كنوز المخطوطات

الصحائف الإلهية

الإنسان لا يتميز عن غيره من المخلوقات إلا بالعقل، فهو المرشد له إلى ما فيه خيره في الدنيا والآخرة. فإذا ما تجرّد الإنسان عن العقل كان أقل من الأنعام، والقرآن الكريم يدعو الإنسان إلى التدبُّر والتأمل والنظر في الكون، ووسيلة ذلك العقل، لذلك أشاد به في مواضع كثيرة «آيات لقوم يعقلون»، «ولعلهم يتفكرون».

وإن مثل هذه الدعاوى من القرآن لاستخدام العقل والتدبر قد ساعد في تنقية الأجواء الفكرية، وتصويب المناخ الفكري، مما ساعد على نشأة العلوم الإسلامية، ومنها علم الكلام الذي اختص في جانب العقائد التي هي أصل الدين، وللعلماء في تعريف علم الكلام عبارات متعددة وهي تدل على اختلاف وجهات نظرهم.

أقدم هذه التعاريف تعريف أبي نصر الفارابي توفي سنة 339هـ صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الناس على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي بها صرّح واضع الملّة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل، وهذه الصناعة تنقسم على جزأين أيضاً جزء في الآراء وجزء في الأفعال. وعرفه ابن خلدون بقوله: «علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات على مذاهب السلف وأهل السنة، وسر العقائد الإيمانية هو التوحيد».

وهناك تعريفات عدة لمتقدمين ومتأخرين لن أطيل فيها، أما عن أهميته فلا يختلف اثنان في أهميته وشرفه لتعلقه بأشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى، ولأنه يبحث عن أمور العقيدة التي هي أصل العلوم. ولكننا نجد أن أي علم من العلوم الإسلامية لم يحدث حوله من الجدل والخصام قديماً وحديثاً بين مؤيد منتصر ومنتقد طاعن مثلما حدث بالنسبة لعلم الكلام، وبإمعان النظر في الخلافات حول علم الكلام فإننا نجدها خلافات تدور.

أكبرها في تقييم مدى ما استطاع أن يحققه من مهمة الدفاع عن العقيدة. فبعضهم رأى منه المنافع التي أثبتت حقائق العقيدة الإسلامية في نفوس معتنقيها بالعقل، الذي يؤيده الشرع وردت على شبه المبطلين وطعنات الحاقدين. وجانب آخر رأى فيه من السقطات والانحرافات التي ربما أضرّت بالعقيدة الصحيحة وبخاصة الأقوال المنحرفة لبعض الوافدين على الإسلام من أصحاب الديانات القديمة، فجعل ينتقد علم الكلام ويطعن فيه بالنظر إلى ما جدّه من ويلات وفتن على الأمة الإسلامية يشهد بها التاريخ، ونراها في أيامنا هذه وما تشهده الأمة من فتن وقتل ودمار بسبب أفكار واعتقادات يعتقدها بعضهم.

والسؤال الذي يحق لأي واحد أن يسأله وهو الذي نحن بحاجة إلى الإجابة عنه هو: هل المسلمون الآن بحاجة إلى علم الكلام؟ وهو يعطينا درس نشأته عبرة استمراره؟ وهل يطلب منا العصر الذي نعيشه علماً جديداً؟

ولعل مخطوط الصحائف الإلهية كما أثبت مؤلفه في مقدمته، أو ما يعرف بكتاب الصحائف في خلاصة الحكمة الإلهية وزبدة الأسرار التربوية للسمرقندي: محمد بن أشرف، يصب في بحر هذا العلم وهو من أهم ما كُتب في هذا الفن. وقبل أن نعرض لما في هذا المخطوط من علم ومن منهج في التأليف لا بد من نبذة موجزة عن المؤلف:

* المؤلف:

السمرقندي، هو محمد بن أشرف الحسيني شمس الدين عالم بالمنطق والفلك والهندسة وغير ذلك، توفي بعد 690ه، من كتبه: شرح لهذا الكتاب وسمّاه «المعارف في شرح الصحائف، قسطاس الميزان» في المنطق وهو مطبوع. وآداب البحث والمناظرة، وأشكال التأسيس في الهندسة، ومفتاح النظر، شرح المقدمة في الجدل للنسفي، والمنية والأمل في علم الجدل.

