الصوم عبادة فرضها الله على المسلمين في شهر رمضان المبارك. وإن كان لهذا الشهر خصوصية قدسية لدى المسلمين إلا أنه يلقي بظلاله، في أغلب الأحيان، على غير المسلمين سواء أكانوا أفرادا أو جماعات خاصة في مجتمع مثل لبنان يتعايش فيه المسلم مع ابناء الطوائف الأخرى.
لذلك، لم يعد الصيام حكرا على المسلمين، بل أصبح يشمل عددا من المسيحيين وغيرهم من أبناء الأديان الأخرى، فما الذي دفع هذه الفئة من الناس للقيام بهذه الفريضة؟ ماذا غيّر هذا الشهر في عاداتهم؟ وكيف وجدوا تجربة الصوم حسب الشريعة الاسلامية؟
أسباب عديدة دفعت أبناء الطوائف الأخرى لصوم رمضان على الرغم من أنهم لا يعرفون عن الإسلام الا القليل، فالبعض اعتبر أن إقدامه على هذه الخطوة كان نابعا من رغبته في التعرف على الدين الإسلامي، والبعض الآخر أكد أن خوضه هذه التجربة كان نتيجة عشقه للتحدي بأن يتوقف عن الأكل يوما كاملا، وآخرون، وأغلبهم من الفتيات، كشفوا عن أنهم يصومون رمضان من أجل «الريجيم»، ولكن مهما كانت الإجابات، يبقى أن هذه الفئات،على اختلافها، اختارت الصوم مع المسلمين انطلاقا من إيمانها بفكرة «أن الصوم ليس حكرا على المسلمين».
قرر شربل زغيب، منذ حوالي ثلاثة أعوام، أن يصوم رمضان كاملا كالمسلمين على الرغم من أنه ليس مضطرا لصيامه، إلا أنه اتخذ قراره هذا بعدما توفي والده واضطر للعيش في منزل عائلة جديه (عائلة والدته المسلمة)، ويقول شربل في هذا الصدد «لم أكن أفكر يوما في أن أنقطع عن الطعام لمدة عشر ساعات تقريبا، ولكن بعد وفاة والدي، اضطرت والدتي إلى الرجوع إلى منزل جدي بعدما بقينا وحدنا، خصوصا وأن جداي لأبي توفيا، ولم يعد هناك سبب لنبقى.
لذلك انتقلنا إلى ضيعة جدي «المسلمة»، وهناك أصبح لدي أصدقاء مسلمون وهم من دفعني إلى الصوم». قرار شربل كان قريبا من حيث السبب من القرار الذي اتخذه ريان، الذي يصوم من حوالى خمس سنوات، فهذا الشاب أقدم على هذه الخطوة بعدما اعتاد على النمط الإسلامي في مدرسته «أصدقائي كلهم مسلمون ونحن المسيحيين، لا نشكل في هذه المدرسة سوى 5% من الطلاب، لذلك كنا نتصرف مثلهم وهم من دعونا إلى تجربة الصيام. أعجبتني الفكرة ومنذ ذلك الوقت وأنا أصوم»، ولكن الاستثناء الوحيد لدى ريان هو أنه لا يصوم الشهر كاملا مثل شربل ولكن برأيه «لا بد من أن يأتي يوم وأعتاد فيه على هذه الطقوس».
أما بالنسبة إلى نادر العلي فقد بدأ الصوم عنده عن طريق التحدي «بعدما اتفقت مع رفاقي على الامتناع عن الأكل حتى المساء، وقد أعجبتني الفكرة وذلك لأن الشرط كان بأن أفطر معهم في أحد الإفطارات العامة، وهذا هو سبب صيامي!».
وهناك من اختار الصوم «مرغما» فصفاء تصوم شهر رمضان كاملا ولكن ليس لأنها تريد ذلك «إنما بسبب عملها في مؤسسة مسلمة» مشيرة إلى أن المؤسسة لم تفرض عليها الصيام ولكن «إكراما لزملائي أبقى من دون طعام وأفطر يوميا معهم».
وفي مقابل هذه الفئة من الصائمين، هناك فئة أخرى، خصوصا من «الجنس الناعم»، التي اختارت الصيام لهدف تعتبره «جوهرياً» وهو «الريجيم»، وتقول ريما «على الرغم من أنني لست مسلمة إلا أنني أنتظر شهر رمضان بفارغ الصبر لكي أخفف من تناولي للأطعمة إضافة إلى أن أكثر المأكولات في افطارات رمضان ترتكز على الخضار وهذا ما يناسبني».
* تجربة رائعة
لم تكن هذه التجربة مجرد «هدر للوقت» بقدر ما كانت درسا تعلم منه هؤلاء الأشخاص، فعلى الرغم من أن بعضهم خاضها لمجرد التسلية أو لتحقيق هدف معين، إلا أن معظمهم وجد في هذه التجربة سبيلا «للتفكير في الموضوع من الناحية الإنسانية»، وتقول فرح عن هذه الخطوة بأنها كانت «فرصة لي للشعور مع الشعوب الفقيرة التي لا تجد شيئا لتأكله، لقد ساعدني الصوم على التفكير بإنسانية، إضافة إلى أنني وجدت أن الدين الإسلامي دين رائع من الناحية الإنسانية».
فيما اعتبرت منال أن هذه التجربة نمّت فيها روح التعاون واحترام النظام «خصوصاً عندما كنت أفطر مع رفاقي، إذ كانت تعجبني الجلسة حول المائدة، كل واحد يقوم بدوره، فمن خلال الصيام اكتشفت المعنى الحقيقي للأسرة»، وقد استقطب هذا الرأي الكثير من المناصرين الذين وجدوا في رمضان فرصة للتوحد والشعور بالآخرين والاعتراف بهم.
ولكن أيا كانت الأسباب التي دفعت هذه المجموعة إلى صيام شهر رمضان مع المسلمين ومهما كانت الظروف، فمما لا شك فيه أن هذا القرار لم يكن مجرد خطوة عبثية بقدر ما كان نابعا من القلب، ومحبة الطرف الآخر.
بيروت ـ راجانا حمية