يعتبر المعماري العراقي رفعت الجادرجي من كبار المعماريين العرب، كما انه إضافة إلى كونه سياسيا نجل السياسي كامل الجادرجي مؤسس حزب الأهالي. ورفعت الجادرجي أغنى المكتبة العربية بغير كتاب شمل بعضها ذكرياته والبعض الآخر دراسات عن العمارة.
ومن هذه الكتب «صورة أب» الذي يقدم فيه صورة مفصلة عن والده السياسي الكبير، وكذلك «شارع طه وهامر سميث» الذي يفصل فيه مذهبه في العمارة متحدثا في طريقه عن سنوات دراسته في لندن وباريس. ولقد اخترنا من هذا الكتاب صفحات يتحدث فيها رفعت الجادرجي عن رفقته مع جواد سليم بعدما التقيا للمرة الأولى في لندن كما عن أستاذ انكليزي ترك في نفسه وحياته آثارا كبيرة.
يروي رفعت الجادرجي في كتابه المميز هذا انه حين وصل لندن في العام 1946 للدراسة عند عمه رؤوف الجادرجي، أول الأمر لمدة بضعة اشهر، وهو في اليوم الثاني لوصوله زار نجدة فتحي صفوت في السفارة العراقية.
حيث كان ملحقا ليأخذ منه عنوان جواد سليم (احد كبار الفنانين العراقيين في القرن العشرين وصاحب نصب «الحرية» الذي لا يزال قائما اليوم في بغداد) وبعد بضعة ايام اخذ الجادرجي القطار الى كامدن تاون واتجه عند نزوله في المحطة الى عنوان جواد «فوصلت بعد برهة الى جسر فوق إحدى القنوات ولاحظت رساما عند نهاية الجسر يجلس مع عدته على مقعد صغير وأمامه لوحة رسم. وظهره نحوي».
واقترب رفعت من هذا الرسام فاذا به جواد نفسه وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتقابلان فيها. فوقف على بعد مترين منه يتأمل منظره ومنظر المشهد الذي يرسمه وطال وقوف الزائر بعض الوقت حين كان الوقت غروبا وظلال الأشياء طويلة. وفي لحظة التفت جواد الى جهة مواطنه «تقدمت منه بفرح غامر وكان سرورا متبادلا».
وهنا قال جواد انه يشعر بالمارة من ظلالهم خلفه يقفون قليلا متطلعين اليه ثم يواصلون السير ولكنه لاحظ ان ظلا قد وقف ولم يتحرك وطال وقوفه وأضاف «التفت لأراك فاذا بك صافن» وضحك الاثنان وجمع جواد عدته «وسرنا نحو داره ثم الى بار قريب» وهناك ذاق رفعت للمرة الاولى طعم البصل الصغير المخلل كما يقول لنا.
وطال الحديث بين الاثنين، ثم وافق رفعت على اقتراح جواد بأن يلتقيا يوميا او كلما سنحت الفرصة خلال العطلة وحتى التحاق رفعت بالدراسة، وذلك لكي يزورا معا معارض الرسم ولكي يقوم جواد «بتعريفي وتعميق فهمي لرسوم كبار الرسامين من قدماء ومحدثين». لقد حرك ذلك كله درجات الفرح في فؤاد القادم الجديد الى لندن.
اذ ها هو الآن وجواد يتحدثان عن الفن وتطوراته المعاصرة، ويكلمه جواد عن آخر مشاهداته للمعارض والمسارح وحضوره للحفلات الموسيقية. وفي ذلك المساء نفسه ذهب الاثنان الى المسرح وفي اليوم التالي التقيا في المتحف الوطني حيث طال بقاؤهما ساعات، ثم شاهدا مسرحية اليوم السابق نفسها «وفي اليوم الثالث أعدنا الكرة صباحا في المتحف الوطني ومساء أعدنا زيارة المسرح من جديد وشاهدنا مسرحية أخرى هذه المرة».
وكان جواد خلال زيارة الاثنين للمعرض الوطني والمتحف او غيرهما من المعارض الثانوية لا ينفك يشرح لصاحبه مبادئ التكوين وعلاقات الألوان لدى مختلف المدارس والرسامين مؤكدا على بعض منهم مثل اوتشيلو من المدرسة الكلاسيكية وسيزان من المدرسة الحديثة. وكان يقول لرفعت «إذا فهمت سيزان في الرسم كأنك فهمت بيتهوفن في الموسيقى». ولقد استنتج رفعت ان صاحبه يفضّل ماتيس وبونار.
«كانت لقاءاتنا اليومية تتواصل خلال أسبوع. أما يوم الأحد فكنا نذهب إلى أحد المنتزهات. وكنا نلتقي ببعض أصدقاء جواد وهو يتحدث ويلاحظ ويعلق وكان حديثنا ينتقل الى حقل جديد بالنسبة إلي وهو الشعر المعاصر». وهكذا استمرت الرفقة بين الطرفين حتى انتهاء العطلة الصيفية حيث التحق كل منهما بدراسته.. وصارت اللقاءات بيننا متقطعة.
ومع هذا كان رفعت لا يتوقف بين الحين والآخر عن زيارة جواد في مدرسة آل سليدو «أتقصد وصول المرسم قبل انتهاء الدوام لكي أراقبه وهو يعمل، كما أراقب زملاءه وأصغي إلى أحاديثهم. وكنت في بعض الأحيان انضم إليهم واسمع المحاضرات التي تلقى عن تاريخ الفن كما احضر الندوات والنقاشات الفنية فيما بينهم». ولقد لاحظ الجادرجي بسرعة كما يقول لنا ان جواد سليم لم يكن ينظر اليه في آل سليم كمجرد تلميذ «بل كان الأساتذة والتلاميذ معا ينظرون اليه نظرة خاصة. كما كنت احس انه امهرهم فنا وأكثرهم اطلاعا على تاريخ الفن».
غير ان هذا كله لم يطل، اذ اخذت اللقاءات بين الصديقين تتباعد بمرور الزمن. وفي اوائل العام 1948 وبسبب انشغال الجادرجي بالدراسة تقلصت اللقاءات السامرة في الأسبوع، ثم السامرة في الشهر وهكذا. «وبعد فترة زرت جواد وكان مريضا وكانت تمرضه صديقة له اسمها لورنا. ثم انقطعت اخباره عني وسمعت انه قد رجع الى بغداد».
طبعا سوف يعود رفعت بعد سنوات عديدة للقاء جواد وقد أصبح الاثنان فنانين كبيرين، رفعت في الهندسة المعمارية، وجواد في الرسم والنحت. اما في لندن، فإن رفعت سرعان ما ارتبط بصداقة مع شخص آخر مارس تأثيرا عليه في فنه هو ونستون ووكر الذي كان كلف الإشراف على تطوير القسم المعماري في مدرسة هايسميث.
وكان الآثاري سينن لويد الذي يقيم في بغداد قد زود رفعت بكتاب توصية وتعريف لووكر الذي كان زوج أخته وأخذت أزورهما في مسكنهما لتناول الشاي في العصر. فكنا نتحدث عن الفن والعمارة وعن العراق.
وكان الجادرجي قد التحق بالقسم المسائي في مدرسة هايسميث على أمل ان يقبل في جامعة ليفربول او في مدرسة جمعية المعماريين «وبعد مرور أشهر، لم أتمكن خلالها من الحصول على قبول في أحداهما نصحني ووكر بأن انتمي الى مدرسة هايسميث بصفة دائمة وقال انه لا يرى جدوى من إصراري على احد العهدين المذكورين فانتميت فعلا هناك في فبراير 1947».
وأخذ الجادرجي يتطبع تدريجيا في الجو الجديد واستغرق في عمله وبدأ يجد لنفسه بعض الأصدقاء الجدد «وقد وجدت نفسي بين نوعين منهم: نوع كبير في العمر ممن خدم في الجيش وشارك في الحرب ونوع من جيلي». وفي خلال فترة قصيرة توطدت العلاقة بين رفعت وووكر استاذا تقليديا بل كان يتصف بالفكاهة والدعابة الذكية بحيث أن جمله قد تعني معاني متعددة بل قد تعني المعنى وعكسه بروح مرحة.
كان سريع البديهة وقوي الملاحظة وله اسلوبه الفذ في التدريس فاذا وجد المناخ ملائما طلب منا نحن التلاميذ الخروج معه الى خارج المدرسة فيتجول معنا في الشوارع والمتنزهات ويأخذ بإبداء الملاحظات التفصيلية عن كل شيء تقع عليه عينه، من كراسي الحدائق الى ملابس النساء بل الى أساليب مشي المارة وإذا نظر الى إحدى واجهات المخازن مثلا ورأى مكواة اولى بحديث تفصيلي وعلمي طويل عن عظام اليد وعضلاتها وأسلوب مسك الأشياء وما الى ذلك وعلاقة كل شيء من هذا بالآخر وعلاقته بفن التصميم.
وكان بذلك يحثنا على أن يطور كل منا حسه بالتصميم. مهما كان العمل المكلف به سواء أكان تصميم عمارة أو تصميم علاقة لستارة مسرح. وكان ووكر كذلك يزور معنا المتاحف والمعارض الدائمة والموسمية، فيتجول معنا فيها وينظر الى صورة هنا او منحوتة هناك ويشير تارة الى صحن نحاسي وتارة الى قطعة قماش ثم يقوم بتحليل القطعة وتكوينها وألوانها ثم يقارنها بقطعة أخرى أو يعقد مقارنة بين عصرها والعصور الأخرى وهلم جرا».