إذا كان لابد من الكلام فليكن القول حسناً جميلاً فهذا هو الاصل في التخاطب بين الناس، فالكلمة الطيبة الحسنة شعار ودليل على طيب قائلها كما انها تحيل العدو إلى صديق وتقلب الضغائن التي في القلوب إلى محبة ومودة وولاء.. هكذا علمنا الإسلام وأوصانا بالكلمة الطيبة التي تقطع على شياطين الإنس والجن وشاياتهم ووساوسهم وسعيهم في الأرض فساداً.
وفي كتاب أدب التخاطب» يؤكد المؤلف ابو عبد الله مصطفى العدوي على ضرورة تعلم أدب التخاطب لتكون الكلمة الطيبة شعارنا مع العمل على اشاعة هذا الأدب في مختلف جوانب الحياه من حولنا ولدى الآخرين ففي كل موضع لغة ولكل حادث حديث قال الله تبارك وتعالى «إليه يصعد الكلمة الطيبة والعمل الصالح يرفعه» فاطر 10 و«الكلمة صدقة» كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أوائل التعاليم في أدب التخاطب تأتي ضرورة التحلي بالتواضع وعدم التعالي على الناس في الخطاب فيلزم الانسان التواضع في الخطاب مع الناس ولا يتكلم معهم بطريقة المتعالي المتكبر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اخرجه مسلم في صحيحه من حديث عياض بن حماد المجاشعي رضي الله عنه «وإن الله أوحى إلي ان تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي احد على احد» وقال صلى الله عليه وسلم «وما تواضع احد لله إلا رفعه الله».
أيضاً في الصفات التي يجب ان يتحلى بها المسلم طلاقة الوجه وانبساطه عند الخطاب اثناء الحديث مع الأخوان والآخرين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو ان تلق أخاك بوجه طلق».
وفي رواية عن أحمد من حديث ابي جري الهجيمي، «لاتزهدن في المعروف مالك ولو ان تلق اخاك وانت منبسط إليه وجهك «وجرير البقلي يقول ما رآني النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي» ويشير الكتاب إلى انه عند الحديث مع الناس يجب البدء بالأهم، ألا ترى إلى قول شعيب عليه والسلام إذ يقول لقومه «ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان «هود 84، فقدم الأمر بالعبادة على النهي عن البخس والتطفيف في المكاييل والموازين.
وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تقوم على قوم من اهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى ان يوحدوا الله».
وأحياناً يحتاج الأهم من الكلام إلى تقديمه بأمور هي دونه في الاهمية فليفعل ذلك اذا اتيح له وتكون هذه صورة مستثناة، وفي تقديمات الخطاب وتأهيل المخاطب لاستقبال الحديث يذكر المؤلف أنه في كثير من الأحيان يكون من الانسب تقديم بعض المقدمات قبل طرق الموضوعات تمهيداً لبدء الحديث وفي ذلك أحياناً البدء بخطبة وهي الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ بها ويعلمها اصحابه ففي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ان ضماداً قدم من مكة، وكان من أزد شتوءه وكان يرقى من هذه الريح فسمع سفهاء عن اهل مكة يقولون إن محمداً مجنون فقال:
لو اني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال فلقيه فقال: يا محمد اني أرقى من هذه الريح وان الله يشفي على يدي من شاء فهل تك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الحمد الله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له، اما بعد..» فقال اعد علي كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال : لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك.. ولقد بلغن ناعوس البحر. وقال هات يدك لأبايعك على الإسلام.
كما ان هناك تقدمات تناسب موضوع الحديث فأحياناً يقدم الخطاب بكلمات تتناسب مع ما سيذكر من الحديث كتقدمة بما يرفع الحجر عن المتكلم أو يطلب بها تثبيت المخاطب ونحو ذلك ومن ذلك قول ام سليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يارسول الله ان الله لا يستحي من الحق، ثم سألته سؤالاً فقال : هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟».
وقول همام : لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد على في نفسك» ويستفاد من هذا الحديث ما يتعلق بفقه الخطاب ، ترك الاسترسال في الحديث اذا لم تكن فيه فائدة».
ومن ذلك قصة أم سليم مع زوجها رضي الله عنهما لما مات ولدها فانظر إلى حديثها الطيب قبل ان تخبر زوجها بوفاة ولده. أخرج البخاري ومسلم في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان ابن لابي طلحة يشتكي فخرج ابو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال ما فعل ابني : قالت ام سليم هو اسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى ثم اصاب منها فلما فرغ قالت: وار الصبي، فلما اصبح ابو طلحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال «اعرستم الليلة» قال نعم، قال اللهم بارك لهما في ليلتهما ، فولدت غلاماً».
كما ان ام سليم كانت مثلاً في تقديم الاعتذار عندما تقدم لها ابو طلحة بخطبتها فقالت، والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد ولكنك رجل كافر، وانا إمرأة مسلمة لا يحل لي ان أتزوجك فإن ذلك مهرها، قال ثابت فما سمعت بإمرأه قط كانت اكرم مهراً من أم سليم.
كما يذكر الكتاب طرفا من أدب النصح والخطاب والتوجيه فإذا أخطأ فاضل من الفضلاء في مسألة وزلت قدمه فيها ورأيت ان تبيني له وجه خطئه فيها فذكره بما فيه من محاسن بين يدي بيانك وتبيهك ثم قدم نصيحتك فيكون ذلك أدعى لتهيئة مشاعره لقبول قولك والعمل بنصحك فما من البشر احد إلا وزلت قدمه في مسألة من المسائل أو أخطأ في فهمها فأذكر لأهل الفضل فضلهم والتمس لهم معاذير في أخطائهم، فإذا أخطأ شخص في مسألة فقل له مثلاً:
يا هذا عهدناك تفهم ونعرف عنك الفضل والذكاء ولكنك في هذه المسألة ابتعدت شيئاً ما عن الصواب فلعلك مرهق، لعلك متعب، لعلك.. وذلك حتى تسمح له بالتفكير وإعادة النظر، وايضاً يحافظ على حقوق وأعراض من نقوم تصرفاته أو نوضحها له إذا خفيت عليه.
أيضاً هناك طرق للاقناع فيوجد تقرير المخاطب بأصول وقواعد ثم البناء على هذه الاصول والقواعد بعد إقراره وهي طريقة لها أصلها وأدلتها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأفعال العقلاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم للمشتركين في بداية دعوته آخذاً منهم الاعتراف والاقرار بصدقه» أرأيتم لو أخبرتكم إن خيلاً بالوادي تريد ان تٌغير عليكم اكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
وأنظر إلى ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار لما أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً فكأنهم وجدوا (أي حزنوا) إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وكنت متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي «كلما قال شيئاً قالو :
الله ورسوله آمن ثم قال لهم: ألا ترضون ان يذهب الناس بالشاه والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم «، أيضا هناك الطريقة التي سلكها الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسر العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي طريقة من طريق الأدب في الخطاب فلما اسر العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشتركين يوم بدر استأذن رجالاً من الأنصار الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقالوا إئذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال لا تدعون منه درهماً واحداً) فالأنصار اخوال ابيه عبد المطلب (اي اخوال والد العباس) وهي درجة قرابة أبعد من قرابة العباس من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعباس هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا إئذن لنا فلنترك لعمك فداءه ولكن قالوا إئذن لنا فلتترك لابن اختنا فداءه ، وذلك حتى تكون المنة انما هي من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليهم في الإذن لهم بالتنازل عن الفديه وليس منهم على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمن على عمه بترك الفديه.
ومن أمثلة ذلك في حياتنا الدنيا وتعاملاتنا مع الناس فعندما تريد ان تطعم شخصاً من بيتك ففرق بين قولك له : هيا إلى بيتي أطعمك، وفرق بين قولك له هل تنصل على وتشرفني بالطعام في بيتي».
شخص يدعوك لوليمة عنده ففرق بين ان تقول له لن آتي وبين قولك له هل تسمح لي في التأخير لأفعل كذا وكذا ، إنك بقولك الأخير جعلته صاحب القرار مع انك في الحالين ستصل إلى مرادك بإذن الله. وكذلك اذا تقدم رجل لخطبة إمرأه فقررت في نفسها الامتناع عن الزواج به ففرق بين قولها له:
انا أرفضك أو لا أرغب فيك، وبين قولها له إني رأيتك فرأيت أنك تحتاج إلى إمرأة هي أفضل مني، أو من بلدتكم بعيده عن بلدتي ووالدتي لا ترغب في غربتي، إلى غير ذلك من أساليب الامتناع الطيبة التي لا تكسر الخاطر ولا تهين مسلماً و لايجرح حياء.
القاهرة ـ محمد الصادق