* الكتاب:

يذكر في مقدمته أن العلم الإلهي الباحث بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة عن أحوال الألوهية والأسرار التربوية التي هي المطالب العليا والمقاصد القصوى من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية. إذ بها يتوصل إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وتصور صنعه ومصنوعاته. فدعتني هذه المعاني إلى تصنيف كتاب مشتمل على خلاصة مسائل هذا العلم على قانون الإسلام وهو المسمى بعلم الكلام، ووشحت الكتاب بنصوص التوراة والإنجيل استشهاداً على صحة نبوة خير البرية واستلالاً على فساد عقائدهم الردية.

وقد رتبه كما ذكر على مقصدين:

المقصد الأولى (في المبادئ): ففيه مقدمة وفيه فصلان الأول في ماهية علم الكلام والثاني في أقسام الموجودات وثلاثة أقسام كل قسم ينقسم إلى صحائف وكل صحيفة تنقسم إلى فصول، القسم الأول في الأمور الشاملة، والثاني في الأعراض والثالث في الجواهر.

المقصد الثاني (في المسائل): وفيه تسع عشرة صحيفة منها الأولى في أوصاف الله تعالى، والثانية في الاستدلال على وجود الواجب، والثالثة في الوحدانية، والرابعة في كيفية صدور الفعل عن الله تعالى، والخامسة في علم الله تعالى، والسادسة في إرادة الله تعالى، والسابعة في حياة الله تعالى، والثامنة في كونه تعالى متكلماً والتاسعة في رؤية الله تعالى، والعاشرة في الصفات السلبية، والحادية عشرة في شمول قدرة الله تعالى، والثانية عشرة في أفعال العباد.

والثالثة عشرة في أسماء الله تعالى، والرابعة عشرة في حدوث العالم، والخامسة عشرة في النبوة ولواحقها، والسادسة عشرة في المعاد، والسابعة عشرة في الإيمان، والتاسعة عشرة في الإمامة، وكل صحيفة فيها فصول آخرها فصل في أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم..

وهذا نموذج لما جاء في الكتاب: في المقصد الثاني: في المسائل، الصحيفة السابعة عشرة في الإيمان والإسلام والكفر. الإيمان في اللغة التصديق وفي الشرع مختلف فيه، فقال المحققون هو تصديق الرسول بكل ما علم بالضرورة... إما قيد بالضرورة لأن منكر الاجتهادات لا يكفر إجماعاً، ويقرب منه ما نقل عن أبي حنيفة رحمه الله أن الإيمان هو المعرفة والإقرار...

ونقل عن السلف أنه التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فمن أخل بالتصديق وإن شهد وعمل فهو منافق ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق، وهذا قريب مما نقل عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الشافعي رضي الله عنه أنه معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.

*؟ النسخة المخطوطة:

نسخة محفوظة في مكتبة معهد الاستشراق بسانت بطرسبرغ بروسيا تحت رقم 1078 A، عدد الأوراق 151 ، قياس: 5,1120سم، الناسخ: أحمد بن عبدالمجيد بن جمشيد، تاريخ النسخ: أواخر ربيع الأول سنة 692هـ بمدينة تبريزي.

توجد منه نسخة في دار الكتب المصرية برقم 1011، ونسخة أخرى بمكتبة تشستربيتي.

وأخيراً ونظراً لأهمية الموضوع نرجو أن يحقق الكتاب تحقيقاً علمياً. يفيد أهل الاختصاص وغيرهم لأنه يتناول جانباً من التفكير في العقيدة الإسلامية، وسيساهم في الاطلاع على علوم السلف.

سميرة بن عنتر

تعليقات

تعليقات