هو الشيخ محمد بن مصطفى بن محمد المراغي المولود بمراغة من أعمال جرجا سنة 1881 ميلادية وكان والده عالما جليلا واسع الثقافة وظهرت نجابته فأرسله والده الى الأزهر واتصل بالشيخ محمد عبده وتأثر بفكره وانتفع بمحاضراته في البلاغة والتوحيد والتفسير .. وشجعه الشيخ محمد عبده على أن يخلص في بحثه إلى المصادر الأصلية، وألا يكتفي بالشروح والحواشي، التي تصرف الباحث عن جوهر العلم وتفرقه في تفريعات هائمة ..!

وحصل على العالمية سنة 1332 هجرية، رغم أنه كان مريضاً أثناء الامتحان، مما يدل على قوة حافظته ونبوغه .. ولما طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان رشح لهم المراغي سنة 1904 ميلادية، فتوى قضاء الخرطوم ولم تنقطع صلته بأستاذه الذي لم ينسه حتى الممات، وأكرم أرملته وهو شيخ للأزهر وفاءً للإمام محمد عبده ..!

وقدم الشيخ استقالته من القضاء بالسودان لأنه اختلف مع قاضي قضاة السودان فآثر الاعتزاز بكرامته وشموخه، وعاد إلى مصر، فعين في العام نفسه مفتشاً للدروس الدينية بديوان عموم الأوقاف (وزارة الأوقاف) وواصل التدريس بالأزهر.

ثم صدر أمرُ من الخديوي عام 1908 ميلادية بتعيينه في منصب قاضي القضاة في السودان، وظل في هذا المنصب حتى عام 1919، وحدث ان أرادت حكومة السودان تعديل لائحة المحاكم الشرعية تمسك بأن من سلطته أن يختار للقضاة الآراء الفقهية التي يحكمون بها وأبى السكرتير القضائي فاحتكما للحاكم فنصره على السكرتير القضائي.

ولما قامت ثورة 1919 وامتدت آثارها الى السودان وحاول الانجليز قمعها في مصر بأساليب وحشية، فأصدر الإمام المراغي نشرة ثائرة عنوانها (اكتتاب لمنكوبي الثورة بمصر) ووصف المآسي التي لحقت بمصر استجاب السودانيون للنداء ولم يستطع الحاكم السوداني إيقاف هذه الثورة.

وكان يواجه كل المواقف بعزة وشموخ العلم والإسلام، فقد أرسل إليه الحاكم المستر (دن) رئيس القضاء المدني، ـ أما الإمام المراغي فقد كان قاضي القضاة الشرعيين ـ ، ليبلغه بضرورة السكوت، واحتد النقاش بين الرجلين، وفجأة قال المستر (دن) للشيخ المراغي: «أنا أكلمك كرئيس» فانتفض الشيخ المراغي ليصيح في وجهه: من أنت؟ أنارئيس مثلك، وأنا معين بأمر ملكي كما عينت أنت ..

وأنهى الحوار، فجاء السير (لى ستاك) حاكم السودان العام، ليرجو المراغي شخصياً في إيقاف التبرعات ومنع المنشورات، وكان مما قاله الحاكم: أنا أرلندي، والانجليز ينتهكون بلادنا، ولكني أمثل الآن انجلترا، فلا علاقة لي بارلندا، وأنت الآن في السودان ولا علاقة لك بمصر، فقال له المراغي مبتسماً:

أنا لم أقم بغير جمع التبرعات، وكان في استطاعتي ان اهيج الشعور سياسيا ودمويا، ولكني اصطنعت الحزم، فتخاذل الحاكم، ولكنه وقف دون إيصال التبرعات الى لجنة الوفد المركزية، فأخذ الشيخ يسأل عن المسافرين الى مصر من أبناء السودان، ليحملهم ما جمع من المال حتى بعث به إلى مستحقيه ..!

وحدث أن مر جورج الخامس بالسودان، وطلب من الموظفين ان يكونوا في استقباله، شريطة ان لا يصعد الى السفينة سوى الحاكم العام، ومعنى هذا ان يكون المراغي مع العامة على الرصيف، فرفض المراغي أن يستقبله الا اذا صعد على السفينة قبل الحاكم العام شخصياً، فكان له ما أراد..

ومن أجل ذلك رأت بريطانيا أن تعمل على إعفائه من منصبه حين وقف أمامها ثابت الجأش، قوي المراس فألغت عقده، ورجع الرجل مهيبا كريما الى مصر، ليصير رئيساً للمحكمة الشرعية عام 1923، وكان وهو في هذا المقام لا يحيد عن النطق بما يعتقد انه الحق، وأغضب منه كثيرين من سراة القوم مما دعا بأحدهم ان يدفع عليه بمن يلقي بماء النار على رقبته، دون ان يثنيه ذلك عن موقفه .. !

وأمر بإجراء إصلاحات مهمة حيث شكل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية ووجه اللجنة الى عدم التقيد بمذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وأصدر عام 1920 قانون الأحوال الشخصية، وعدل (قانون الطلاق) ونادى بفتح باب الاجتهاد، ودعا الى توحيد المذاهب.

وفي الثاني والعشرين من شهر مايو سنة 1928 ميلادية عين «المراغي» شيخاً للجامع الأزهر، فجد في إصلاح الأزهر ورعاية شؤونه والنهوض به الى المستوى الذي كان استاذه الإمام محمد عبده ينشده له ويجهد في سبيله فلم يمض عام حتى هيأ قانون الأزهر الذي جعل التعليم العالي في الأزهر كليات ثلاثاً وشرع نظام التخصص.

ولكن اختلافاً في الرأي يوقف هذا القانون ويستقيل صاحبه في العاشر من أكتوبر سنة 1929 ميلادية مما أدى الى حدوث اضطرابات كثيرة وقلاقل في صفوف الأزهريين تطورت الى إضرابات واعتصامات واعتقالات عمت القطر كله، فعاد الى مشيخة الأزهر سنة 1935 ميلادية، بكل كبريائه وشموخه، لا تلين له قناة، ولا يخضع لتهديد أو ابتزاز ..

فحين قامت الحرب العالمية الثانية، كان مركز انجلترا في بدايتها ضعيفا حرجاً، اذ توالت انتصارات هتلر على نحو يؤذن بانهزام الحلفاء، واضطرت انجلترا ان تذيع في الناس انها تحارب من أجل الانسانية المندحرة أمام دكتاتورية النازية، وطلب السير مايلز لامبسون، من الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي ان يذيع على العالم الإسلامي بياناً يعلن فيه، أن انجلترا تحارب في سبيل الديمقراطية، لترعى حقوق العدالة والأخوة والمساواة، وتعاظم الشيخ الأكبر ان يجرؤ السفير على طلبه.

فلم يشأ ان يغفل الطلب كأن لمن يكن، ولكنه انتهز فرصة الاحتفال بموسم ديني، فألقى أمام الملك خطبة رنانة توضح ما قاسته مصر والعالم الإسلامي من أهوال هذه الحرب المدمرة، حين سقطت القنابل على الاسكندرية وبعض المدن المصرية، فأحدثت من الضرر النفسي ما فاق الضرر المادي، ثم هتف صريحاً بأن مصر تكابد حربا لاناقة لها فيها ولا جمل، وأن المتحاربين في المعسكرين المتنابذين لا يمتان إليها بسبب ..

فانتشرت خطبة الإمام على الأثير في شتى أنحاء العالم، ففزع السيرمايلز لامبسون فزعاً شديداً وهاتف رئيس الوزراء «حسين سرى باشا» في منتصف الليل يطلب منه إقالة المراغي، وفزع رئيس الوزراء تبعا لما شاهد، واتصل تليفونيا قبل الفجر ليحتج على المراغي، وينذره بأنه لا بد أن يحيط علماً بكل ما يخطب قبل ان يخطب به.

واستمع الشيخ متعجبا ثم قال للرئيس حسين سري: «أتريد ان اعرض عليك كلامي؟! من أنت؟! أنا استطيع ان اقيلك من منصبك بخطبة واحدة من فوق منبر الأزهر، أو منبر الحسين..!! قل هذا لمن هددك با حسين، وانتقل الحديث الى السفير البريطاني، فخاف العاقبة وآثر السكوت ..!!

وذهب إليه الملك فاروق ـ وكان يعالج بمستشفى المواساة ـ يطلب منه ان يصدر فتوى بتحريم زواج مطلقته (الملكة فريدة) بعد ان طلقها، لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حرم عليهن الزواج بأحد من بعده، فقال الشيخ المراغي: (أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه) ولما غلظ عليه فاروق القول عن طريق رسله ووسطائه صاح (ان المراغي لا يستطيع ان يحرم ما أحل الله) ..!

هكذا بكل قوة، وشاءت إرادة الله ان تكون حياته عنوانا على قوة الجنان في الحق وعدم الاهتزاز أمام تهديد أو إغراء، وقد تعجب الكثيرون من مصدر هذه القوة، وراح البعض يخبط ذات اليمين، والبعض يخبط ذات الشمال، لكن الذي لا مناص من الركون إليه، هو أنه استمد هذه القوة من دينه، واعتصامه بربه، وأنه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، فما الأفراد عظموا أم صغروا إلا أشياء بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها ويصرفها كيف شاء، ومن ثم فالتعلق لا يكون إلا بالله، ولا خشية الا منه، ولا رجاء إلا فيه، ولا توكل إلا عليه ..!

وذكر الدكتور محمد رجب البيومي ملامح دعوته لتطوير الأزهر، أو دعوته الإصلاحية فقال: (ونحاول في إيجاز ان نلم إلماماً عاجلا بأهم خطوات المراغي الإصلاحية في سبيل الأزهر والتشريع واللغة، وتلك الثلاث هي أبرز مناحي جهاده، ليجد القارئ، نتائج القضايا تابعة للمقدمات دون اعتساف، وليعرف كيف كان الصادقون من ذوي العزم يجابهون الواقع المتحجر، مواجهة قوية لاتعرف النكوص، وكيف كانوا يستروحون نسائم الأمل في محابس اليأس القاتل، فيمدهم بروح واثق، اذ ان رحمة الله قريب من المحسنين.

لقد رسم المراغي خطة الإصلاح واضحة النقاط، سافرة الحقائق، فحدد الزمن، وعين المنهج، واختار المواد، وأعد المشروع الضخم في قالبه القانوني، بعد ان مهد له. خطيبا في المحافل، ومناقشا في الصحف السيارة، وكان من الاستهتار العقلي ان يناوئه من يحرصون على القديم لأنهم لا يحسنون سواه.

أو لأنهم يحسدون صاحب هذا الارتقاء الدافع الى الازدهار الفكري والتقدم العلمي، وان يجدوا من ذوي الأمر من يحرص على ان يظل رجال الدين في مطاوي الخمول لا يؤدون رسالة، ولاينعمون بفكر، ولا يتمتعون بحياة، ولكن ذوي البصائر النيرة من شباب الأزهريين، قد اشرأبوا الى مشرق النور في برنامج الإصلاح فتواصوا بالجهاد، وأعلنوا الثورة حين حيل بين المراغي وبين ما يريد ..!

وطبيعي أن يجد المراغي في سبيل ا لتطبيق بعض العقبات، فالنفوس لا تنهض فجأة من حال الى حال دون تمهيد، فهناك من يتعذر عليه ان يترك أساليب المتأخرين في حفظ التفريعات، ومناقشة التراكيب وإرجاع الضمائر، وهناك من لايهن لأفانين البحث المنظم من جمع الحقائق للموضوع الواحد من فطانها المختلفة وصياغتها صياغة علمية، ذات مقدمة وعرض وخاتمة، لأن إلف المرجع الواحد جعل المدرس ظلا باهتا لكتاب قد لايكون أحسن الكتب في بابه.

وهناك من ينكر ان يفتح باب الاجتهاد في مسائل الفقه واللغة وتفسير الآيات وشرح الأحاديث، اذ يرى ان الأول لم يترك للآخر شيئاً، بل هناك من حاول ان يطمس لألاء التجديد بدعوى ان الأزهر قد انصرف عن العلم الحقيقي الى المظهر الخارجي، وكان هذا القول المسموم يوجه من نفوس ذات شأن سياسي، يهولها ان يجد الإسلام مكانه المطمئن من نفوس الأزهريين، وأن ينهضوا من سباتهم الى إعلان رسالته العادلة في الناس، فيشيدوا بالحرية والإخاء والعدالة والمساواة).!

وغاية الأمر ان الإمام لم يحفل باعتراض أحد وقام على تنفيذ خطته، وأنشأ الإمام ما عرف بتخصص المادة وزمانه ست سنوات بعد الدراسة العالية، بكل كلية من الكليات الثلاث، الشريعة واللغة وأصول الدين، لتخريج أئمة في هذه التخصصات، وكان يختار أعلام الفكر من خارج الأزهر للمشاركة في مناقشة رسائل الطلاب ليصل الأزهر بتيار الثقافة المعاصرة في كل اتجاه.

علي عيد