أوحى الله تعالى إلى سيدنا داود ـ عليه السلام ـ «يا داود: مثل الدنيا كمثل جيفةٍ اجتمعت عليها الكلاب يجرونها، أفَتُحِبُّ أن تكون كلباً فتجرَّ معهم؟ يا داود: طيِّب الكلام، وليِّن اللِّباس، والصِّيتُ في الناس وفي الآخرة لا يجتمع أبداً» رواه المدني.
سيدنا داود ـ عليه السلام ـ هو داود ابن إيشا ابن عويد، وينتهي نسبه إلى سيدنا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكان سيدنا داود من أكثر الناس عبادة لله عز وجل، وروي أن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» كان إذا ذكر سيدنا داود قال: كان أعبد البشر وكان كثير الصَّوم والصلاة» وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
فيما رواه الشيخان: «أحَبُّ الصيام إلى الله صيام داود، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ولا يفِرُّ إذا لاقى (أي أنه كان شجاعاً لا يفرُّ من الميدان إذا لاقى العدوَّ).
وعن الفضيل بن عياص أنه قال: قال سيدنا داود عليه السلام: إلهي، كن لابني سُليمان كما كُنت لي، فأوحى الله إليه. يا داود: «قل لابنك سُليمان يكون لي كما كنت لي حتَّى أكون له كما كنتُ لك». ولقد مجَّدَ القرآن ذكر سيدنا داود عليه السلام في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: «ولقد آتينا داودَ مِنْا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وأَلَّنا لهُ الحديد» ومعنى أوّبي أي رددي معه لتسبيح، ومعنى وألَنَّا له الحديد ـ جعلناه لَيِّناً في يديه وتلكُم معجزة لَهُ عليه السلام.
وعاش سيدنا داود مئة سنة قوياً في بدنه. ولم يأكل إلاّ مِن عمل يده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» فيا لها من عصامية تفضل الله بها على نبيه داود عليه السلام.
ولنعد بعد هذا الإطناب الذي كان ضرورياً للتعرف على شيء من أخبار أنبياء الله ورسله الذين فضلهم على العالمين، نعود الآن الى خطاب الله تعالى لنبيه داود عليه السلام وتوجيهاته سبحانه وتعالى الى هذا النبي الكريم، حيث بدأ الحديث بالنداء يا داود، وهذا النداء يفيد التنبيه الشديد والاستعداد التام لما يتبع هذا النداء فنرى الحق سبحانه وتعالى يقرر حقيقة تحتوي في ثناياها على تحذير شديد وتنفير واضح، وتحقير لشأن الدنيا الفانية «مثل الدنيا كمثل جيفة» ووجه الشبه بينهما في هذه التشبيه هو نتن الرائحة وشدة عزوف ذوي الطبع السليم عنها.
أما الشواذ الذين زكمت أنوفهم وعميت أبصارهم فهم لا يشمون ولا يرون فإنهم يقبلون على هذه الجيفة المنتنة ويتمسكون بأهدابها وينقادون وراء شهواتها ولذاتها، ويا له من تصوير منفر هذا الذي شبهت فيه الدنيا بالجيفة المنتنة التي تجتمع عليها الكلاب ليأخذ كل منهم نصيبه منها، ولقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تحذرنا من الوقوع في براثن هذا العدو الشرس قال تعالى «واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا».
وقال تعالى: «اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور».
وبعد ان قبح الله سبحانه شأن الدنيا وشبهها بالجيفة المنتنة التي تتسابق الكلاب على النهش منها حذر الله نبيه داود عليه السلام أن يقبل المشاركة مع الكلاب في النهش والنيل من الدنيا، وجاء التحذير على صورة استفهام إنكاري «أفتحب أن تكون كلباً فتجر معهم»؟ أرأيت أيها القاريء الكريم الى أي مدى ينفر الله أنبياءه من الركون الى الدنيا ويشبه من يتمسكون بها بالكلاب التي تتصارع على الجيفة المنتنة؟
فسبحان من زينها لأعدائه وقبح شأنها عند أوليائه، إنه بهم لرؤوف رحيم، ويأبى الله سبحانه وتعالى ان ينهي هذا الحديث الجليل مع نبيه داود عليه السلام حتى يوجه اليه هذه الإرشادات التي تعتبر دستوراً ومنهجاً دائماً لكل من أراد لنفسه راحة الدنيا وسعادة الآخرة، وكيف لا: وهي توجيهات العليم الخبير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ إنها إرشادات ثلاثة سبقها نداء للتنبيه والتشريف: يا داود «طيب الكلام، ولين اللباس، والصيت في الناس وفي الآخرة لا يجتمع أبداً».
والمقصود بطيب الكلام رقته وحسنه بحيث يكون هادئاً نافعاً للناس مثيراً فيهم كريم العواطف، ونبيل المشاعر ولأنها أوامر إلهية فقد قال تعالى: «وقولوا للناس حسنا»، وأثنى على الكلمة فقال: «ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها..» ويقول صلى الله عليه وسلم «اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
أما المقصود بلين اللباس: فهو ما يكون على قدر الحاجة بلا توسع ولا إسراف ولقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما عما يحسن لبسه من الثياب فقال: ما لايزدريك به السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء، قيل ما هو؟ فقال: ما بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهماً.
عبد العليم أبو ليلة