لم يجذب مشهد في دبي أنظار الرحالة والزائرين إليه طوال عقود كما جذب مشهد أسواق دبي النابضة بالحيوية والتي تفوح منها روائح الماضي وتختلط بها روائح ذلك الزمن. فكان منظر التوابل المكدسة والبهارات المعروضة أمام واجهة المحلات التجارية في الأسواق المسقوفة في ديره ودبي من أكثر المناظر التي بهرت الزائرين.

هذا المشهد كررته كتابات الرحالة ومشاهدات الزائرين العرب والغربيين إلى دبي حتى مطلع الستينات، عرفت دبي منذ القدم كسوق رئيس لمنطقة الخليج بأسرها، سوق للمبادلة ومقايضة بضائع المنتجة محليا في الخليج ببضائع الهند وبلاد فارس.

فقد كانت في الماضي تفدها القوافل التجارية للبيع والشراء حيث عكست هذه الحركة التجارية النشطة مكانة دبي كسوق رائج لبضائع الشرق والغرب. فلم تكن دبي مركزا لبيع الأغذية والأدوات الأخرى كالأخشاب والفحم بل بيع الحيوانات كالجمال والماعز وغيرها. لذا اعتبرت دبي سوقا رائجا لسد احتياجات منطقة الداخل في الإمارات ومنطقة عمان.

كان انعدام الزراعة في دبي يعنى أن المدينة كانت تعتمد على الاستيراد لسد جميع احتياجاتها الضرورية وغير الضرورية. كانت دبي تستورد معظم احتياجاتها الضرورية من الغداء من الخارج. فقد كانت الهند وبلاد فارس أكبر وجهتن مصدرتين للغداء لدبي. فمن الهند كان يأتي الأرز والشاي والدهن وغيرها من المواد الأساسية ومن فارس تأتي الأخشاب وماء الورد والتوابل.

أما الخضروات والفواكه فكانت تأتي إلى دبي من عمان الداخل حيث يأتي اللومي أي الليمون والتمر والموز وبعض الفواكه كالرمان والمانجو العماني. ومن الفجيرة ورأس الخيمة تأتي الخضروات الطازجة. وعندما ينتهي موسم الزراعة في رأس الخيمة تبدأ دبي في استيراد مستلزماتها من الخضار من لبنان حيث تعج أسواق دبي باستمرار وعلى مدار السنة بكافة أنواع الخضار والفواكه.

كان سوق السمك والخضار من أنشط الأسواق كونه يلبي الحاجة اليومية للأهالي. وكان السوق يقبع قريبا من الخور حيث يأتي الصادين حاملين ثمار البحر لبيعها في تلك الأسواق. ويحرص الأهالي على شراء مستلزماتهم من السمك بصورة يومية. كما كان غياب طرق التبريد الحديثة يعني أن الناس كانت تشتري احتياجاتها من الطعام بصورة يومية.

حرصت النساء على المشاركة في عملية بيع السمك والخضار. بل أن الرجال كانوا يفضلون أن تعمل النساء في هذه المهنة حيث أن خبرتهم في المساومة كانت كبيرة. وتروي الوثائق التاريخية يوم أن قرر الشيخ سعيد بن مكتوم، حاكم دبي (1912- 1958) تنظيم العمل بسوق السمك. فصدر قرارا بمنع النساء من البيع.

فاحتج الرجال على هذا القرار لكونه حسب قولهم غير منصفا. فهم، أي الرجال لا يستطيعون قضاء الليل في صيد السمك ثم النهار في بيعه. والحقيقة كما ذكرها، أحد الرحالة، أن النساء كن أمهر من الرجال في بيع السمك. كما كان المردود المالي لعملهم دوما أكبر من عمل الرجال. فما كان من الشيخ بعد هذا الاحتجاج الذكوري ألا أن عاد عن قراره سامحا للنساء بمعاودة ممارسة مهنة بيع السمك.

كانت الجالية الفارسية هي المتحكمة في البيع بالجملة والمفرق. فقد كانت أسواق تجار «الكراشية» و«اللأرية» (وهم التجار الفرس الذي وفدوا إلى دبي من منطقة كراش ولار) تعج بكافة أنواع البضائع جلبت من كافة نواحي العالم ولكن أغلبها من الهند وفارس. فقد كان التجار يعرضون بضاعتهم في أكياس كبيرة أمام متاجرهم.

وكانت وسائل حفظ الأطعمة والغذاء بدائية. ولكن بتطور دبي ظهرت محلات بقالة حديثة مبردة وقادرة على حفظ الطعام بصورة صحية وحديثة. وبدأت المأكولات المثلجة والمحفوظة المستوردة من كينيا، كالفواكه المعلبة وغيرها، تظهر في الأسواق وتنافس المأكولات الطازجة. كما ظهرت أوروبا كأكبر مصدر للأطعمة لدبي، وخاصة الأطعمة المعلبة واللحوم والأطعمة الجافة والتي أصبحت مطلوبة في أسواق دبي نتيجة لتغيير نمط الحياة ودخول أنماط استهلاكية جديدة مع وفود أعداد كبيرة من المهاجرين إلى دبي.

