في زماننا هذا تبدو الفنون ولا سيما الموسيقى منها، منفصلة تماما عن قضايا الفكر والتأمل الفلسفي الخالص. ولكن في الأزمان الغابرة، ولا سيما أيام ازدهار الفكر الفلسفي الإسلامي والحضارة العربية، كانت الموسيقى مرتبطة بالفلسفة.
وما مؤلفات فيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب الكندي (795870) سوى خير دليل على هذا القول مشهورة في التراث العربي تلك الحكاية التي تروى عن عزف الفارابي الموسيقى في حضرة الخليفة وضيوفه، فإذا بالعزف الأول يضحك الحاضرين. وإذا بالثاني يبكيهم دموعا غزيرة... ثم حين عزف الرجل مرة ثالثة أدى النغم الى نيامهم، فقام هوو تسلل مبارحا المكان. هذه الحكاية قد تكون صحيحة وقد لا تكون، لكنها في مكان أولي تفيدنا كيف ان كبار الفلاسفة المسلمين اهتموا بالموسيقى اهتماما جديا...
ولقد عرف عن الفارابي نفسه وضعه كتبا موسيقية عديدة. غير انه لم يكن الأول في ذلك في التراث العربي، إذ سبقه الكندي الذي يعرف عادة بـ «فيلسوف العرب»، هو الذي كان واحدا من قلة من فلاسفة الإسلام كانت أصولهم عربية. المهم ان الكندي اهتم كثيرا بالموسيقى وألف لها الكتب العديدة من عامة وتقنية.
وكان شعاره في ذلك ان «الموسيقار الباهر الفيلسوف، يعرف ما يشاكل كل من يلتمس إطرابه من صنوف الإيقاع والنغم والشعر، مثل حاجة الفيلسوف الطبيب الى ان يعرف أحوال من يلتمس علاجه أو حفظ صحته». ويرى الباحث في الفكر الإسلامي، الأب يوحنا قمير ان «لآثار الكندي في الموسيقى شأن مهم، لما للموسيقى من شأن فني، ولان تآليف الكندي هي أقدم ما انتهى إلينا في الموسيقى العربية» مع انه ينسب الى إسحاق الموصللي كتاب باسم «كتب النغم والإيقاع»... ولكنه مفقود.
مهما يكن فان الباحثين في التراث العربي ـ الإسلامي يقولون ان الكندي كان صاحب أول مدرسة للموسيقى في الإسلام، كما كان إسحاق الموصللي صاحب أول مدرسة للغناء. والكندي وضع في الموسيقى كتبا عديدة منها «في خبر صناعة التأليف»، «كتاب المصونات الوترية»، «في أجزاء خبرية في الموسيقى»، «في تأليف النغم وصنعة العود» و«الرسالة الكبرى في التأليف».
ولعل من أطرف تأكيدات الكندي في مجال الحديث عن الآلات الموسيقية ان كل واحدة منها تنفرد بخاصية في الطرب عند سماعها في امة، وتختلف عما تستعمله امة أخرى «فان الفارسي لا يطرب بالارغن والناقوس، والهندي والرومي لا يطرب بالطنبور الخراساني».
ويفسر لنا الدكتور سعيد زايد، وهو واضع كتاب مهم عن سيرة الكندي وفكره بأن هذا الأخير يرد الخلاف في استعمال الآلات المصوتة ـ أي التي تخرج الأصوات سواء بالنقر أم النفخ أم العزف على الأوتار ـ الى طبقة البيئة التي تؤثر في صور الآلات، كما تغير صور أهل تلك البلاد وأخلاقهم وعاداتهم ولغاتهم» ويفصل الكندي الأمر على النحو التالي:
في الهند يستعملون آلة ذات وتر واحد تسمى «كنكة» وأهل خراسان ونواحيها، لما كانوا من الاثنينية ويعتقدون ان العالم وما فيه لا ينفك عن اثنين: ليل ونهار، حركة وسكون، فرح وحزن وغير ذلك، فقد صنعوا آلة علقوا عليها وترين وشدوا سبعة دساتين وأكثر لتنتقل عليه أصابع اليد.
والروم الذين يعتقدون بثلاثة مبادئ فقد صنعوا آلة وشدوا عليها ثلاثة أوتار وثلاثة دساتين. أما الروم الذين اعتقدوا في العناصر الأربعة، فقد شدوا على العود أربعة أوتار، وهي الآلة الأكثر استعمالا عند الخاصة والعامة، وقيل انها من صنعة اليونانيين، بل قيل ويدعيها البابليون».
ويستنتج الباحثون ومنهم الدكتور زايد ان هذه الجولة «الموسيقية» في أنحاء العالم المعروف في ذلك والتي يصف فيها الكندي أنواع الآلات المستعملة والصلة في كونها على تلك الهيئة لأنها تصور طبائع البلاد وفلسفتها وثقافتها الدينية ومعتقداتها ثم العودة بعد ذلك الى الآلة التي أثرها الشعب وهي العدد إنما يدل على ان الكندي على الرغم من معرفته بالموسيقى اليونانية كما ترجمت عن كتبهم لم يكن مجرد ناقل بل «كان مفكرا أصيلا وضع أصول الموسيقى العربية بما يتفق مع ما هو جار عليه العمل بالعقل».
ومن المؤكد ان الكندي كان اسبق من الفارابي في وصف آلة العود التي اشتغل على دراستها، كما يبدو أكثر مما اشتغل على دراسة أية آلة أخرى. ومن اللافت ما يذكره الكندي في هذا السياق. من ان العود كان في الأصل «جسما مستديرا مخروطا شق بنصفين فخرج منه عودان، حتى يكون مشاكلا للنصف المرئي من الفلك». إما من جهة صنعته، فيجب، بحسب فيلسوفنا إن يكون «غاية في الرقة ولا يكون فيه سواء من ظهره أو بطنه موضع ارق أو أثخن من موضع، فان اختلاف أجزائه في الرقة والثخن مما يختله عند استواء الأوتار والنغم».
وأوتار العود، لدى الكندي أربعة، وتتحدر من الغليظ الى الحاد: البم، المثلث والمثنى والزير (وتسمى اليوم: عشيران، دوكاه، نوى، كردان). والبم كما يقول لنا الكندي «وتر يصنع من أمعاء رقيق متساوي الأجزاء ليس فيه موضع أغلظ ولا ارق من موضع، ثم يطوى حتى يصير اربع طبقات، ويفتل فتلا جيدا والمثلث يصنع من أمعاء كذلك مثل البم ولكنه يتألف من ثلاث طبقات، أما المثنى فيصنع من الابريسم أي الحرير وهو من طبقتين تفلان جيدا وقياسه قياس المعي في الغلظ والرقة. ويبقى أخيرا الزير وهو يصنع من طبقة واحدة من الحرير.
لقد كان العود في ذلك العهد، اذا، يصنع من أربعة أوتار، حسب النظرية اللافتة التي يحدثنا الكندي عنها، لكن فيلسوف العرب سرعان ما أضاف نظريا وترا خامسا، هو الزير الثاني.. والكندي بعد ان يدرس الأوتار على هذا النحو الدقيق محددا لكل وتر وظيفته، ينتقل الى دراسة النغم، في علاقته بالوتر ليفيدنا انه «سبع لا زيادة ولا نقصان» وهي الاطول التي تتفرع منها البقية»:
مطلق البم ـ سبابة البم ـ وسط البم او بنصره ـ خنصر البم وهي مثل مطلق المثلث ـ سبابة المثلث ـ وسطى المثلث أو بنصره ـ واخيرا خنصر المثلث وهي مثل مطلق المثنى. وهذه النغم السبع التي ذكرنا هي الاصول الكبار الثامنة. أما نغم المثنى والزير، فانها أيضا سبع، مكانته للسبع التي ذكرناها، تقوم مقامها وتجري مجراها، وانما الفرق بينها في الرقة والغلظ والخفة والثقل». اما السلم الموسيقي عند الكندي فهو سلم الموسيقى العربية الذي لا يزال يستعمل حتى اليوم ويشتمل على 12 نغمة. وهو سلم ملون يوجد فيه بين كل نغمة وأخرى بعد معين.
وانطلاقا من هنا يشرح الكندي «العلة في عمل الاوتار، وأصناف المذاهب فيها» قائلا انه «ينبغي على الموسيقار ان يأخذ نفسه بلزوم الأمر الطبيعي في كل ما يحاوله من الأمور العودية وهي أربعة أشياء: حسن النغمة، خفة الأصابع، ترتيب الأوتار ووزن أبيات الشعر..
أما نغمة الموسيقار فانها ان كانت حادة دقيقة استدللنا على ان الغالب على طباعه الحرارة فينبغي ان يكون غناؤه في الزمن البارد لان الحرارة لطيفة وان كان جهيرا باعتدال كان الغالب عليه البرودة والرطوبة، وصوته غليظا مضطربا. ومن كان تركيبه الحرارة والرطوبة فصوته معتدل جهير(...) ومن كان تركيبه البرودة كان صوته ابح، خشنا... فينبغي له ان يتغنى في الزمان الحار الرطب».