حتى عام 1960 كان الزائر لدبي يجد صعوبة في الحصول على فندق واحد لائق للإقامة فيه. فعلى الرغم من التطور الحضري والعمراني الكبير الذي بدأت تشهده دبي إلا أن صناعة الفنادق والصناعات الترفيهية المرتبطة معها لم تكن قد تطورت بعد.
ولكن منذ بداية الستينات ومع التطور الكبير الذي حصل في مدينة دبي أصبح لزاماً على المدينة التفكير الجدي في التوسع في الصناعة الفندقية لملاحقة التطور الحاصل في المجالات الأخرى، فقد أدى تنفيذ مشاريع البنى التحتية في دبي إلى توافد أعداد كبيرة من القادمين وظهرت الحاجة لإنشاء فنادق لإيواء النزلاء الذين بدأوا التوافد على دبي بكثرة والى الرغبة في خلق مجالات ترفيهية جديدة.
ارتبط مجيء هؤلاء الأجانب أما بالتطور الحاصل في دبي نفسها وإما بالتطور الحاصل في صناعة البترول وتطور صناعة الطيران نفسها. فقد أصبحت دبي منذ العام 1938 نقطة وصل مهمة على طريق الطيران الإمبراطوري البريطاني للهند والشرق الأقصى وأستراليا وأصبح المرور عبر دبي ضرورياً خاصة لمستخدمي الطيران الإمبراطوري البريطاني BOAC. وهكذا ظهرت الحاجة لفنادق مناسبة وقريبة تكون استراحة لطواقم الطائرات وللمسافرين.
وهكذا تم افتتاح فندق الايرلاينز Airlines والذي يقع في أعلى شارع الفهيدي حاليا، ليكون فندقا لإقامة طاقم الطائرات والعابرين عبر دبي وركاب الترانزيت. ولكن بمرور الوقت أصبح هذا الفندق غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الزبائن المارين عبر دبي.
فظهرت الحاجة لفنادق أخرى. وهكذا ظهرت في الستينات ثلاثة فنادق جديدة من الدرجة الأولى هي كارلتون والواحة والبستان، وجميعها فنادق مكيفة الهواء صيفا وشتاء. وقد حوى فندقا الواحة والبستان على حمامات سباحة كبيرة لاستخدام النزلاء. وتتقاضي هذه الفنادق ما يوازي سبعة جنيهات إسترلينية ونصف لليلة الواحدة للشخص الواحد مقابل الطعام والإقامة تنخفض إلى 5 جنيهات عندما يحذف الطعام.
وعلى الرغم من أن هذه الفنادق كانت إضافة نوعية للخدمات التي تقدمها دبي للزائر إليها ألا أن نسبة الإشغال لم تكن جيدة طوال العام بل كانت موسمية. فأحيانا كثيرة ، كما يقول أحد الصحافيين الذي زار دبي في فترة الستينات، كان عدد الجرسونات أكبر بكثير من عدد الزبائن.
وعلى الرغم من هذه العقبات التي واجهت المستثمرين من رجال الأعمال في الأشهر الأولى من افتتاح هذه الفنادق، ألا أنهم لم يقوموا بإغلاقها خوفا من الخسارة. فقد كانت الفنادق جزءاً مهماً من مشاريع المستقبل. ولذا كان على هؤلاء المستثمرين أن ينتظروا عقداً من الزمان قبل جني أرباح مشاريعهم تلك.
تعتبر السياحة اليوم أحد أهم القطاعات الاقتصادية في دبي وأحد أهم القطاعات الاقتصادية نموا. وتعتبر قصة السياحة من أبرز قصص النجاح الذي حققته دبي في النصف الثاني من القرن العشرين، ذلك النجاح الذي قاد دبي لتصبح واحدة من أفضل وجهات السفر العالمية.
حتى عقد الثمانينات كانت فكرة السياحة في دبي فكرة تثير الاستغراب والدهشة والكثير من عدم التصديق. فلم تكن دبي تملك آنذاك ما يؤهلها ولو بالقليل بالمنافسة مع وجهات السفر العالمية الأخرى. فلم تكن دبي تملك ما يسمى بالصناعة الترفيهية كما لم يكن الطقس عاملاً محفزاً للتفكير في خوض هذا المجال. ولكن دبي، التي عرفت دوماً قهر المستحيل لم تدع تلك الظروف الطبيعية والاقتصادية تقف حجرة عثرة في طريقها.
فتنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على مصدر واحد للدخل كان هدفا من أهدافها وسبيلا لحماية منجزاتها الاقتصادية. كما أن قصة نجاح هونغ كونغ وسنغافورة كوجهات اقتصادية ومالية وسياحية معا، كان أنموذجاً يمكن الاحتذاء به وتطبيقه في دبي. وسرعان ما تلاقت وجهات النظر الحكومية مع الأهلية وبدأ الاستعداد لبدء مرحلة اقتصادية قائمة على الابتعاد عن اقتصاد النفط والاستثمار في الصناعة الترفيهية والتي سرعان ما بدأت تدر ذهبا.
