القتل الرحيم أو القتل بدافع الشفقة ورفع أجهزة التنفس الصناعي عن المريض الذي دخل في غيبوبة عميقة أو الذي يعاني من موت جذع المخ أو الميؤوس من شفائه من القضايا التي دار حولها جدل حاد بين العلماء خاصة بعد الفتوى التي صدرت عن الدكتور يوسف القرضاوي بإباحة الموت الرحيم أو الموت بدافع الشفقة وجواز رفع أجهزة التنفس الصناعي عن الميؤوس من شفائه.
وقد أكد علماء الأزهر رفضهم لإباحة القتل بدافع الشفقة وقالوا إن مثل هذه العمليات تعد جريمة قتل موجبة للقصاص من الذين قاموا بها أي من الأطباء في حين أيد العلماء رفع أجهزة التنفس الصناعي عن المريض الميؤوس من شفائه خاصة إذا كانت أسرته لا تمتلك تكلفة بقاء هذه الأجهزة وإقرار الأطباء بموته.
وكان الشيخ القرضاوي قد أكد في فتواه المثيرة للجدل أن المريض الميت إكلينيكيا لا يملك أن يؤخذ رأيه في رفع أجهزة إعاشته أو عدم رفعها عنه ومع ذلك فإن رفع الأجهزة عنه دون إذن من أهله أمر لا يجوز، فإذا عارض أهل المريض رفع تلك الأجهزة التي يترتب عليها وفاته فإنه يجب عدم رفعها حتى وإن كان رأي الأطباء خلافاً لرأي هؤلاء.
وأباح موت الرحمة للميؤوس من شفائه بشرط عدم تدخل الطبيب تدخلاً إيجابياً في هذه المسألة كأن يعطي المريض جرعة عالية للتعجيل بوفاته ونحو ذلك.
من جانبه يؤكد الدكتور عبدالعظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر أن قتل الميؤوس من استمرار حياته المسمى بالقتل الرحيم لا يجوز بأي وجه من الوجوه مهما كانت الدواعي، مشيرا إلى أن من قتله ينبغي أن يقتص منه لأنه متعمد لا خطأ كما يحلو لبعض الناس أن يسموه.
ويضيف أن الله عز وجل أولى بهذا الإنسان الذي يقال إنه ميؤوس من شفائه وعلينا أن نبذل له ما نراه من العلاج المناسب في حدود الاعتدال ونحن لسنا أرحم به من الله الذي خلقه ولا أعلم بحاله من الله ودمه مصون مادامت الروح فيه.
ويشير الدكتور المطعني إلى أنه لايجوز لنا أن نقلد بعض دول أوروبا في هذه البدعة المجرمة كما قلدناها في كثير من السلوكيات الضارة ولله في كل شئ حكمة لا يعلمها إلا هو.
وحول نزع أجهزة التنفس الصناعي عن المريض يوضح الدكتور المطعني أن الميؤوس من حياته طبيا يجوز نزع الأجهزة الصناعية عنه إذا كانت تتطلب نفقات باهظة وله ذرية ضعاف هم في أمس الحاجة إلى المال لتربيتهم وسد حاجياتهم من الحياة لئلا يتعرضون لشدة الحاجة بعد وفاته، موضحا أنه ليس معنى هذا أن نحرمه من الرعاية الطبية ولكن علينا أن نسعفه بما لا مغالاة فيه من التكاليف بأن نكتفي بالحد الأدنى من النفقات ونتركه تحت رعاية الله عز وجل.
ويضيف قائلا حدث أن اتصلت بي زوجة مريض من هذا النوع مستغيثة من أهل زوجها الذين يعارضون نزع الأجهزة عنه، وقالت إن لديها أطفالاً صغاراً في حاجة ملحة إلى هذه الأموال وأحضرت معها على التليفون أحد أقارب المريض فأقنعته بعدم حرمة النزع في هذه الحالة وفعلا تم النزع لصالح أولاده الصغار الذين هم في أمس الحاجة إلى هذه الأموال.
* الأخذ بالأسباب
ويوضح الدكتور محمد سيد أحمد المسير الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر أننا مأمورون شرعا بالأخذ بالأسباب ثم ندع العواقب لله أحكم الحاكمين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري:
«ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء» وفي رواية «يا أيها الناس تداووا» فهذا الدواء قد يعلم وقد لا يعلم وقد يعرف وقته ومقداره وقد لا يعرف.. الأمر الذي يضاعف الجهد على الباحثين كي يصلوا إلى ما ينفع الناس، مشيراً إلى أن هؤلاء الذين يريدون التعجيل بالموت قساة القلوب غلاظ الأكباد يمنعون المعروف والإحسان بين الناس.
ويضيف أن فعل الخير في الإسلام محمدة ولو لم يصل إلى نتيجة ملموسة ولنتذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً»، مؤكداً أن هؤلاء الذين يمنعون العلاج المستطاع أو يقدمون السم القاتل هم قتلة يجب شرعا القصاص منهم لأنهم أزهقوا روحا بغير حق.
وإذا كان المريض نفسه هو الذي أقدم على التخلص من الحياة فهو منتحر يصدر فيه قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً».
ويشير الدكتور المسير إلى أننا في منطق الإسلام نرى أن كل ما يصيب المسلم خير له فقد يكون تكفيرا لخطاياه أو رفعا لدرجاته وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه».
ويخلص إلى القول إن هؤلاء المعجلين للموت لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ويعتقدون أن الحياة الدنيا تنتهي بالقبر ويتناسون الحساب والجزاء والبعث والنشور ثم إنهم مصابون بقصر النظر وضيق الأفق فكم من ميؤوس من شفائه مَن الله عليه بالعافية وكم من أناس خرجوا من المستشفيات انتظارا للحظة الموت القريبة فإذا هم يعيشون عمراً مديداً.. «وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير».
* أجهزة التنفس
ويؤكد الدكتور محمود عبدالجواد المدرس بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن العلماء أجمعوا على أنه طالما كانت بالإنسان علامات حياة حتى لو كانت ضعيفة فلا يجوز حرمانه من هذه الحياة، موضحا أنه على هذا الأساس لا يجوز قتل المريض الميؤوس من شفائه حتى لو أجمع أهل الأرض على أنه أصبح في عداد الموتى حكما لأن الموت له إمارات وهذه الإمارات لها علامات ظاهرة منها انقطاع التنفس وعدم النبض فطالما كانت في الإنسان روح فلا يجوز شرعا رفع أجهزة التنفس عنه طالما وضعت له.
ويضيف لكن إذا أجمع الأطباء قبل تركيب أجهزة التنفس الصناعي على أن علامات الموت ظهرت على المريض وأنه لا أمل في حياته هنا يترك المريض لمصيره دون تركيب الأجهزة لأن هذه الأجهزة لن تطيل عمره أما إذا تم تركيبها فلا يجوز رفعها حتى تستقر حياة المريض إما إلى موت وإما إلى حياة، مؤكدا أن المستشفى ملزم بإبقاء هذه الأجهزة حتى لو كان أهل المريض غير قادرين على دفع تكاليفها.
ويشير إلى أن الشريعة الإسلامية لا تعرف ما يسمى بالموت الرحيم وهي لا تفرق بين إنهاء الحياة بطريقة رحيمة أو بطريقة قاسية فهذا في كل الأحوال قتل للنفس التي حرم الله قتلها.
* جريمة قتل
ويرى الدكتور محمود خيامي الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر أن الموت الرحيم بأية وسيلة سواء بالحقن أو بإعطاء جرعة عالية من دواء معين أو غير ذلك يعتبر جريمة قتل نفس بدون وجه حق، مشيراً إلى أن أجهزة التنفس الصناعي إذا لم تكن تسبب ضررا للمريض أو تسبب له راحة وتخفف عنه الألم فيجب الإبقاء عليها.
ويضيف لا يجب الإجهاز على حياة المريض بحجة موت الرحمة وإنما يجب أن نقدم له الأدوية والعلاج المناسب وأن ندرك أن الآلام التي يتعرض لها خلال فترة المرض تكفر ذنوبه وتخلصه من خطاياه ويقبضه الله على هذه الحال.
وحول إباحة هولندا وبعض الدول الغربية للموت الرحيم أكد الدكتور هيامي أن هذه الدول ليست مقياسا لنا ولا ينبغي أن نتخذ منها قدوة في قضايا محسومة في شريعتنا الإسلامية.
وبالنسبة لرفع أو إبقاء أجهزة التنفس الصناعي يوضح أن الأطباء هم أصحاب هذا القرار ويجب أن تتوفر فيهم الأمانة، معرباً عن أسفه لأن الأمانة مفقودة فبعض المستشفيات تدرك جيدا أن المريض يصارع الموت لكنها تركب له أجهزة التنفس الصناعي من أجل الحصول على المال وتلقي بالمسؤولية على أهل المريض وتطالبهم بالتوقيع على إقرارات بأنها غير مسؤولة عن موته إذا طلبوا منها رفع الأجهزة.
ويدعو الدكتور خيامي إلى ضرورة أن يتصدى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ودار الإفتاء المصرية لإصدار فتوى لحسم هذه المشكلة بحيث يتصرف الأطباء وأهل المريض على أساسها حتى لا يشعروا أنهم كانوا السبب في موته وإنهاء حياته.
القاهرة ـ ضياد الدين أحمد
