من الكتاب الفرنسيين الكبار الذين زاروا الشرق وكتبوا عنه، ثيوفيل غوتييه الذي عاد من زياراته، لا سيما الى مصر بالعديد من النصوص والكتابات وأشهرها حكاية «المومياء» التي قُلّدت كثيراً واعتبرت من أمهات أدب الرعب، وحولت أفلاماً عديدة.

هنا في النص التالي المأخوذ من كتاب لغوتييه جمع بعنوان «رحلة إلى مصر» مشهد رصده الكاتب من على شرفة فندق شيبرد أواسط القرن التاسع عشر حين كان مصاباً بجرح منعه من التجول مع رفاقه في أحياء القاهرة:

.. كان الجرح الذي أصابني يستدعي مني أن أبقى يومين أو ثلاثة في راحة مطلقة، والحال أن هذا الأمر أزعجني، إذ حين يكون المرء على سفر، تخامره دائماً فكرة أن ينطلق في دهاليز الشوارع والأزقة وأن يختلط بزحام الناس، ولكني وأنا في تلك الحال، ما كان لي أن أفكر بذلك على الإطلاق، لذا كانت الفكرة الوحيدة التي خامرتني عند ذاك هي أن القاهرة كلها سوف تأتي إلي إن لم أتمكن أنا من الذهاب اليها... والحقيقة أن القاهرة كانت من اللطف والتهذيب بحيث فعلت ذلك.

ففي الوقت الذي كان فيه رفاقي الأكثر حظاًّ قد انتشروا في المدينة، اكتفيت أنا بأن أجلس على شرفة الفندق مسلحاً بمنظار مكبر، وكانت جلستي في أفضل مكان يمكن اختياره، إذ من هناك، حتى وان لم أنظر ناحية الساحة أمامي، كان في وسعي أن أرصد وجود أعداد كبيرة من المناظر والوجوه الغريبة غير بعيدة مني.

كان هناك التراجمة من يونانيين وأقباط مضمرين الطربوش ومرتدين السراويل الواسعة والقفطانات العريضة، وكان هناك القواصون المرتدون ثياباً شرقية زاهية مزينة، وكل منهم يحمل في يده عصا ذات مقبض فضي، والى هؤلاء يضاف الخدم في أثوابهم البيضاء الفضفاضة وأثوابهنّ الزرقاء أو الوردية.. والزنوج الصغار عراة السيقان والأذرع مرتدين ثياباً قصيرة ذات خطوط فاقعة اللون..

وحول المكان كان يحوم الباعة يعرضون كوفيات وغندورات وأقمشة شرقية مصنوعة في ليون الفرنسية، وحول هؤلاء كان المصورون يعرضون مشاهد مغرية وقاهرية، هذا إذا غضضنا الطرف عن المسافرين أنفسهم، آتين من كل أصقاع العالم والذين يستحقون على أية حال، شيئاً من انتباهنا.

في بوابة الفندق، عند الجانب الآخر من الطريق، كنت أرى تحت ظل أشجار الميموزا العملاقة العربات الموضوعة تحت تصرف الضيوف بفضل كرم ضيافة الخديوي نفسه.. وكان ثمة مفتش أعور، حلّق فوق رأسه جزء من قفطانه الأزرق، يسعى الى جعل العربات تتقدم ناقلاً الى الحوذيين أوامر المسافرين الأجانب، وهنا أيضاً لاحظنا وجود كتيبة من الحمارين مرابطة، مع حميرها ذات الآذان الطويلة. لقد قيل لنا إن القاهرة تضم ما لا يقل عن ثمانين ألف حمار.. أما السكان فيبلغ عددهم أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة.

والحقيقة أن المرء قد يخالجه الانطباع بأن عدد السكان أكبر من هذا بكثير، طالما أنه يشاهد زحام الناس العجيب في كل مكان، في الساحات، قرب المساجد، حول الفنادق، في الشوارع، وحتى في الأماكن الأكثر صحراوية. والحمير أمرهم كذلك.. إذ ما ان تسير في مكان حتى يطلع لك من زاوية غير متوقعة حمار يوضع تحت تصرفك، بيد أن حمير القاهرة لطيفة للغاية ومرحة والحقيقة أن المرء إذ يطيل في الحديث عن الحمير، فما هذا إلا لأنها تلعب دوراً كبيراً وأساسياًّ في حياة هذه المدينة.

المهم أنني فيما كنت أشاهد ما يحدث أمامي وحولي، فيما أنظر من شرفتي، لمحت صبياًّ عمره بين الثانية عشرة والرابعة عشرة، يقترب من الفندق، وكان لباسه يتألف من قلنسوة ومن ثوب عريض ذي أكمام طويلة وعريضة، لا يكف عن رميها على كتفيه في حركة شديدة الأناقة والأبهة. وكان يبدو عليه من الرهافة والذكاء ما لا تسمح به سنه الصغيرة عادة. أمام حركاته فكانت لها سهولة ودقة حركات الناس المعتادين على العمل أما جمهور ما.

