إجابة السائلين عن أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبيت من رسالته كما قال الله تعالى في جواب سؤال أعدائه إيّاه: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً».

ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة وعلى نوبات متعددة حاكية أنهم سألوا ولا يزالون يسألون. فلا ريب أن ينزل الجواب عنها كذلك في أوقاتها المختلفة ونوباتها المتعددة مجاراة للقضايا والوقائع في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها ووقوعها.

ومعلوم أن تلك القضايا والوقائع لم تقع جملة بل وقعت تفصيلاً وتدريجاً فلا مناص إذن من فصل الله فيها بنزول القرآن على طبقها تفصيلاً وتدريجاً والأمثلة على هذا كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى في سورة النور: «إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم» إلى قوله سبحانه:

«أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم» وهناك عشر آيات نزلن في حادث من أروع الحوادث: هو اتهام السيدة الجليلة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك وفيها دروس اجتماعية لا تزال تُقرأ على الناس كما لا تزال تسجل براءة الطاهرة من فوق سبع سموات.

ومن الأمثلة قوله تعالى في مفتتح سورة المجادلة: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) إلى قوله تعالى: (وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم). وهن ثلاث آيات نزلن عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها وجادلت الرسول بأن معها صبية صغاراً إن ضمتهم إلى زوجها ضاعوا وإن ضمتهم إليها جاعوا.

لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها وإرشادهم إلى الصواب في الوقت نفسه. ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها متكافئاً معها في زمانها. إقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة آل عمران (وإذا غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) إلى آيات كثيرة بعدها وكلها نزلت في غزوة أحد إرشاداً للمسلمين إلى مواضع أخطائهم في هذا الموقف الرهيب والمأزق العصيب وكذلك اقرأ قوله سبحانه في سورة التوبة:

(ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) وهي آيات تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام الله وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك الله لهم في شدتهم وإلى وجوب أن يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم.

كشف حال أعداء الله المنافقين وهتك أستارهم وسرائرهم للنبي والمسلمين كي يأخذوا منهم حذرهم فيأمنوا شرهم وحتى يتوب من شاء منهم.

ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين... والله على كل شيء قدير) وهن ثلاث عشرة آية فضحت المنافقين كما فضحتهم سورة التوبة في كثير من الآيات وكما كشف القرآن أستارهم في كثير من المناسبات.

ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثالثة بمضامينها الأربعة في قول الله تعالى في تلك الآية من سورة الفرقان: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً).

الإرشاد إلى مصدر القرآن وأنه كلام الله وحده وأنه لا يمكن أن يكون من كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا كلام مخلوق سواه.

وبيان ذلك أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره فإذا هو محكم السرد دقيق السبك متين الأسلوب قوي الاتصال آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه وكأنه سبيكة واحدة ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل كأنه حلقة مفرغة أو كأنه سمط وحيد وعقد فريد يأخذ بالأبصار نظمت حروفه وكلماته ونسقت جملة وآياته وجاء آخره مساوياً لأوله وبدأ أوله مواتياً لآخره.

وهنا نتساءل كيف اتسق للقرآن هذا التآلف المعجزة؟ وكيف استقام له هذا التناسق المدهش؟ على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة بل تنزل آحاداً مفرقة تفرق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاماً!!

الجواب: اننا نلمح هنا سراً جديداً من أسرار الإعجاز ونشهد سمة فذة من سمات الربوبية ونقرأ دليلاً ساطعاً على مصدر القرآن وأنه كلام الواحد الديان (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرآً).