نادرة هي تلك الدراسات التي تتجاوز ذلِكَ النقاش المتشنج الذي تعّودناه تجاه المستشرقين، واعتبار أن الاستشراق (هو شر كله)، فالاستشراق يبقى ـ شئنا الإنصاف أم كابرنا ـ علِماً خالصاً لدراسة الشرق وحضارته وثقافته ولغاته وفنونه وعلومه وعقائده ومذاهبه، دون النظر إلى الأُطر والغايات والمآرب التي استُغل بها هذا العِلْم، سواء بانجراف بعض من حُسِبوا في قائمة المستشرقين إن كان بتعصبهم الأعمى.
أو باستغلال المستعمر لجهودهم، وإرسالهم كطلائع له إلى البلدان التي كان ينوي استعمارها واستعمرها بالفعل لفترة طويلة من الزمن. لذلك لابد من التفاته منا إلى إنجاز الكثير من هؤلاء المستشرقين وقيمته وأثره، فالكثير منهم أفنى عمره في جمع وتحقيق المخطوطات، والمصنفات، ووضع الموسوعات والمعاجم والقواميس، وترجمة التراث العربي.
والاجتهاد في دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية، رَغم تباين دوافعهم التي حددها دكتور ميشال جحا في كتابه «الدراسات الإسلامية في أوروبا» بدافع عشرة لابد أن نضعها في اعتبارنا حين نَقْرَب موضوعاً مُلَغّماً مثل موضوع الاستشراق، وهذه الدوافع هي:
دافع ديني تبشيري، دافع استعماري، دافع سياسي، دافع علمي، دافع تجاري، دافع النفط العربي، دافع جغرافي واستراتيجي، دافع شخصي، قصص ألف ليلة وليلة، حملة نابليون على مصر(1789 ـ 1801).
في الحقيقة نحن أحوج ما نكون اليوم إلى مراجعة للاستشراق، فقد دخلت في دائرته ومنذ القدم، قضايا نراها راهنة وستظل راهنة، والتي تحمل واقعاً حياً فيما يتعدى النص: كالعلاقات الإسلامية ـ المسيحية، علاقات أوروبا والبلدان العربية، قراءَة أوروبا للإسلام وبالعكس، علاقات المسيحية العربية والمسيحية الأوروبية، تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، العولمة والقرية الكونية، وما تقدمه الشبكة العنكبوتية في فتح مئات ـ إن لم يكن ملايين ـ النوافذ على الآخر ـ غربي ـ شرقي و...الخ من القضايا التي تستجد كل يوم. بدايةً، لابد أن نقدر أن موضوعنا سيتحدد بجانب المخطوطات.
* نتائج مضحكة
إن تعدد مجالات الاهتمام في الاستشراق، بالطبع لا تعطي الحق لمستشرق مطالع اعتبر نفسه، واعتبره مجتمعه إلى حد ما، خبيراً مطلق الصلاحية في شؤون الشرق الإسلامي، لكن مثل هذا الخبير per excellence ـ ولا يزال ـ بمقتضى الإعداد الذي تَزّود به محدود المعرفة، ومحدود القدرة على الفهم. وهذا ليس عيباً في الأساس.
فرجل كبرونيلش مثلاً (كتب رسالة للدكتوارة عن بسطان بن قيس الشيباني ابان الإسلام)، ودارس كمارتن هارتمان (اهتم باليمن قبل الإسلام) ما كان منتظراً منهما أن يستطيعا فهم التركيبة الاجتماعية السياسية في الإسلام الوسيط، فكيف إذا حاولا إرشاد حكومتهما في قضايا مثل التعامل مع القبائل العربية مطالع القرن العشرين، أو صراع المصالح بين ألمانيا وفرنسا في الشرق قبل الحرب العالمية الأولى وفي فترة ما بين الحربين، لكن الرجلين حاولا كما حاوَل غيرهما، وكانت النتائج مضحكة. «رضوان السيد، الفكر العربي، عدد خاص بالاستشراق: التاريخ والمنهج والصورة، ج1، العدد 31 مارس، 1983م، بيروت، ال��نة 5، ص12.
وقد بدا ذلك بوضوح في النقاش الذي دار على صفحات المجلات الاستشراقية كما يشير الدكتور رضوان السيد في تقديمه للعدد الخاص الذي أصدرته مجلة الفكر العربي بعنوان الاستشراق ـ التاريخ والمنهج والصورة في الجزء الأول.
حيث يقول: حدثت بعض من تلك المناقشات بين المستشرقين الألماني هاينرش بيكر، والهولندي سنوك هيرغرونيه، والأول دارس للتركيبة الاجتماعية ـ الاقتصادية في صدر الإسلام، والثاني دارس لتاريخ مكة وناشر لبعض النصوص القديمة المتصلة بذلك التاريخ. وقد حاوَل هيرغرونيه ان يساعد حكومته في السيطرة على الإسلام الإندونيسي، بينما حاول بيكر أن يُفهم الإسلام العثماني لألمانيا القيصرية.
وقد تبادلا اتهامات العداء للإسلام الحديث، واستخدام العلم في السياسة الاستعمارية. بيدَ أن الرجلين فشلا كخبيرين استعماريين، ولم يبق من إسهامات بيكر غير تحليله لنظام الخراج بمصر الإسلامية، وجدليات علاقة الإسلام بالهيللينستية. كما لم يبق من إسهامات هيرغرونيه غير نشراته لبعض النصوص الكلاسيكية.
«الاستشراق: التاريخ والمنهج والصورة، مرجع سابق، ص12 ـ 13»، هذان مثالان نسوقهما للحديث وسيطول بنا هذا الحديث إن لجأنا للتعداد التفصيلي لنقائص هذا المشروع الضخم ذي الطابع الأكاديمي المسمى بـ «الاستشراق».
إننا سنحاول في هذا المبحث تقديم نماذج من الشخصيات التي أُدرجت ضمن صفة «مستشرق» وأسهمت إسهامات «حضارية» وقدمت جهداً علمياً وأعمالاً مازالت تشهد لها بذلك الدأب والكفاءة، رغم أن «البعض» منها قد طالته اتهامات لم تخل من الصحة.
ولكن ذلك الجهد والمنجز العلمي هو ما سيبقى وما يفيد إذا نحينا تلك الشبهات وتجاوزنا تلك الاتهامات دون الدخول في دواماتها التي قد لا تسبب وما غير ضياع الوقت في أمر يمكننا أن نضعه بعين الاعتبار ـ نقصد تلك الاتهامات ـ ونتحفظ ما شئنا على أمر معين أو قضية ما أو فكرة ما تِرد في سياق بحث نستعين به بإنتاج ذلِكَ المستشرق، على الا يمنعنا ذلك التحفظ من إنصاف جهده العلمي، ومنجزه الفكري.
ولعل هيرغرونيه مثال يمكننا تحليله كمستشرق طالته اتهامات ـ لم تخل من الصحة ـ إلاّ أننا لا يمكن أن نبقيه في دائرة تلك الاتهامات إلى أبد الآبدين، والا ننسى أنه كان موظفاً في حكومة بلاده لا نقول «سَخّرت» علمه، بل استفادت من علمه ومن مشورته، وإذا وضعنا في اعتبارنا أن العين الاستشراقية الأوروبية لم تتمكن من الوصول إلى الحقيقة العلمية، أثناء تناولها بالبحث والتحليل تاريخ معظم بلدان الشرق، لامكننا متابعة جهود أولئك المستشرقين المجتهد منهم والخبيث ـ حسب وجهة نظر عَلاةٍ منتقدي الاستشراق ـ بخلفية جلية واضحة، تمكننا من تناول ما أنتجوه على أنه ليس كاملاً تمام الكمال لا يقبل النقد والبحث والمناقشة، وكأنه من المسلمات.
على ألاّ يغيب عن تصورنا مدى معرفة بعض أولئك المستشرقين الواسعة، وعقولهم الثاقبة الدقيقة، وشمولية الموضوعات التي تناولوها وتنوعها، جعلتهم يحتلون مكانةً مرموقة، كما أن نقاوة وعدم تحّيز الكثير منهم، وكانت على مستوى كبير من السمو.
* عدم ارتياح
إذا وضعنا في اعتبارنا أن الكثير من هؤلاء الذين يقرأون الإسلام المعاصر ـ على سبيل المثال أيضاً ـ من خلال بعض الظواهر السوسيولوجية أو الاقتصادية لخدمة إدارات دولهم أو شركاتهم التي (تموّل بحوثهم غالباً) لا يعرفون في أكثر الأحيان لغات الشعوب التي يدرسونها «مجلة الفكر العربي، مرجع سابق، ص13».
وهذه من المآخذ الكثيرة على الاستشراق. نقول رَغم كل هذه الانتقادات والتي قد نراها متشددة أحياناً والتي تعود لعدة أسباب لم تعد فانية، فأي عربي أو مسلم أو أي إنسان مؤمن لا يرتاح إلى من يشكك في إيمانه، أو يتعرض لما يخص عقيدته بشيء من عدم الاحترام ـ الذي يرقى إلى التقديس وهذا أمر طبيعي برأينا ـ لابد أن يتعرض إلى النقد، مما يفرز في أحيان كثيرة حالة من عدم الارتياح لهذا الشخص.
ولا شك أن النقد الإسلامي والعربي للاستشراق قديم أقدم من عمل إدوارد سعيد «الاستشراق»، وهو مُختلف المنطلقات والأهداف. وربما كان جَدَل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مع إرنست رنيانَ وهانوتو أول فصول هذا النوع من النقد. وقد ظلّ منذ ذلك الحين دينياً سياسياً بالغ العنف والتشكك. هذا الموقف القاسي من الاستشراق لا يُعرف منه غير أنه مظهر من مظاهر علاقة الشرق بالغرب، بل هو أكثر من هذه المظاهر تفجّراً وعدائية.
فإذا كان الغرب قد غزا الشرق عسكرياً منذ قرون، فإن الاستشراق ـ في نظر نقاده العرب والمسلمين ـ رافق هذا الغزو بل تقدمه ومهّد له الطريق على الجبهة الثقافية والفكرية كما سنرى مع نماذج مشابهة لسنوك هيرغرونيه. ولكن ونحن بصدد الحديث عن علاقتنا بالاستشراق كوجه من أبرز وجوه الآخر الحضارية، لا ننكر أننا تَسرّعنا أحياناً بكيل الاتهامات، ولطالما تجّنبنا محاورة الآخر.
ونفضنا أيدينا من إمكانية إيجاد نقاط التقاء تجمعنا معه، وهو المطلع والقريب من حضارتنا ومن العارفين بها ـ على الأقل عكف الكثير منهم ولسنوات على دراسة وتحقيق وترجمة الكثير من المخطوطات مثلاً ليكون عارِفاً بها ـ ويحضرني هنا مشهد لا أنساه حدث مع صديق مستشرق كنت جالساً معه في فترة استراحة بين جلسات مؤتمر كنا نحضره، وأثناء حديثنا عن ضرورة الإكثار من فتح قنوات الحوار المتبادل، فإذا بصحافي يقطع علينا حديثنا ومن دون استئذان.
وانطلق يسأل أسئلته للضيف دون لباقةٍ أولاً ومن الظاهر أنها كانت دون تحضير لأن الضيف وهو أحد أشهر الأنثروبولوجيين المستشرقين الذين يجيدون العربية، كانت أسئلة الصحافي تركز منذ البداية على إثارة عداء قديم ـ حسب تصور الصحافي ـ بالطبع كان الأسلوب هجومياً وبنبرة تفتقد الهدوء والروية.
ولكن الأمَرْ والأدهى في الموضوع أن السائل لا يعرف ما هو تخصص الضيف وربما لم يتسن له الاطلاع على شيء من إنتاجه أو على الأقل (عن) إنتاجه الفكري، وهذا ما حدث بالضبط مع ذلك الصحافي الذي كان منظره يوحي بالإشفاق، فهو لم يعرف كيف يبدأ أولا ولا أين سينتهي في حوار يكاد يكون من طرف واحد، جلله التشنج وسذاجة الطرح وضعف الحجة بل ضعف المعلومة.
ولا اعتقد أننا سنقدم شيئاً بمجرد تصيّد أخطاء أولئك المستشرقين ـ وهي كثيرة بلا شك ـ ولكن الأجدر أن نقدم نتاجهم على أنه جهد علمي ينبغي احترامه، واحترام وجهة نظر المستشرق لا يعني بأي حال من الأحوال أننا نسلّم بها ونقره عليها. فعندما يفقد النقاش طابعه الهادئ ليتحوّل إلى اتهام مجرّد للاستشراق الغربي في كل شيء ـ ولا تزال هذه النزعة سائدة حتى اليوم عند العرب والمسلمين وفضائياتنا العربية وما يدور على شاشاتها من حوارات خير شاهد ـ تنتفي الفائدة التي نرجوها، ولنعود إلى تكرار الكلام نفسه ونبقى ندور في تلك الحلقة المفرغة القديمة نفسها.
* تنوع آراء المستشرقين
للدلالة على مدى بانورامية هذا العلم في جزئية محددة نختارها كما أوردها شكيب أرسلان، في كتاب حاضر العالم الإسلامي، لنستطيع أن نتلمس ـ في جزئية واحدة فقط ـ مدى تنوع آراء المستشرقين، متعصبين منهم، ومنصفين ردوا على بني جنسهم اتهاماتهم وفندوها بطريقة علمية.
الجزئية التي ناقشها أولئك المستشرقون هي آراؤهم التي أوردها حول «البعثة المحمدية»، فأورد أقول نخبة منهم في المسألة نفسها، منهم: غروسيه اََُِّّّْمُّ، ومونتي حَُُّمُّ، وايتان دينيه ـ المستشرق الفرنسي المسلم يَمُّ، ودوزي ُ»؟، نولدكه، ودي خويه e Goeje, hT!ىf،ô Sprenger، وسنوك هيرغرونيه Sniuck Hurgronje، وجريم اْيٍٍم، ومارجيليوت Margoliouth, وغولدتسيهر اٌُلziher وغيرهم.
فذكر بان غروسيه صاحب «مدنيات الشرق» قال: «كان محمد لما قام بهذه الدعوة شاباً كريماً نجداً، مليئاً بالحماسة لكل قضية شريفة، وكان أرفع جداً في الوسط الذي كان يعيش فيه. وكان العرب يوم دعاهم إلى الله منغمسين في الوثنية وعبادة الحجارة، فعزم على نقلهم من تلك الوثنية إلى التوحيد الخالص، وكانوا يفنون في الفوضى وقتال بعضهم بعضاً، فأراد أن يؤسس لهم حكومة ديمقراطية موحّدة.
وكانت لهم عادات وَحشية تقرب من الهمجية، فأراد أن يلطف أخلاقهم ويهذّب من خشونتهم...الخ». ثم يضيف أرسلان إلى هذا الرأي المنصف للمستشرق غروسيه رأياً آخر للمستشرق مونتي، فيقول: وقال الأستاذ «مونتي» Monteُّ أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جنيف في كتابه «محمد والقرآن» مايلي: «أما محمد فكان كريم الأخلاق حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحكم، صادق اللفظ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هي صحة الحكم وصراحة اللفظ، والاقتناع التام بما يقوله ويفعله».
ويضيف «إن طبيعة محمد الدينية ذو عقيدة راسخة، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيراً وبلغ سن الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة التي جعلته من أسطع أنوار الإنسانية في الدين، وفي قتاله الشرك والعادات القبيحة التي كانت عند أبناء زمنه. كان في بلاد العرب أشبه بنبي من أنبياء بني إسرائيل الذين نراهم كباراً جداً في تاريخ قومهم.
ولقد جهل كثير من الناس محمداً وبخسوه حقه، وذلك لأنه من المصلحين النادرين الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها. إن الديانة الإسلامية كعقيدة توحيد، ليس فيها شيء مجهول في ديانات التوحيد الأخرى إلاّ أن ظهورها في جزيرة العرب بروح عربية عالية، جعل لها طابعاً جديداً باهراً وقد سماها محمد «الإسلام» إشارة إلى تمام الانقياد لإرادة الباري تعالي، وهي في هذه العقيدة مشابهة للمسيحية إلا أن عقيدة الانقياد لإرادة الله تتجلى من القرآن بقوه لا تعرفها النصرانية.
وقد بقي في الإسلام من عادات العرب القديمة تعدد الزوجات والرق، الا أن الإسلام جعل للأولى حداً، وللثانية شروطاً من حُسن المعاملة، وقد بلغ من محمد التزام هذا التلطيف من معاملة الرقيق أن قال: «ما خلق الله شيئاً أحب إليه من تحرير الرقيق ولا حَلَّلَ إليه شيئاً أكره إليه من الطلاق.
ولقد منع القرآن الذبائح البشرية ووأد البنات والخمر والميسر، وكان لهذه الإصلاحات تأثير غير متناهٍ في الخلق بحيث ينبغي أن يُعد محمد في صف أعظم المحسنين للبشرية. إن حكمة الصلاة خمس مرات في اليوم هي إبقاء الإنسان من الصباح إلى المساء تحت تأثير الديانة ليكون دائماً بعيداً عن الشر، وحكمة الصيام هي تعويد المؤمن على التغلب على شهوات الجسم وزيادة القوة الروحية في الإنسان، وحكمة الحج هي توطيد الإخاء بين المؤمنين وتمكين الوحدة العربية.
هذا هو البناء العظيم الذي وضع محمد أساسه، وثبت ولا يزال ثابتاً بإزاء عواصف الدهر» . ويشير أرسلان إلى أن مونتي هو من كبار أساتذة جامعة جنيف ومن كبار مستشرقيها وله ترجمة بديعة للقرآن الكريم.
* إبراز التناقضات
ومن الكتب الأخرى التي تناولت السيرة النبوية، حسب أرسلان، كتاب المستشرق الفرنسي اتيان دينيه Dieَُّ، وهو معروف أيضاً كرحالة، أسلم وحج وألف كتاباً عن حجته إلى البيت الحرام، وعُرف باسم «ناصر الدين دينيه» يصفها أرسلان بأنها «من أبدع ما كتب في مثل هذا الموضوع».
كما له كتاب ثانٍ عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يذكره أرسلان في معرض استعراضهِ لآراء المستشرقين ـ على اختلاف وجهات نظرهم وآرائهم ومشاربهم ـ ووصف الكتاب بأنه «لا يقل عن كتابه ـ رحلته ـ في الحج في سلاسة عباراته، ودقة معانيه، وقوة حجته، مع التزام خطة الاعتدال والجدال بالتي هي أحسن».
ويضيف أرسلان: «ومن بدائع تأليف دينيه Dient كتابه في الرد على لامنس اليسوعي ومؤلفين آخرين ممن انتقصوا الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وهو المسمى (إنك لفي واد وأنا لفي واد) يبيّن دينيه فساد طريقة الأوروبيين، حسب أرسلان، الذين حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية، وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوروبية.
أخذ دينيه يورد الأمثلة على هذه التناقضات، ومنها أن المستشرق الهولندي دوزي Dozy قال، إن محمداً لم يكن يشبه قومه، فقد كان ذا تصوّر قوي ولم يكن عند العرب مثل هذا التصور ـ ربما قصد الخيال ـ وكان ديَّنا بطبيعته ولم يكن العرب ديّنين. ليورد رأياً للامنس الذي قال إزاء ذلك، إن محمداً كان شبيهاً بقومه وان هذه المشابهة هي التي كانت سر نجاحه.
مع أن لامنس نسب في موضع آخر إلى أن محمد قد مات بالبطنة. وقال دوزي إن محمداً كان ميالاً إلى الصمت والكآبة ويحب العزلة والهيام في الأودية البعيدة، ويطيل التأمل في الليالي فعارض لامنس هذا الرأي وقال انه لا ينطبق على المعهود من كراهية محمد للعزلة ومن شهرة نفوره من النسك.
وقال نولدكه خٌُلمًم ان سبب الوحي النازل على محمد والدعوة التي قام بها هو ماكان ينتابه من داء الصّرَع. فرد عليه بقول دي خويه De اُميم حيث يري أن هذا الافتراض ليس بصحيح لأن الذاكرة عند المصابين بالصرع تكون معطلة، الحال هي بالعكس عند محمد الذي كان يتذكر كل ما يسمعه في أثناء هذه النوبات.
ورأى شبرنغر سِْمَهمْ أنها مجرد نوبات هستيرية، ليرد عليه سنوك هيرغرونيه ـ المتهم اتهامات كثيرة من ضمنها خدمته للاستعمار الهولندي لجزر الهند الغربية «إندونيسيا» بقوله انها ليست من هذا النوع ثم يورد قولاً لغريم Grimme مفاده بأن مبادئ محمد اشتراكية لا دينية وانما جعل لها صبغة دينية لأجل تمكينها، فيرد عليه هيرغرونيه نفسه قائلاً: إن مدار نبوة محمد هو البعث واليوم الآخر..والخ.
يورد دينيه في كتابه هذا مجموعة كبيرة من الآراء المتعددة، التي تكاد تكون متناقضة، حول جزئية كما قلنا من جزئيات باب واحد نراه واسعاً ويحتمل الكثير من النقاش والجدل، وهو مجال السيرة النبوية.
ولعل من الجدير بالذكر ان دينيه عُرف كرحالة، ويعد أن أوائل المستشرقين الذين حللوا العقلية الغربية ورأى تلك الهوة السحيقة التي تفضل أولئك المستشرقين الذين يحملونها عن الأشخاص الشرقيين الذين يترجمونهم وانهم من دون هذه الملاحظة جديرون بان يقطعوا في الوهم في كل نقطة.
ويتساءَل: هل يتوقفون عند هذه الملاحظة ويعلمون أن طريقتهم هذه لا تنفذ إلى حقيقة؟ ويجيب: لا نظن ذلك. وذلك لأنهم مولعون بحب الطريف يحاولون الإتيان ببدع غير مسبوق.
ذلك الإبداع ـ في الصنعة والاختلاق ربما مثلما فعل الكثير من الرحالة الغربيين الذين زاروا الجزيرة العربية جاءوها يبحثون عن عوالِمَ ألف ليلة وليلة وشرقهم الذي تخيلوه من خلال كتابات من سبقهم فلما لم يجدوه اختلقوه، مثلما فعل داوتي وبلغريف وغيرهم ـ تلك الحرفنة في التلفيق أحياناً الذي قد يمارسه المستشرق ويظنه بأنه سيقوده إلى ذلك الإبداع وتلك الطرافة، رفضها هيروغرونيه من غريم اْيٍٍ في ترجمته للرسول الكريم وقال عنها: إن غريم أراد الإبداع والإمتاع فجاء بصورة غير صحيحة.
