رغم تشابه الأطباق العربية إلى حد كبير في دول المشرق العربي ، ينفرد المطبخ اللبناني بميزة التنوع والاختلاف من ناحية المكونات والنكهات، المستوحاة في أصلها من طبيعة البلد الخضراء، وأكثر ما يظهر هذا التنوع جلياًّ خلال شهر رمضان المبارك الذي يحرص اللبنانيون فيه على التباري في عرض فنونهم المطبخية.

ولا شك أن لهذا التنوع ايجابيات عديدة تظهر في فوائده الصحية، اذ تعتمد الأطباق اللبنانية بمعظمها على الأعشاب والحبوب الطبيعية، الا أنها في شهر رمضان قد تسبب ضررا للصائم اذا لم يحسن تناولها بالطريقة الصحيحة.

فاللبنانيون يعتمدون في إفطاراتهم الرمضانية، إلى جانب باقي المأكولات، على وجبتين أساسيتين: «الفتوش» وهي من أنواع السلطات اللبنانية ، وشوربة «العدس» وعليه تشير أخصائية التغذية في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت مريم قمر الدين الى أن الوجبتين تحتويان على أكبر نسبة من الفيتامينات والبروتينات نظراً لمكوّناتهما المؤلفة من المعادن والألياف.

وتلفت إلى «أن من أهم ما يميز وجبة الفتوش اللبنانية، احتواؤها على ثلاثة أنواع من الخضار ذات فوائد رئيسية للجسم وهي: البقلة، الزعتر الأخضر والجرجير ، إلى جانب أنواع الخضار الأساسية(البندورة والخيار...). هذه المواد تعطي للجسم بروتينات ما يزيد على 80%، ولا يقع ضررها إلا على الجسم الذي لم يعتد سابقاً على تناولها، لذلك ينصح بتناولها على فترات متقطعة وليس بشكل عشوائي».

وعن شوربة العدس، تقول قمر الدين أنها من الوجبات الشائعة التي يكثر الإقبال عليها في فصل الشتاء لأنها تمد الجسم بالطاقة والدفء بسبب ثراء العدس بمادة الحديد فضلا عن البهارات التي تضاف الى الشوربة ، أما في شهر رمضان فهي الوجبة الأولى التي يتناولها الصائم عند بداية إفطاره، ولذلك فإن فوائدها تكون حتمية لصحة الصائم.

يركّز اللبنانيون في طعامهم خلال شهر رمضان على النشويات والفواكه والخضروات وثمار البحر، فتقول قمر الدين «أنه بينما يتم تفضيل الدجاج، فإن لحم الغنم هو الأكثر تناولا ضمن اللحوم الحمراء لأنه أكثر أماناً وغذاء للصحة من لحم البقر الذي لم يعد مرغوبا لدى اللبنانيين.

ومن ايجابيات الأكل اللبناني أنه غنيّ بالمعادن والفيتامينات والطاقة، ويساعد نوعاً ما على اعتماد الهرم الغذائي الصحيح ، لا سيما أن معظم المأكولات تُطبخ بوساطة زيت الزيتون وليس بالسمنة أو الزبدة، إذ ان زيت الزيتون مفيد جداًّ وغني بالغذاء، وأكثر ما يعتمده اللبنانيون في السلطات(التبولة والفتوش).

أما أسلوب الطهي فغالباً ما يكون شيّاً أو تحميراً في الفرن، وإما يكون سوته في زيت الزيتون ويندر استعمال الزبدة أو السمنة إلا في الحلوى.

ومن ميزة المأكولات اللبنانية، اعتماد المازات كأساس في مائدة الإفطار، وهي عبارة عن موكب حافل من الأطباق الصغيرة التي تشكل مزيجاً فريداً من المكونات والأشكال والألوان والنكهات (الحمص، المتبل، السبانخ، ورق العنب والمخللات..).

