كتاب درر النحور في مدائح الملك المنصور، وهي القصائد «الأرتقيات»، مدح بها أحد ملوك الدولة الأرتقية، وهو الملك المنصور تحوي 29 قصيدة مرتبة على حروف المعجم، وأول أبياتها كآخرها من الحروف، وكل قصيدة منها 29 بيتاً، ورتبها بهذه الطريقة لإظهار براعته.

مؤلف الكتاب صفي الدين الحلي (677 ـ 750 هـ ـ 1278 ـ 1349م) عبدالعزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي: شاعر عصره. ولد ونشأ في الحلة (بين الكوفة وبغداد) واشتغل بالتجارة، فكان يرحل إلى الشام ومصر وماردين وغيرها، في تجارته ويعود إلى العراق، وانقطع مدة إلى أصحاب ماردين، فتقرب من ملوك الدولة الأرتقية، ومدحهم وأجزلوا له عطاياهم. ورحل إلى القاهرة سنة 726ه، فمدح السلطان الملك الناصر.

وتوفي ببغداد له «ديوان شعر ـ ط» و«العاطل الحالي ط» رسالة في الزجل والموالي، و«الاغلاطي ـ خ» معجم للاغلاط اللغوية، «ودرر النحور ـ خ» وهي قصائده المعروفة بالارتقيات، و«صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء ـ خ» و«الخدمة الجليلة ـ خ» رسالة في وصف الصيد بالبندق. والشيخ علي الحزين المتوفي سنة 1181 كتاب «أخبار صفي الدين الحلي ونوادر أشعاره».

يقول الحلي: «رأت نواظر خواطرنا، أن أطيب الثناء المذكور، راجع مفروضه إلى الملك المنصور.. طفقت أقدم بين يدي نجواي هدية.. ظللت أردد في أنواع الهدايا ألحاظي، ظهر لي أن أنفسها ما صاغته القريحة من حلي ألفاظي عندما رأيت الناس قد أجمعوا على علاه..

فأحببت أن أنظم كتاباً على جميع الحروف فضلاً عن ترك صعبها ولزوم المألوف قصائد أعدادها متساوية الاتساق قائمة على قدم التناسب والاتفاق، كلفت القريحة طولها مع ضيق المسالك، وكون عدد حروف الهجاء كذلك، لزمت فيها الأواخر والأوائل، ليفصح لسانها عن إبانة فصاحة القائل، مكثت في نظمها تسعين يوماً ممسكاً فنذرت للرحمن صوماً نظمتها عقداً في جيد الزمان، نافثة في عقد سحر البيان، وجعلتها مصدقة لي عند الدعوى وخدمة أقدامها بين يدي نجوى هدية إلى من هدى الأنام بنور وجهه همام الأيام أن تأتي بشبهه».

طبع هذا الكتاب عام 1866م/1283هـ في مطبعة الوهيبة بمصر.

نماذج من القصائد:

إذا بدأنا بحرف الألف فنجد من جميل شعره:

أبت الوصال مخافة الرقباء

وأتتك تحت مدارع الظلماء

أصفتك من بعد الصّدود مودّة

وكذا الدواء يكون بعد الدّاء

أحْيت بزورتها النفوس وطالما

ضنت بها فقضت على الأحياء

أمّت بليل والنجوم كأنها

درر بباطن خيمة زرقاء

وإذا انتهت بحرف الراء كانت أوائل الأبيات تبدأ بحرف الراء كقوله:

رفقت بالناس في كل الأمور فقد

أضحى الزمان إليهم شاخص النظر

ربوا لديك فلولا أن بعضهم

تجل عنه لقلنا يا أبا البشر

رعت العدا بحسام لو عدلت به

عنهم لغناك عنه صارم القدر

رفعت ذكرك في يوم الهياج به

والذكر يبني بحد الصارم الذكر

وكذا إذا كانت القافية تنتهي بحرف القاف، كانت أوائل الأبيات تبدأ بحرف القاف أيضاً كقوله:

قفي ودعينا قبلَ وشكِ التفرقِ

فما أنا من يحيا إلى حينَ نلتقي

قضيتُ وما أودى الحمامُ بمهجتي

وشِبتُ وما حَلّ البَياضُ بمَفرِقي

قرنتِ الرضا بالسخطِ والقربَ بالنوى

ومَزّقتِ شَملَ الوَصلِ كلَّ مُمَزَّقِ

قبلت كفي القتال وفكي قيد أسراك

يكفيك ما فعلت بالناس عيناك

ونلاحظ في كافيته الثانية التي تمتاز برقة غزله وعذوبة الأسلوب، وهي في جملتها نموذج لغيرها من الأرتقيات في غرضها الرئيسي وأغراضها العارضة في التزام اتفاق حروف أبياتها الأولى وتوافقها مع حرف الروي:

كلت لحاظك مما قد فتك بنا

فمن ترى في دم العشاق افتاك

كفاك ما انت بالعشاق فاعلة

لو انصف الدهر في العشاق عزاك

كملت اوصاف حسن غير ناقصة

لو ان حسنك مقرون بحسناك

كيف انثنيت الى الاعداء كاشفة

غوامض السر لما استنطقوا فاك

كتمت سرك حتى قال فيك فمي

شعرا ولم يدر ان القلب يهواك

كدت المحب فماذا انت طالبة

فنا محبك مع اشمات اعداك

كافيتني بذنوب لست اعرفها

فسامحي واذكري من ليس يسلاك

كلفتني حمل اثقال عجزت بها

وحبذا ثقلها ان كان ارضاك

كابدت هول السرى في البيد مكتسبا

مالا وما كنت ابغي المال لولاك

كلا ولا بت اطوي كل مقفرة

ومهمة لم تسر فيها مطاياك

كان فيه السما والأرض واحدة

ونوقنا نجب نور تحت املاك

فإذا كانت القافية ميمية كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:

مغانم صفو العيش اسمى المغانم

هي الظل الا انه غير دائم

ملكت زمام العيش فيها وطالما

رفعت بها لولا وقوع الجوازم

مغاني الحمى جادت سحائب أدمعي

عليك إذا جفت جفون الغمائم

ملاعب لهوكم قضيت بربعها

لبنات أيام الصبا المتقادم

أنس صلاح الدين حسن

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث