فن الضبط هو علم يعرف به ما يدل على عوارض الحرف التي هي الفتح والكسر والضم والسكون والشد والمد ونحو ذلك . وعندما يقال النقط فإنه يراد به الشكل والضبط بالإشتراك وقد يقال النقط ويراد به الإعجام كأن يقال: دال معجمة (ذ) وجاء معجمة (ج) وسين معجمة (ش) وهكذا.
وكان العرب أصحاب حروف في الحركات ولم يعرفوا الشكل والنقط فكانوا يصورون الحركات حروفاً فيصورون الفتحة ألفاً ويضعونها بعد الحرف ويصورون الضمة واواً ويضعونها بعد الحرف المضموم ويصورون الكسرة ياء ويضعونها بعد الحرف المكسور فتدل هذه الأحرف الثلاثة على ما تدل عليه الحركات الثلاث من الفتح والضم والكسر.
ولما كتب الصحابة رضي الله عنهم المصحف لم يكتبوا هذه الحروف ذات الدلالة على الحركات مخافة الالتباس بينها وأصول الرسم فهذه الحركات من فتح وضم وكسر ونحوها لم تكن معروفة لديهم.
وذكر أن زياد بن أبي سفيان أمير البصرة في أيام معاوية كان له ابن اسمه عبيد الله وكان يلحن في قراءته فقال زياد لأبي الأسود: «إن لسان العرب دخله الفساد فلو وضعت شيئاً يصلح الناس به كلامهم ويعرفون به القرآن فامتنع أبو الأسود فأمر زياد رجلاً يجلس في طريق أبي الأسود فإذا مر به قرأ شيئاً من القرآن وتعمد اللحن فقرأ الرجل عند مرور أبي الأسود به (أن الله بريء من المشركين ورسوله) بخفض اللام من رسوله فاستعظم ذلك أبو الأسود.
وقال: معاذ الله أن يتبرأ من رسوله فرجع من فوره إلى زياد وقال له قد أجبتك إلى ما سألت فاختار رجلاً عاقلاً فطناً وقال له: خذ المصحف وصباغاً يخالف لون المداد فإذا فتحت شفتي فانقط فوق الحرف نقطة وإذا ضممتها فانقط أمامه وإذا كسرتهما فانقط تحته فإذا أتبعه بغنة يعني تنويناً فانقط نقطتين فبدأ بأول المصحف حتى أتى على آخره».
وليس من اتفاق بين الأئمة على أول من وضع هذا العلم فلقد روي أن أول من وضعه هو أبو الأسود الدؤلي. وقيل: بل هو الحسن البصري وقيل يحيي بن يعمر وقيل نصر بن عاصم الليثي.
وأكثر العلماء على الصحيح أن أول من فعل ذلك هو أبو الأسود الدؤلي هذا الإمام من ضبط الحروف قد بني على النقط كما ذكر سابقاً ومن ثم فإن الأشكال الضبطية التي تعرف بالفتح والضم والكسر بالشكل المستطيل لكل من الفتح والكسر والواو الصغرى للضم فوق الحرف فالذي وضعها هو الخليل بن أحمد وهذا الوضع قد فاق وضع الدؤلي شهرة وأخذا بالعمل لما فيه من وضوح الشكل وبيان الضبط.
ذكر السيوطي: كان الشكل في الصدر الأول نقطاً فالفتحة نقطة على أول الحرف والضمة على آخره والكسرة تحت أوله وعليه مشي الداني والذي اشتهر الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف وهو الذي أخرجه الخليل وهو أكثر وأوضح وعليه العمل.
فممن أخذ عن أبي الأسود الدؤلي الخليل بن أحمد سار على هذا النمط إلى أن اخترع نقطاً آخر سميت الحطول وهي الأشكال الثلاثة المأخوذة من صور حروف المد وجعل مع ذلك علامة الشد شيئاً أخذها من أول شديد وعلامة الخفة «خاء» أخذها من أول خفيف ووضع الهمز والإشمام والروم فاتبعه الناس على ذلك.
ومن قواعد الوضع عند الدؤلي أنه فرق بين وضع التنوين مع أحد حروف الحلق ووضع التنوين مع غيرها. فعندما يأتي عقب التنوين أحد حروف الحلق ا،ه،ع،ح،غ،خ، تركب النقطتان فوق بعضهما البعض كما في (سميع عليم) وإن أتى عقب التنوين أحد الأحرف ـ ر،ل،م،ن ـ تتابعت النقطتان كما في غفور رحيم).
أما في عهد عبد الملك بن مروان فقد أخذ الرسم طوراً في التحسين ما تحتاج إليه الضرورة الملحة التي استوجبت هذا التحسين . فإن فساد النطق واللحن والتحريف قد دخل ألسنة الناس وكانت هذه ضرورة تقتضي عدم التهاون بعواقبها مما دفع عبد الملك إلى الأمر بتعجيم الحروف.