منذ القدم تحتل هواية الصيد مكانة في نفوس العرب والمسلمين، فرضتها الحاجة إلى الطعام في اطراف الصحراء الممتدة امتداد الزمن، فأثمرت هذه الرياضة تربية الجوارح التي تساند الإنسان وتساعده في الصيد.

ولما كانت تربية مثل هذه الجوارح واستئناسها تحتاج إلى عناية تامة، وطرق وقوانين للاهتمام بها والحفاظ على صحتها، لتستطيع القيام بالمهمة التي أوكلت إليها بكل يسر، اعتنى المصنفون من العلماء بتأليف كتب لصيانة الجوارح ومداواة عللها، والحفاظ على حقوقها بصفتها أشرف الطيور صنفا وأشدها ذكاء وحذقا، وأكثرها مكراً وكيداً.

ولعل كتاب القانون الواضح في معالجات الجوارح من أهمها، كونه صادراً من مؤلف وضع فيه خلاصة معرفته وتجربته، مضافة الى معارف وتجارب من سبقوه.

لم نتمكن من العثور على ترجمة لهذا المؤلف فيما توافر لدينا من مصادر، وكل ما عرفناه عنه ما ذكره هو نفسه في ديباجة المخطوط، حيث ورد فيها قوله: «يقول العبد الراجي رحمة ربه بغدي بن علي بن قشتم التركي الأصل، البغدادي» فمن قوله أدركنا انه من أصل تركي، وانه جاء إلى بغداد، أو جاء والده إليها، وان يكون ولد فيها ونشأ.

كما لم نتمكن من معرفة اهتماماته العلمية، أو مصنفاته غير هذا الكتاب، غير أننا وجدنا الناسخ يذكر في نهاية الكتاب: تم كتاب القانون الواضح في معالجات الجوارح، وكان ابتداء الأمير الكبير قدوة العلماء أكمل الفضلاء، فخر الدولة والدين بغدي بن علي بن قشتم أدام الله بمكمنه في إملاء هذا الكتاب مدة شهر واحد وهو شوال من سنة 666 من مهله إلى سلخه».

ومنه أخذنا انه كان حيا سنة 666 ه، فهل هذه النهاية مدحا للمؤلف على عادة النساخ أم أنه كان فعلا أميرا، الله أعلم بذلك.

وضع المؤلف كتابه هذا حانيا به على الجوارح، محافظاً فيه على حقوقها، لأنها اشرف الطيور صنفا ولشدة ذكائها وحذقها، ولأنها لا تستطيع النطق وشكوى ما تجده من الألم، دعاه ذلك إلى الاهتمام بها في حفظ صحتها، والصيد بها واطعامها وقرنصتها والتدبير لها في كل أوان وفصل من السنة بما يصلحها، وعلاج كل مرض يعرض لها من رؤوسها إلى مخالبها.

وقد دفعه إلى تأليف هذا الكتاب انه وجد ارباب الجد واللعب بالجوارح خاصهم وعامهم يقصدون النفع بتصيدها والاعتبار في كيدها، ويعتري كثيرا منها عندهم الأدواء والاغراض ويطرأ عليها العلل والأمراض. اضافة إلى انه لم يجد احدا قبله لهج بحبها، وتتبع مناقبها وعيوبها وعرف اصنافها وألوانها وجيدها ورديها مثله. كما رأى كتب من سبقوه تختلف فيها المذاهب في أمر سياستها وعلاجها مما يزيد الكلام فيه وينقص، ويتقدم القول فيه ويتأخر، وكذلك في ترتيب الأبواب.

لذلك قام باصلاح كل خلل وغلط وسهو كان فيه من اختلاف النساخ، مثل تغيير لفظ واسم دواء. اما مصادر التي اعتمد عليها في كتابه هذا ما عرفه من النقل والتجربة من أهل الصناعة وخلاصة أولى العلم والبراعة. ذاكراً أسماء المصنفين قبله دون ان يذكر عنوان الكتاب، فذكر منهم الأمير خمارويه بن أحمد التركي، وعبداللطيف الغرنوي، وأبا القاسم بن محمد بن طفح، الاخشيد التركي، وأبا القاسم بن علي بن الحسين، المعروف بنظام الحضرتين.

وقد رتب كتابه هذا على مقالتين، الأولى علمية، والثانية عملية، وتحتوي كل مقالة منهما على ابواب، وبعض الأبواب مقسم إلى فصول، وبعض الفصول مقسم إلى أقسام. ونذكر فيما يأتي تقسيمه للمقالة الأولى، العلمية، التي جاءت في أربعة عشر بابا، واثنين وستين فصلا واثنين وخمسين قسما.

المقالة الأولى الجزء العلمي، في معاناة امورات أسباب الجوارح، وحفظ قوانينها وهي تحتوي على أربعة عشر بابا واثنين وستين فصلاً، واثنين وخمسين قسماً.

الباب الأول: ذكر فيه فصولا بين فيها: فضائل الصيد، وحكايات منقولة عن حكماء السلف، وأمثال سائرة، وأخبار نجومية مما يتعلق بأمور الملك، ووجوب محبته لها، وما ينبغي استعماله.

الباب الثاني: في ذكر أسماء أول من لعب بالجوارح من الملوك السالفة، وتفرد كل واحد منهم بصنف منها، وفيه أربعة فصول.

الباب الثالث: في ذكر خلق أصناف الجوارح على منازلها و درجاتها التي خلقها الله تعالى، مجتمعة ومتفرقة، القابلة للتعليم، وعدة أصنافها، ومعرفة ذكورها من اناثها، وفيه ثلاثة فصول، الفصل الأول منها مقسم إلى خمسة أقسام.

الباب الرابع: في ذكر معرفة البزاة بمعادنها وبلدها، ومعرفة مفازها وأوطانها، ومعرفة ألوانها، والمختار من أعضائها، ومعرفة ما يستحب من خلقها وخلقها، وتفصيل خيارها، ومعرفة ما يصيد منها عظام الطير، ومعرفة ما يحمد من ذكورها واناثها، ومعرفة شرارها وزعارة أخلاقها، وعسر رياضتها، وذكر تفضيل البزاة على سائر الجوارح، وفيه سبعة فصول، الفصل الرابع والسادس والسابع قسم كل منها إلى قسمين.

الباب الخامس: في معرفة معادن الشواهد وأجناسها، ومعرفة ألوانها، وجيدها ورديها، وما يصيد منها عظام الطير، وما مدح به من فضائلها، وفيه خمسة فصول.

الباب السادس: في معرفة معادن الصقور وأجناسها، ومعرفة ألوانها، وجيدها من رديها، وذكر طباعها وما مدحت به من فضائلها، ومعرفة أحوال اليويو وطبعه وفضائله، وفيه خمسة فصول، قسم الخامس منها إلى قسمين.

الباب السابع: في معرفة معادن العقبان وأجناسها، وألوانها، وجيدها من رديها، وما مدحت به من فضائلها وما ذمت به، وذكر الزمج وأحوالها، وفيه أربعة فصول، الفصل الرابع منها قسم إلى قسمين.

الباب الثامن: في معرفة أوقات تناسل الجوارح في فصول السنة ومواطنها التي تتناسل فيها، ومعرفة كيفية أخذها من الأعشاش وتربيتها، وفيه ثلاثة فصول.

الباب التاسع: في معرفة أوقات تنقل الجوارح من البلاد في فصول السنة، ومعرفة كيفية اصطيادها من الصحارى عند وحشيتها بوجوه الحيلة، وفيه فصلان، الفصل الأول منها قسمة إلى ثلاثة أقسام.

الباب العاشر: في ذكر قوانين تعليم البازي والباشق والشاهين والصقر واليويو والعقاب والزمج، وذكر أحوال حركاتها أيام الارسال واستدعائها. وفيه ستة فصول، الفصل الثاني قسمه إلى ثلاثة أقسام، والرابع إلى قسمين.

عبدالقادر أحمد عبدالقادر

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث