يرى بعض الباحثين أن لوحات الفسيفساء كانت جزءاً من التخطيط العمراني، غير أنها باهظة التكاليف في العمل والمادة والفن. وقد بدأت هذه التقنية دورها الفاعل في العصرين اليوناني والروماني، وبلغ ازدهارها في سوريا مبلغاً كبيراً، حيث ذكر بعض المؤرخين ومنهم «فيليب حتي» إنه من الراجح أن يكون الصناع والفنانون السوريون قد قاموا بتعليم هذا الفن للعديد من الشعوب والأمم.
والحقيقة، تمتلك سوريا ثروة كبيرة ومهمة من لوحات الفسيفساء الأرضية والجدارية العائدة لأكثر من حقبة تاريخية أبرزها الحقبة اليونانية والرومانية والبيزنيطية.. ثم الإسلامية. فهذا الفن يغطي المناطق السورية كلها، بدءاً من جبل العرب، والجامع الأموي الكبير في دمشق، وانتهاء بمحافظات حماه وادلب والساحل السوري.
والفسيفساء السورية عموماً متعددة الموضوعات والعناصر تتوزعها مواقع قديمة وجديدة منها: حرين، مريمين، هرقول، جيرجناز، بستمارا، دير سمعان، تل عمار، حوا، معراتا، أم حارتين، شهبا، أفاميا.. ومناطق أخرى كثيرة. كما أن أعمال التنقيب المستمرة حتى اليوم، تطالعنا باستمرار بمكتشفات جديدة من هذا الفن القديم العريق المتنوع.
ونظراً للقيمة الفنية والتاريخية العالية التي يتمتع بها هذا الفن السوري العريق، حاول العديد من لصوص الآثار، سرقة لوحات الفسيفساء السورية وبيعها في الخارج، لعل أبرزها عملية إدخال عدد من قطع الفسيفساء الأثرية الثمينة العائدة إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين إلى «كندا» حيث ألقت السلطات فيها، القبض عليها، وتبين فيما بعد انها من الطراز السوري. بلغ عدد هذه اللوحات المسروقة 54 لوحة، تم وضع اليد على 39 منها، ولا تزال البقية مجهولة. وقد تم إدخال هذه القطع إلى كندا على انها لبنانية وليست سورية، بغية التملص من إعادتها إلى موطنها الذي خرجت منه، على اعتبار أن لبنان ��م يكن قد وقع على اتفاقية اليونسكو حول الآثار.
يرى الباحث السوري «كامل شحادة» مدير متحف «معرة النعمان» أن سوريا تمتاز بتنوع حضاري، وغنى أثري، خاصة محافظة ادلب التي تقع فيها «معرة النعمان». فهي تتميز بروائع فنية عمرانية لا تحصر في حضارة واحدة، وإنما تشمل حضارات متعاقبة عبر العصور لهذا سماها الرحالة «بوابة العبور إلى الشرق العربي من الشمال».
والمحافظة غنية بالفسيفساء التي يؤكد الباحث شحادة أنها فرع من مناحي التصوير، وضرب من ضروب الزخرفة. ابتكرها الفنان السوري الشرقي منذ وقت مبكر، لتكون تلبية لرغبات معاصريه في رؤية الجمال، ازدانت بها قديماً، واجهات المعابد والقصور. الباحث «لوكاس فان رومباي» من جامعة «لايدن» الهولندية، يرى أن الفسيفساء السورية تعود إلى عصور مختلفة مسيحية وإسلامية، تجمعها قواسم مشتركة عديدة، رغم تباعد أحقابها.
فالفتح الإسلامي لسوريا لم يجد مقاومة من أهل البلاد، ما جعل المسيحيين يستمرون في إنتاج الفسيفساء اليونانية والرومانية وبناء كنائسهم، أما الفسيفساء في الجوامع فأهمها وأبرزها ما تضمه قبة الصخرة، في المسجد الأقصى بالقدس، والجامع الأموي الكبير في دمشق، وهي تنتمي للعصر الأموي إذ استعمل الأمويون هذا الفن بعناصره الكلاسيكية، بعدما طوعوها لرؤيتهم الخاصة.
بمعنى أنهم صبغوها بالطابع الإسلامي، وكانت خالية من الهيئة الإنسانية، ففي الجامع الأموي الكبير بدمشق، كانت الفسيفساء ذات الألوان الذهبية، تغطي الجدران، كما هو الأمر في قبة الصخرة. ولقد حصل الخليفة «الوليد» من إمبراطور القسطنطينية على المواد، وعلى مؤازرة الفنانين الذين يعرفون هذه التقنية التي اختص بها البيزنطيون.
ولقد حفظت بمعجزة بعض الألواح الفسيفسائية التي تزين أروقة الصحن، تحت الكلس الذي غطيت به، وهي تمثل مجموعة من الأشجار العالية، تتخللها منشآت «قصور وبيوت» بأسلوب هلنستي، وثمة أمواه تضطرب، قد تكون نهراً «بردى» تحاذي هذه المشاهد الخيالية التي يرى البعض فيها تمثيلاً لغوطة دمشق والنهر الذي يرويها.
محمود شاهين