لم تعرف دبي قديما الأسواق المتخصصة. فقد كان السوق لبيع جميع الأساسيات والكماليات. فهده الأشياء كانت تباع جنبا إلى جنب. وما عدا سوق الخضار في القريب من الشندغة (الذي يخدم بر دبي) وأسواق أخرى مماثلة تخدم بر ديره ، لم تعرف دبي الأسواق المتخصصة.

فقد كان سوق بر دبي القديم يتميز بأن محلات البقالة ومحلات بيع الكماليات الأخرى كالملابس وغيرها، كانت تقع جنبا إلى جنب. كما كانت محلات الخدمات كالخياطة والحلاقة والحدادة والنجارة والصفارة تقع بالقرب من بعضها البعض. بل أن نفس السوق كان يصبح أحيانا سوقا لبيع الحيوانات الحية والحطب. فقد كان البدو الرحل يأتون إلى الأسواق في قوافل كبيرة وصغيرة لبيع الحطب والثمام (عشب تأكله الأغنام والماشية) ويقايضون به الشاي والسكر والسمك.

كانت الحرية التجارية السائدة في دبي مصدر جذب لذلك الميناء. فقد عرفت دبي بأنها «هونغ كونغ» الخليج. وقد جذبت تلك الحرية وقلة الضرائب أجناس كثيرة للمتاجرة مع دبي. فتجار الهند وباكستان وإيران يأتون لدبي لشراء ما تحتاجه أسواقهم جالبين معهم بضائع بلادهم. فتتم المقايضة بين التجار محققة أرباحا وفيرة للبائع والمشترى.

اعتمد تجار دبي في مطلع الستينات على تجارة اعادة التصدير حيث بلغت تجارتهم تلك ما قيمته 45 مليون روبية هندية. فكانت السلع تأتي إلي ميناء دبي ليتم تصديرها إلي الأسواق المجاورة. وأحيانا كثيرة كانت أسعار السلع في دبي أقل من بلد المنشاء نتيجة لقلة الضرائب المفروضة عليها. ومن السلع المحلية التي كانت تصدر للخارج محققة أرباحا كبيرة كان السمك المجفف المعروف محليا باسم «العومة» أو السردين.

فقد احتلت تجارته مركزا رئيسا في قائمة الصادرات المحلية. فقد درج سكان دبي على صيد كميات هائلة منه بالشباك من مياه الخليج ثم يلقون بها على الرمال الجافة حيث تترك بضعة أيام تحت أشعة الشمس لتجف قبل استعمالها إما كسماد للمزروعات أو طعاما للأبقار. وما يفيض عن الاستهلاك المحلي كان يصدر لسيلان والهند وأوروبا بما قيمته نحو مليوني روبية هندية سنويا.

اشتهرت دبي بكونها ثاني أكبر مركز لتجارة اللؤلؤ في الخليج بعد البحرين لدرجة أنهم أطلقوا على تجارها لقب «ملوك اللؤلؤ». وكان تجار اللؤلؤ يجمعون حصيلة الموسم ويسارعون إلى أسواق الهند الشهيرة « موتي بازار» والذي يعد أكبر أسواق بومباي لبيع انتاجهم.

وظهرت في دبي في عقد الستينيات مجموعة من الأغنياء بلغ عددهم حوالي 60 مليونيرا على حسب رواية أحد المراقبين. وقد جمع هؤلاء ثرواتهم من تجارة اللؤلؤ ومن المتاجرة بالذهب مع الهند. وكان التجار الهنود والفرس يأتون لدبي للتبضع بما تعرضه أسواقها من كماليات تفتقر لها أسواق بلدانهم نتيجة الضرائب الناهضة التي كانت تفرض على السلع المستوردة.

فكان هؤلاء التجار يفدون لدبي لشراء الذهب والساعات والولاعات وحتى شفرات الحلاقة من أسواق دبي بكميات هائلة لينقلوها إلي بلادهم على ظهور السفن التي كانت ترسو على ضفاف الخور. لقد حققت تجارة الترانزيت لدبي موقعا متميزا على الخريطة الاقتصادية للعالم.

في مطلع الستينيات برزت الحاجة لتحديث المدينة وزيادة المرافق الخدمية فيها وخاصة الأسواق. لقد تضاعف عدد سكان دبي وازدادت مطالبهم الكمالية.

فبالإضافة إلي المتاجر الكثيرة التي تخصصت في بيع المنتجات الصينية والتايوانية والتي كان بعضها يفرغ في دبي كترانزيت ليعاد تصديره إلي موانئ الهند وفارس ومدن الخليج الأخرى، بدأت الحاجة في دبي تظهر للأسواق المتخصصة، وهكذا بدأت تظهر في دبي المتاجر المتخصصة لبيع الأثاث والكماليات وبيع الالكترونيات وخاصة مع ظهور المحطات التلفزيونية في الكويت والظهران والتي كانت تلتقط في مناطق دبي، خاصة في شهور الصيف الرطبة.

هكذا وضعت دبي منذ أوائل القرن العشرين قدميها على أول الطريق لتصبح في نهاية ذلك القرن كأفضل وجهة شرائية وكسوق تجاري يغطي نشاطه ليس فقط منطقة الخليج والشرق الأوسط بل شبه القارة الهندية وأفريقيا.

ترصدها: د. فاطمة الصايغ