حين تذكر المناطق الجميلة والطبيعة الفاتنة لابد ان يأتي ذكر شيص بوصفها واحدة من أجمل قرى الدولة، ففي ذلك المكان البعيد عن المدينة القريب من البساطة والسحر تختبيء بين الجبال عذوبة الطبيعة وترتسم لوحات لا تجود بها الحياة كثيراً.

ومنذ زمن كانت الرغبة بزيارة المنطقة موجودة لكن السبيل منقطع فلا الطريق معروف لدينا، ولا الدليل الذي يوصلنا إلى غايتنا موجود إلى ان ضمنا مجلس مع أحد أبناء قرية النحوة يسر لنا الأمر، وأخذنا نحو القرية المحتمية بالجبال لتتجاوز أسوارها ونصل إليها.

كما تمنينا كان الطريق الصخري الصعب يشير إلى اننا نتوجه نحو هدف مهم يستحق العناء وبذل الجهد، وما ان وصلنا نحو قرية شيص احدى قرى الشارقة التي امتدت إليها يد العمران فجعلت مساكنها مكانا يقترب من منزل الأحلام، فالمساكن الحديثة تربعت فوق أرض مرتفعة تحيط بها الجبال وقد توجهنا إلى مجلس الوالي خميس محمد راشد النقبي لنجده قد ترك اعماله بانتظارنا وهو رجل تجد فيه مهابة وقوة شخصية وثقة بالنفس تليق بالجبلي الذي عرف الحياة وتبنى مسؤولياتها.

بدأ الحديث الجميل بالترحاب وقد عبرنا عن وحشتنا بالمنطقة وما فيها من عمران فبادرنا قائلا «اليوم أصبح ما في المدينة موجوداً في المناطق النائية ولا يوجد قصور علينا، ومنطقتنا من أجمل المناطق في الدولة، إذا تجولت فيها تشرح النفس وتسر النظر، وبيوتنا واسعة وحديثة أمر ببنائها لنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهناك مشروع الطريق الذي يربط المنطقة بالنحوة وإن شاء الله سينفذ قريباً.

ويتحدث الوالي عن حياة الناس في المنطقة قديماً فيقول «كانت عيشتنا من الأرض يعمل الرجل بيده ويأكل من عمله، وفي ذلك الوقت كان صاحب المال معروفاً يعمل عنده من لا يمتلكون الأرض مقابل أجر معلوم، والناس في الماضي يزرعون البر والذرة والدخن والقندال والبصل.

وكنا نطرش إلى الساحل الغربي أي دبي والشارقة وكذلك إلى خورفكان وتستغرق رحلتنا إلى الشارقة ستة أيام بلياليها نحمل معنا «وخايف» مصنوعة من السعف يوضع فيها الرطب وكذلك «شوالات» البصل وكانت الوضيفة تباع بنصف روبية أوروبية او ثلاثة أرباع وكان الرجل يشتري بالروبية كسوة عشرة «أنفار» وكذلك يشترون الطحين والعيش والقهوة بمبالغ زهيدة.

«وفي الدهر الأول كان السيل لا ينقطع السيل والجبال خضراء والوديان خضراء تنبت فيها اشجار السدر والسمر ولشوع والحشيش فيها، ويكون العسل متنوعاً حسب مواسمه لذا تجد عسل اليبياب وعسل البوم وعسل الشوع والحشيش والناس تأكل منه ليكون غذاء ودواء فلم يكونوا يعرفون الأطباء، وكان طبهم الوسم والاعشاب فالبعدة والياس للمغص، ولديهم خلطات لجبر الكسور ولعلاج الحروق وغيرها من الأمراض، وكانت المرأة ليلة ولادتها تأتيها القابلة لتساعدها في الولادة وكان السهيل من رب العالمين.

ويتحدث الوالي عن دور النساء في الماضي قائلاً كانت المرأة تتحمل الكثير من الأعباء فهي اضافة إلى اعمال المنزل تجلب الماء وترعى الحلال وتخيط الثياب وكانت النساء تجتمع في وقت القيظ لتنظيف الشمر وتنقيته من الحصا وكل امرأة تأخذ نصيبها من التمر مقابل عملها، وكان الناس في ذلك الزمن مجتمعين على قلب واحد ومن يبني بيته أو يعمل عملاً مهماً يساعده اهله وجيرانه.

وكانت المرأة تعتمد على نفسها في اعمال بيتها، بينما اليوم لا شيء ينقصها الماء والغسالة ومختلف الأجهزة داخل البيوت وكذلك يكون عندها بدل البشكارة بشكارتان، وفي الماضي لم يكن الناس ينجبون الكثير من الاطفال بسبب الفقر واليوم والحمدلله أصبحت العوائل كبيرة وفيها الأطفال الذين توفرت لهم الحياة المريحة والصحة الجيدة.

ولم يكن العرس في «الأول» على هواية المعرس وانما تكون العروس من الأقارب والولد لا يخرج عن «شور» أهله، وبنت العم لا يتزوجها الغريب أما اليوم فكل شخص يختار كما يحلو له، وصارت ثلاثة أعراس أي حفلات بدل العرس الواحد، والأكل الزائد يرمى في القمامة، والتبذير والتفاخر والتنافس شديد بين الناس، فكل واحد يريد أن يتفوق على الآخر في حفلات عرسه.

ويتحدث عن اسماء الأماكن في شيص قائلا: «نحفظ اسماء الأماكن عن أهلنا فقد أوصانا أجدادنا بها لأنها أرضنا ولابد أن نعرفها، ومن مناطقنا وادي الغزير ووادي روغ ووادي الخيمة والرابع ووادي الشعبة، وخب السلوم وخب السلوم العودة وخب السلوم الصغيرة وعقبة القش وخبة الحلب العودة وخبة الحلب الصغيرة وغليل محربة والمداوير وغليل لمبوا وغليل الخبيب وغليل يب الحقل وغليل السلوة وغليل خربدان قطاطة ويو السلع وغليل اصباره وغليل الحويل والخبة وغليل السيب وغليل دحرة والبديع وغليل الفح وغليل سابة القوش والعقيبة.

وغليل السابة المقطاع وغليل مسيرع وغليل نغالة والعقبة البيضاء، وكانت توجد في المنطقة صخرتان كبيرتان جداً اكبر من مجلسنا هذا واحدة اسمها الربعة وواحدة الكاسي، وفي البلد كان «ماشي مبازر» فكانت الشجرة في الوسط هي البريزة وشجرة الاثب الكبيرة يتجمع عندها الناس في الأعياد والمناسبات وهي بمثابة ديوان المنطقة، و كان هناك طريق فيه صخرة قديمة مكتوب عليها «صار ليرى الحب بقرون، لا طلقنا حريمنا ولا بعنا أولادنا».

وكانت البيوت خيام في سعف النخيل والبيت «العود» فيه كارين ومخزن والعائلة الصغيرة تبني خيمة تتذرن بها.

ويتحدث النقبي عن شهر رمضان الكريم حين يحل على الناس فيقول «رمضان أول ارحم عن رمضان اليوم فيه تآلف وفيه «لف»، وفي الماضي كانت الناس تفطر مع بعضها ويجتمعون بعد صلاة التراويح للحديث والتواصل، وكان هناك مسجد من التراب والحصا مسقوف بالدعون والمدوع يؤذن في المسجد ويأكل من النخيل الوقف للمسجد.

وللتأكد من هلال الشهر يطلع الشخص «النظير» أي صاحب البصر القوي باتجاه القبلة ليشاهد الهلال ولم يكن هناك «دوربيل» مثل اليوم وكان الناس يذمموا على الرجل ويحلف على مشاهدته فيصوموا ولا يفطروا حتى يتثبتوا من وقت الغروب وكان العيد على الهلال كذلك، وعندما يصلون صلاة العيد ينتقلون لتهنئة الناس في مكان الى مكان وكان الرجل اذا ذهب من البيت الى المصلى من سكة معينة عاد من سكة اخرى.

اما الطعام في رمضان فكان الفطور من التمر واللبن والكامي والشعاء و«خبز» و«عيش» أو مردودة من بصل ولومي وثوم أو لحم أو دجاج طازة ولا يوجد شيء مثلج وكانوا يأكلون الهريس والبلاليط والمحمر «عيش ودبس» ويخبزون الخبز على طوابي وهي قطعة من حديد يضعونها على الاثافي من الحصا ويقودون النار تحتها».

استأذننا من الوالي لنتجول في المكان حتى نعرف تفاصيله فرافقنا لتجد مشاهد من الطبيعة قلما نجدها في مكان آخر، فقد كانت عيون المياه الجبلية جارية وقد كونت من حولها بركاً للماء العذب يأتي اليها السياح فيتمتعوا بما قدمته الأرض لزوارها، تركنا شيص مقدمين الشكر لواليها الذي اصر على اتمام ضيافتنا وقد قدم لنا ذبيحة لتعوض الغذاء الذي فاتنا لكننا وعدناه بزيارة اخرى نترك له فيها حرية التصرف في ما يقدمه من ضيافة، وقد عرفنا من تلك الزيارة ان المكان له خصوصية وسمات خاصة كما الانسان الذي يمتلك من الطباع نبيلها.

استطلاع: دلال جويد