أما المأكولات، فغالباً ما يعتمد اللبنانيون في رمضان على الطبخ الدسم (المغربية، المقلوبة بالباذنجان، الفوارغ، المغمور، شيش برك، شيخ المحشي، القباوات، الفتة...)، وهذه الأطباق تحتوي على أكبر نسبة من الفيتامينات الضرورية للصائم إذ انه يحتاج إلى تعويض للنقص الغذائي الذي يعانيه طوال النهار.

وفي مقابل ما تتميز به المأكولات اللبنانية من غذاء صحي وأساسي للجسم، تقول قمر الدين ان من سيئات الطعام اللبناني هو اعتماد المعجنات بكثرة(مناقيش جبنة أو زعتر، فطاير سبانخ أو لحمة، إلى جانب اللحم بعجين) ما يجعل الإنسان أكثر عرضة لأمراض الكولسترول والدهنيات.

كذلك يعتمد اللبنانيون في أوقات السحور على تناول الحبوب(الفول والحمص المسبّح) وهذه الأطعمة مؤذية في فترات المساء المتأخرة، لأنها تصيب الأمعاء بشكل مباشر ما يسبب حالة من الإكتام. وعلى الرغم من فائدة السلطات اللبنانية، الا أنها غالباً ما تتضمن الخبز المقلي بالزيت بدلاً من تحميره بالفرن، وهذا مضرّ أيضاً ويؤدي الى أمراض عديدة على المدى الطويل.

وبناء على ذلك، تضع قمر الدين برنامجاً غذائياًّ يتضمن إرشادات للصائم لتلافي أضرار الطعام «حيث يتعرض لزيادة وزن بالمقارنة مع الأيام العادية، وذلك بسبب تباطؤ عمل الطاقة الموجودة في جسم الإنسان، نظراً لقلّة الحركة الجسدية واعتماد فترات طويلة من الراحة، إلى جانب الإقبال على النوم بعد الإفطار مباشرة ما يساعد حتماً على تعرض الجسم للتّخمة».

من أولى هذه الإرشادات، تنظيم فترات الطعام في رمضان وفقاً للهرم الغذائي وحسب فئات المأكولات، فالجسم يحتاج بالدرجة الأولى إلى فئة النشويات(بنسبة 35%)، على أن يبلغ معدلها في اليوم الواحد بين 6-11 حصة، والحصة عبارة عن نصف كوب من مادة النشويات مطبوخة(مثلاً الأرز، المعكرونة، البرغل، البطاطا...) و30 غراما من الخبز.

ثم تأتي بعدها فئة الفواكه والخضار، ويحتاج الجسم منها معدل 4 حصص في اليوم الواحد، ( كوب العصير يمثل حصتين من الفاكهة، وثلاث حبات تمر تشكل حصة فواكه واحدة)، والى 3 ـ 5 حصص من الخضار(كوب الفتوش يشكل حصة واحدة من الخضار).

أما الفئة الثالثة وهي الحليب ومشتقاته ، فيحتاج الجسم إلى 2-3 حصص منها. كذلك فإن فئة اللحوم تأتي بالكمية نفسها (2-3 حصص) وهي عبارة عن 90 غراما من الدجاج أو اللحمة. وفي آخر الهرم الغذائي تندرج فئة الزيوت والسكريات، والتي يجب أن يتناولها الصائم بتأنٍّ وتنظيم لأنها لا تحتوي على مادة المعادن الغذائية وإنما يقتصر مفعولها على إعطاء الطاقة للجسد.

وتضع قمر الدين تناول الماء في مقدمة الأولويات في شهر رمضان، «شرط أن تكون بالكميات المطلوبة التي يحتاجها الجسم وهي من 6 إلى 8 أكواب في اليوم، وبما أن الصائم لا يتناول هذه الكمية في النهار، لا بد أن يعوّضها في فترة المساء بين الإفطار والسحور.

بيروت ـ ايمان عجينة