كانت الصناعة الفندقية من أوائل الصناعات التي بدأت تحفز على السياحة. فظهور عدد هائل من الفنادق المتنوعة والتي تناسب كل الميزانيات سرعان ما فتح المجال أمام استثمارات أخرى في مجال الصناعة الترفيهية. وسرعان ما شدت هذه الصناعة انتباه رجال الأعمال المواطنين لاستثمار أموالهم في الداخل عوضا عن الاستثمار غير المضمون في الخارج.
ومع زيادة عوائد النفط ومع ظهور بنية تحتية متطورة بدأ قطاع السياحة يشهد توسعا كبيرا إلى أن أصبح في نهاية القرن العشرين واحداً من أكثر القطاعات الاقتصادية النامية في أمارة دبي. والغريب أن العوامل نفسها التي اعتبرت غير محفزة للسياحة باتت هي نفسها المحفز الأول للصناعة السياحية.
فقد وجدت دبي من الدراسات التي قامت بها أن أكثر ما يجذب السائح الأجنبي هي الشمس المشرقة والجو المعتدل والسواحل المفتوحة. وسرعان ما عملت دبي على توظيف هذه العوامل لإقامة صناعة سياحية هائلة معتمدة على جذب السائح الغربي بشكل عام. فكانت أفواج السياح في فترة الثمانينات هم من السياح الألمان ودول أوروبا الغربية. وسرعان ما تنوعت الصناعة الترفيهية وعملت على تطوير نفسها لتكون عنصر جذب للسائح الآسيوي وخاصة من شبه القارة الهندية.
وتفتخر دبي اليوم بأنها قد أصبحت واحدة من أهم الوجهات السياحية في القرن العشرين. وعلى الرغم من الأحداث العالمية التي واجهت السياحة العالمية بشكل كبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خاصة في الأشهر الأربعة الأولى التي تلت أحداث سبتمبر، والتي أثرت على السياحة العالمية بشكل عام والسياحة في الشرق الأوسط بشكل خاص، إلا أن دبي نجحت في تفادي الكثير من الآثار السلبية. فعلى الرغم من انخفاض العائد السياحي في الشرق الأوسط بنسبة 9% إلا أن نسبة هذا الانخفاض كانت أقل بكثير في دبي.
واليوم تضم دبي حوالي 75% من الفنادق الموجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما أن نسبة إشغال الفنادق طوال العام تتراوح ما بين 70% إلى 95%. وفي الأعوام ما بين 1996-2001 شهدت أرباح الغرف في فنادق دبي طفرة كبيرة وصلت إلى حوالي 8,11% سنوياً.
وعلى الرغم من أن هذه الأرباح قد جاءت من الخدمات الفندقية التي تقدمها الفنادق إلا أن هذه النسبة تدل أيضا على تطور الصناعة الفندقية والخدمية المرتبطة بها. وفيما يخص أعداد نزلاء الفنادق فقد أصبح يتضاعف في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين بحوالي 13% سنوياً خاصة مع تزايد أعداد كبيرة من القادمين من دول الخليج العربي وخاصة صيفا.
في عام 2001 جاء إلى دبي حوالي 626625,3 زائراً استوعبهم حوالي 403 فناق وشقق فندقية. وجاءت نسبة السياح الأوروبيين على رأس القائمة برقم بلغ حوالي 064,953 زائراً. وجاء السياح من دول الخليج ليمثلوا النسبة الثانية الكبرى بينما حل السياح الآسيويون في المرتبة الثالثة.
وقد حققت فنادق دبي ما قيمته 2,3 مليارات درهم في العام 2001 بنسبة ارتفاع 5,7% عن السنة السابقة. و على الرغم من عدم دقة الإحصائيات الموجودة لدينا لكن يقدر عدد السياح الذين توفدوا إلى دبي في عام 2002 بحوالي 4 ملايين سائح كما تقدر التقديرات المحلية بارتفاع نسبة السياح إلى حوالي 15 مليون سائح في العام 2010.
ويرجع هذا الجهد الكبير للارتقاء بالقطاع السياحي في دبي دائرة السياحة والترويج التجاري والتي قامت على مر السنين الماضية بجهود جبارة للترويج لدبي كوجهة سياحية. وكنتيجة لاستقرار دبي والسمعة الطيبة التي حظت بها، استطاعت دبي في سبتمبر 2003 أن تنجح في استضافة اجتماع البنك الدولي ومؤسسة النقد الدولية IMF. وقد استطاعت دبي وبنجاح جذب حوالي 000,16 زائر لحضور تلك الاجتماعات.
أن قطاع السياحة في دبي لم يكن لينجح لولا جهود الرواد من رجال المال والأعمال الذين آمنوا بأن بقدرة دبي امتطاء المستحيل والسير عكس التيار. ولولا جهود هذه الفئة لما أصبحت السياحة في دبي اليوم معلما بارزا من معالم اقتصاد الإمارات.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ
