أكد الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن الإسلام يرفض نظرية الصراع بين الحضارات ويدعو إلى تعددية الحضارات والثقافات والتعاون بينها مشيرا إلى أن الإسلام يعتبر الحضارات انجازا إنسانيا وإضافات للتراث الإنساني يستفيد منها البشر على اختلاف عقائدهم وأجناسهم وأعراقهم .

وقال ان الإسلام لا علاقة له بواقع المسلمين المتخلف لأن المسلمين لو طبقوا تعاليم الإسلام والقيم الإسلامية تطبيقا سليما لنهضوا وتقدموا وكانت لهم مكانتهم على خريطة العالم موضحا ان الإسلام ينفرد وحده بين الأديان بجعل العلم فريضة كالصلاة والصيام والزكاة وهو يحث على طلب العلم وإتقان العمل وتعمير الكون .

وأشار الدكتور زقزوق إلى ان الإسلام لن يذوب في الحضارات الأخرى أو في النظم التي يراد فرضها على العالم لأن الإسلام له كيانه الخاص وذاتيته المستقلة ولا خوف على المسلمين من الذوبان او فقدان الهوية مؤكدا ان الأمة الإسلامية تمتلك كل مقومات الانطلاق والنهوض وأن مرحلة التخلف الحضاري التي يمر بها المسلمون الآن عارضة ولن تستمر طوال الأبد .

وأوضح ان لدى الأمة الإسلامية ما يؤهلها للإسهام بدور مؤثر وفعال في مسار التاريخ وتوجيه أحداثه وتقرير مصير عالمنا واحتلال مكان لائق بها في خريطة العالم مطالبا بضرورة توحيد جهود المسلمين وتجاوز الخلافات في القضايا الهامشية التي فرقت الصف واستنزفت الجهود والطاقات سنوات طويلة .

وأضاف زقزوق ان الخوف من الإسلام في الغرب جعله يرفض السماح للعالم الإسلامي بتطوير قدراته العسكرية والاقتصادية والعلمية إلا في حدود معينة على الرغم مما يغدقه من إمكانات هائلة على إسرائيل التي زرعها الغرب شوكة في ظهر العرب لتعوق أى طموحات في تطوير قدراتهم وتنمية بلادهم .

* البعض يرى ان الحضارة الإسلامية انهارت ولم يعد لها وجود في ظل التحديات التي يواجهها المسلمون في الوقت الحاضر خاصة مع تصاعد ظاهرة الغزو الفكري والاستلاب الحضاري فهل تتفقون مع أصحاب هذا الرأي ؟

ـ نحن نعترف بأن الأمة الإسلامية تمر اليوم بفترة من أحلك فترات تاريخها فالظروف التي تحيط بها والرياح العاصفة التي تهب عليها من كل جانب والمخططات التي تحاك لها في الخفاء وفى العلن قد أحكمت الخناق من حولها وجعلتها في موقف لا تحسد عليه رغم ان هذه الأمة تمثل أكثر من خمس سكان العالم وتمتلك كل المقومات التي تهيئ لها فرصة الانطلاق إلى آفاق التقدم والازدهار ولا تقتصر هذه المقومات على الجوانب الروحية فحسب فالأمة الإسلامية لديها المقومات البشرية والمادية أيضا.

وبلاد المسلمين تشتمل على معظم خيرات الدنيا من معادن وكنوز مختلفة كما أن رصيدا حضاريا ضخما يشكل قاعدة راسخة للثقة والاعتزاز وفى الوقت نفسه للانطلاق والنهوض وهذا يعني أن لدى الأمة الإسلامية ما يؤهلها للإسهام بدور مؤثر وفعال في مسار التاريخ وتوجيه أحداثه وتقرير مصير عالمنا واحتلال مكان لائق بها في خريطة العالم ولكن الواقع الذى عليه المسلمون مختلف تماما عن هذه الصورة المشرقة فالآمة الإسلامية متقطعة الأوصال منهكة القوى مستنزفة الموارد مسلوبة الإرادة وقد وصفها بعض المفكرين المعاصرين بأنها أمة حائرة في عالم محير .

؟ قضايا هامشية

* لماذا وصلنا إلى هذه الحال رغم ان أجدادنا صنعوا حضارة وتقدموا ونهضوا وشغلوا المركز الأول في العالم في كل المجالات ؟

لأننا في الوقت الذي يسرع فيه العالم من حولنا الخطا وينطلق في كل الاتجاهات نشغل أنفسنا في عالمنا الإسلامي على المستوى الفكري بقضايا هامشية تجاوزها الزمن ويعد الصراع حولها في عصر السباقات العالمية من قبيل الهزل في وقت الجد وهكذا فإنه بدلا من توحيد جهود المسلمين وتعاونهم فيما بينهم لإثبات وجودهم نرى صورة أخرى مختلفة تعكس الواقع المتناقض وركب الحياة يسير بخطا متسارعة ومتغيرات العصر وتطورات العلم ومكتشفاته يكاد المرء يعجز عن متابعتها لكثرتها وتسارعها والتاريخ يسجل ولا يترك مكانا للضعفاء أو الكسالى .

* وماذا يجب على الأمة الإسلامية ان تفعل حتى تنهض وتتقدم من وجهة نظركم ؟

الأمة الإسلامية في مفترق طرق وعليها أن تقرر لنفسها أي طريق تسلك فإما أن تسلك الطريق الذي يؤدى بها إلى التقدم والازدهار وإما أن تظل مكانها متخلفة عن الركب الحضاري فيتجاوزها الزمن وليس هناك خيار آخر حتى تعبر هذا النفق المظلم.

وهذا يحتاج إلى تضافر كل الطاقات وتوظيف كل الإمكانات وعندئذ فقط يمكن للأمة الإسلامية أن تلجأ إلى الله طالبة منه العون والتوفيق فالله لا يعين الكسالى ولا ينصر المتبطلين ولكنه في عون العبد مادام العبد في عون نفسه وفى عون أخيه وفى عون المجتمع الذي يعيش فيه انسجاما مع القانون الثابت: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

* لكن كيف يتحقق ذلك في ظل التحديات الكثيرة إلى تواجهها الامة في الوقت الحاضر ؟

التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم كثيرة ومتعددة وعلى الأمة أن تثبت وجودها في مواجهة هذه التحديات بالتغلب عليها وتجاوزها ويمكن تقسيم هذه التحديات التي تحديات داخلية وأخرى خارجية ولن تستطيع الأمة أن تتغلب على التحديات الخارجية إلا إذا تغلبت قبل ذلك على التحديات الداخلية، والتحديات الداخلية تتمثل في التخلف والتشرذم والفهم الخاطئ للإسلام أما التحديات الخارجية فتتمثل في ظاهرة الخوف من الإسلام واتهام المسلمين بالتطرف والإرهاب وما إلى ذلك .

* ولماذا تخلف العالم الإسلامي؟

ظاهرة التخلف في الأمة الإسلامية واضحة للعيان رغم القشرة الحضارية التي نجدها هنا وهناك فالتخلف ينسحب على المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية ويمكن إرجاع ذلك إلى انتشار الأمية في العالم الإسلامي والتي تبلغ في المتوسط طبقا لتقارير المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) 46% وهذا معناه انخفاض مستوى الوعي لدى المواطنين وإعاقة جهود التنمية الشاملة.

والتي ينبغي أن تتضافر في دفعها كل القوى البشرية في العالم الإسلامي حتى يمكن أن تؤتى ثمارها المرجوة وفى الوقت الذي ننشغل فيه بمحو الأمية الأبجدية تنشغل الدول المتقدمة بمحو الأمية التكنولوجية لدى مواطنيها وهذا يبين لنا الفارق الكبير بين مستوى التقدم في تلك البلاد ومستواه في العالم الإسلامي ومن المعروف ان انخفاض مستوى الوعي يجلب معه التعصب والتطرف في الفكر وفى السلوك أيضا التشرذم في عالمنا الإسلامي يعد نتيجة طبيعية للتخلف.

كما أنه يعبر من جانب آخر عن تحكم روح الأنانية والفردية والانعزالية وكل ذلك يجعل بلاد العالم الإسلامي لقمة سائغة للآخرين ممن لا يريدون خيرا للأمة الإسلامية وليس للمؤسسات الإسلامية - مثل منظمة المؤتمر الإسلامي التي تنضوي تحت لوائها دول العالم الإسلامي - أي فاعلية أو دور مؤثر تقوم به فالضعف السياسي ظاهرة بادية للأمة الإسلامية .

ولهذا فإن القضايا المصيرية التي تتعلق بأمور المسلمين يقررها في الغالب الآخرون ويغيب عنها المسلمون أو يتم تغييبهم عنها وأقرب الأمثلة على ذلك قضية العراق وقبلها قضية أفغانستان وحتى قضية فلسطين التي توضع لها بين الحين والآخر خطط ولا تنقذ وآخرها خارطة الطريق التي لم يشترك المسلمون في وضعها بل وضعتها لجنة رباعية ليس فيها أى تمثيل لأصحاب الشأن وكل ذلك ناتج عن التشرذم والضعف السياسي .

أيضا يجب ان نعرف ان الخوف من الإسلام في الغرب جعله يرفض السماح للعالم الإسلامي بتطوير قدراته العسكرية والاقتصادية والعلمية إلا في حدود معينة على الرغم مما يغدقه من إمكانات هائلة على إسرائيل التي زرعتها شوكة في ظهر العرب لتعوق أي طموحات في تطوير قدراتهم وتنمية بلادهم كما أن هذا التوجه يعني أيضا عدم السماح للعالم الإسلامي بأي نصيب في المشاركة في رسم سياسة العالم .

** كيف يتخلص العالم الإسلامي من هذا كله ويتفرغ لصنع مستقبله الحضاري؟

حتى يستطيع الإسلام أن يتجه بخطا ثابتة نحو المستقبل فلابد لأتباعه من الفهم المستنير للإسلام وتعاليمه والكشف عن الوجه الحضاري لهذا الدين الذي تتوافق تعاليمه مع كل زمان ومكان وبيان قدرته على التطور ومواجهة متغيرات الحياة وقدرته الذاتية على الصمود أمام كل التحديات وتاريخ الإسلام شاهد على ذلك.

واعتقد انه عندما يتضح لجماهير المسلمين أن الإسلام بريء من جهل أصدقائه ومن شذوذ من يدعون أنهم يقتلون دفاعا عنه فإن ذلك يمكن أن يمهد السبيل للتغلب على الصعاب وعلى التحديات الأخرى الخارجية التي تتخذ من الفهم الخاطئ للإسلام ذريعة لاتهام المسلمين بكل الرذائل وبالتالي التفرغ لبناء المستقبل .

؟ صراع الحضارات

** الغرب يرى ان الصدام بين الحضارات أمر حتمي وأن البقاء والنصر للحضارة الغربية فلماذا يتبنى الغرب مثل هذه التوجهات؟ وما الموقف الذي يجب ان نتخذه حيال ذلك ؟

بالفعل يروج الغرب لنظرية صراع الحضارات وأن هذا الصراع أمر حتمي وهم يقصدون بذلك صراع الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ويستعيد البعض ذكريات الماضي القريب والبعيد لهذا الصراع والهدف في النهاية هو ضرورة هزيمة الحضارة الإسلامية حتى تتمكن حضارة واحدة هى الحضارة الغربية بأن يكون لها اليد الطولي والسيطرة على العالم كله ولعل ذلك كله يشكل مقولة نهاية التاريخ التي يتم الترويج لها أيضا .

وقد سبق للفيلسوف الألماني المعروف هيغل - الذي توفى عام 1831 - أن أشار في كتابه ( فلسفة التاريخ ) إلى أن الإسلام قد اختفى من زمن طويل من أرض التاريخ العالمي أي لم يعد له تأثير في توجيه أحداث التاريخ بعد أن ركن إلى الاسترخاء واستسلم إلى السكون الشرقي وفى الكتابات الغربية المعاصرة عن الإسلام يتم الخلط بين الدين الإسلامي وبين الواقع الحضاري المتخلف الذي تعيشه الأمة الإسلامية وهذا الواقع يمثل مرحلة عارضة في تاريخ المسلمين وليس حكما أبديا بالجمود والتحجر على خمس سكان العالم.

وإذا كان الغرب يتبنى نظرية حتمية صراع الحضارات فإن الإسلام كدين لا يرى ذلك أمرا حتميا لأن الصراع القائم بين البشر لا يقتصر على الصراع بين الحضارات فهناك أيضا صراعات تقع بين البشر داخل الحضارة الواحدة وموقف الإسلام الثابت يتلخص في أن تعددية الحضارات واختلافها لا يجوز أن يكون مدخلا للنزاع والشقاق او أن تمثل عائقا أمام توحيد جهود الناس وتآلفهم فيما بينهم فالتعددية ينبغي أن تفتح الطريق أمام التعارف والتعاون والتوحد وهنا تكمن المهمة الإنسانية التي ينبغي على الإنسان حيثما كان موقعه أو معتقده أن يتحمل مسؤوليتها.

ويشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله «يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» فنظرية الصراع الحتمي للحضارات مرفوضة أساسا من الإسلام الذي يقرر أن الناس جميعا قد خلقوا من نفس واحدة وأن العدوان على نفس واحدة يعد عدوانا على البشرية كلها وليس على طائفة معينة أو حضارة بعينها ومن هنا فإن التصور الإسلامي أوسع وأرحب أفقا وأعمق في إنسانيته من تلك التصورات العنصرية التي تسعى إلى إعلاء شأن حضارة ما على غيرها من الحضارات والثقافات

* هل من الممكن ان تتعرض الهوية الإسلامية للذوبان في ظل المحاولات الغربية المستمرة لدمج المجتمعات الإسلامية في النظام العالمي الذي ارتضاه الغرب ؟

ـ حقائق الدين الإسلامي وطبيعته ووقائع التاريخ تبين أن الإسلام لا يمكن أن يذوب في أي نظام آخر فلهذا الدين ذاتيته المستقلة وكيانه الخاص وهذا التصور الإسلامي لا يتناقض مع الكيانات الأخرى لأن التعددية الدينية والحضارية كفلها الإسلام منذ قامت للإسلام دولة وترسخت في دستور المدينة الذي أعلنه محمد - صلى الله عليه وسلم ـ بعد الهجرة.

وقد كانت الحضارات في البلاد التي دخلها الإسلام روافد أثرت الحضارة الإسلامية فالإسلام يعتبر الحضارات إنجازا إنسانيا وإضافات للتراث الإنساني الذي هو بطبيعته أخذ وعطاء ولا توجد أمة عريقة في التاريخ إلا وقد أعطت كما أخذت من هذا التراث ولذلك فإن نظام العولمة يعد مناقضا لطبيعة الأمور فلا يمكن أن تذوب السمات الحضارية الأساسية للشعوب وبخاصة الشعوب العريقة التي لها بصمات حضارية لا تمحى في سجل التاريخ.

واذا كان الإسلام يقر التعددية الدينية والحضارية فإنه يقر بأن هناك قواسم مشتركة بين كل الحضارات وهذه القواسم المشتركة تعد المدخل الحقيقي للتعاون بين الحضارات وليس الصراع فيما بينها ونحن واثقون من ان الإسلام سيقف صامدا أمام كل محاولة لتذويبه في أي حضارة أخرى أو أي نظام عالمي جديد ولكنه في الوقت نفسه سيظل دائما على استعداد لأن يكون شريكا لأي نظام عالمي يسعى إلى خير الإنسان وتقدمه وازدهاره.

ضياء الدين احمد