وكان يتدلى الى جانبه نوع من جعبة جلدية، وكان يسير معه رفيق له أصغر منه سناًّ يجر قردين صغيرين، وإذا وجه المعلم الى القردين أمره، راح هذان يدوران، ثم راحا يسيران على أيديهما ويقفزان وينطان الى الوراء والى الأمام، قفزات لا تخلو من الخطورة، ويزعمان السقوط ميتين أحياناً قبل أن يقفزا ضاحكين، ثم يحملان عصا، يضعانها خلف رقبتهما، الى آخر ما هنالك من حركات.. وحتى هنا كان كل هذا يبدو عادياًّ لا غرابة فيه..

وكنت أعرف في بلدي مدربين عوّدوا حيواناتهم على فعل مثل هذا، غير أن الجزء الثاني من الاستعراض بدا أكثر أهمية بكثير: ذلك أن الفتى، بعد أن أظهر مهاراته في ترقيص القردين وتحريكهما، ها هو قد قرر أمامنا أن يظهر مهاراته في التلاعب بالأفعى، كان أيضاً حاوياً إذاً من ذلك النوع الذي يرقّص الأفاعي ويخرجها من مكانها، مهما كانت خطرة وسامة، بفضل مزماره الدرويشي، جاعلاً منها مطواعة تطيع كل ما يصدره لها.

ونعرف أن هذا النوع من الحواة هو الذي يؤتى به عادة الى المنازل التي يشتبه بوجود أفاعي فيها لإخراجها من مخابئها، والواحد منهم ينجح دائماً في ذلك الى درجة أن الشكاكين يقولون انه هو الذي يأتي بالأفعى ويخبئها لكي يعود ويخرجها طالبا مكافأته.

المهم هنا أن الفتى أخرج من جعبته أفعى من نوع خطر مبدئياً ولكن من الواضح أن أنيابها قد انتزعت مسبقاً، وما أن خرجت الأفعى حتى راحت تتحرك وترقص بشكل مريع وخطر.. والحقيقة أن هذا المشهد المسلّي لم يفته أن يجعل فرائصنا ترتعد على رغم معرفتنا أن ليس ثمة في الحقيقة أي خطر...

هذا العرض المريع الذي قدمه الفتى وصبيّه المساعد مع الأفعى، كان لا بد له أن ينتهي، وهو انتهى فعلاً بعد ردح من الوقت، إنما بطريقة جهنمية: كان القردان واقفين جانباً يقومان بما هو مطلوب منهما على رغم أن اهتمام الناس كله كان مركزاً على الأفعى، وفجأة تحركت هذه الأخيرة حركة متأرجحة وسريعة كأنما هي زوبعة، ما جعل القردين يصرخان فزعاً ويبدآن دوراناً لا معنى له، غير قادرين على فعل أي شيء آخر، راحا يقفزان ويدوران ويتحركان عشوائياًّ.

وقد بدت عليهما علامات اليأس. وفي النهاية ..... المعلم بالتعب كما يبدو، فما كان منه إلا أن أمر الأفعى فإذا بها، وبكل هدوء ومن تلقائها، تعود الى جعبتها المرمية أرضاً.. بينما بدأ القردان وقد أدركا بالتدريج أنهما لم يعودا في خطر، بحكّ أذنيهما وإظهار أسنانهما، بل جرؤا على أن يتناولا من معلمهما بعض ثمرات راحا يأكلانها.

كانت الإثارة العامة قوية، عند القردين كما عند المشاهدين..لكنها كانت طبعاً عابرة، وسرعان ما نُسيت..كما بدا واضحاً أن القردين نسيا الأفعى تماماً بعد لحظتين، أما الفتى فإنه، وكما يقتضي الأمر في أي مكان في العالم وفي أي عرض مشابه، راح يدور ويدور بين الحضور صارخا، «بقشيش..بقشيش» ويبدو أن تكاثر عدد الأوروبيين بين المتفرجين كان مجدياً، اذ جمع الفتى قروشاً لا بأس بعددها.

وكان المساء قد اقترب وعاد رفاقي المسافرون من تجوالهم إلى الفندق، تقذفهم العربات وسط مناخ من المرح والسعادة.. ومنذ نزولهم بدأت محادثاتهم ومناقشاتهم، وراح كل واحد يروي ما حصل له خلال اليوم، من غريب ومدهش، وفجأة وسط هذا كله اندلع صوت أرعب الجميع فسكتوا، ولوهلة سادت التخمينات قبل أن يبدو في النهاية واقع الأمر: خادم في الفندق قرع جرساً مريع الصوت ليعلمنا أن العشاء قد أصبح جاهزاً.