قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف»، وفي هذا المعنى قال عليه السلام أيضاً: «إن الله يبغض السائل الملحف ويحب الحيي العفيف المتعفف» وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً».

هذه خصلة كريمة من خصال المسلم خاصة الفقير الذي قل ماله، والمسكين الذي كثرت عياله، لكن نفسه كبيرة أبية، شهم كريم، متعال عن المذلة والتبعية، متسام عن التمسح بأذيال الأغنياء بعيد عن أبوابهم، يرد ما لا يحتاج إليه، ولا يطلب ما هو غني عنه، يرتاح لفقره أكثر من راحته مع كبر الأغنياء، ومشيته عزيزاً أحب إليه من طأطأة الرؤوس على موائد الكبراء، قنع بفقره، واستسلم لقضاء الله وقدره، ذلك هو العفيف الشريف.

إن الدين في حقيقته لا يشجع على الفقر، لكنه يدعو الفقير إلى أن تظهر أخلاقه، وأبرز أخلاقه هو العفة، فهي من أخلاق الفقراء خاصة ليست للأغنياء، فللأغنياء أخلاقهم الخاصة.

فالعفاف هو عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس رغبة في تحصيلها من باب سهل ميسور وهو باب الصدقة والإحسان، فهذا باب البطالين الكسالى، لكن أمامهم طريق آخر أصعب منه يوصف بالشهامة والنشاط وهو طريق العمل والإنتاج وتحصيل الرزق من أسبابه المشروعة، فرزق الله مبذول متاح للجميع ويحتاج إلى عامل ماهر ومشتغل متقن وساع دؤوب، فينال رزق الله ويمد يده إلى الناس منفقاً بدل من أن يمد يده طالباً سائلاً، فشتان بين اليدين.