراهية الدنيا، وربما الحقد على الناس «والمحظوظين» منهم بصفة خاصة، وربما يصحب ذلك العزوف عن الاستعداد للآخرة.. اي ان تترك هذه الحالة النفسية ظلالها القاتمة على توجه الإنسان للآخرة «دار القرار» ـ وهذا وذاك خطأ فادح لاينبغي على الانسان العاقل ان يقع فيه، وإلا فإنه يدل على ان الشخص لايدرك معنى الحياة او وظيفتها او الغرض منها.

فالذي اقبلت عليه الدنيا بحظوظها فإنه يختبر، تماما مثل الذي ادبرت عنه الدنيا، وحرمته من اشياء كثيرة يتمناها او كان يتمناها.

فالشر الذي يصيب بعض الناس، او الحرمان من تحقيق آمالهم، هو صنو الخير الذي يأتي البعض الآخر في كل مكان، الاثنان اختبار وفتنة، وهؤلاء وأولئك راجعون إلى الله بعد ان يمروا بهذين الاختيارين.. أحدهما او كلاهما.. فالهدف ليس اسعاد طائفة وإشقاء اخرى، أبداً وإنما تعريضهم للابتلاء، ليرى الله ماذا هم فاعلون: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون»، أي أن الرجعى إلى الله تأتي في نهاية المطاف بعد الابتلاء بالشر والخير.

وفي النهاية يوضح لنا المؤلف أن الله عز وجل يرقب عباده في تقلبهم في الارض، ومن خلال ما يصادفهم من خير او من شر، وردود افعالهم تجاه هذا او ذاك، ليميز الخبيث من الطيب، اي ان الابتلاءات لها هدف رئيسي، هو تقييم وفرز الناس «واستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» فلا يكفي ان يقول الواحد منا «آمنت» لان بعض من يؤمنون بألسنتهم، إذا أصابهم فتنة تفوهوا بألفاظ وعبارات تغضب ربهم، ولم يتأسلوا بسلوك نبيهم وقدوتهم، حين ابتلاه الله بموت قرة عينه ابراهيم فبكي وقال «تدمع العين ويحزن القلب ولانقول ما يغضب الرب..

والله إنا عليك يا ابراهيم بالمحزنون»، فالصدمة يجب ان يتلقاها المؤمن برباطة جأش، لانه لابد ان يتوقع انه سيبتلى في يوم ما بفقد انسان عزيز عليه او بضياع شيء غال عنده، فهكذا الدنيا.. ومن كان يظن او يتوقع الا يصيبه اي مكروه في حياته الدنيا فهو مخطئ.. لان الدنيا اساسا دار ابتلاء..وإلا فكيف يقيم الله عباده ويفرزهم ويصنفهم؟! «ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن اصابه خير اطمأن به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخره ذلك هو الخسران المبين».

القاهرة ـ مصطفى علي محمود