حُب «الاستطلاع الفكري»، عبارة حق أريد بها أحياناً باطل، حيث استغلت هذه العبارة من قبل العديد من الرحالة والمستشرقين الغربيين، بل وتجاوزتهم إلى الأدباء منهم والشعراء ممن سحرهم هذا الشرق الفاتن، فقدموا العديد من الكتابات كانت في أغلبها تصب في الاتجاه الآخر المناقض تماماً لهدفها السامي المفترض.

تذكرنا كتابة ثيسجر في وجه من الوجه بكتابات إدوارد لين Edaward Lan (1867-1801) الذي يُعد نموذجاً لمستشرقي القرن التاسع عشر، وهو من الكّتاب الذين هاجمهم إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق».

جاء لين إلى مصر في بداية الأمر كي يتعرف على البلد وعلى الناس وعلى الأدب العربي وكان من المعروف عنه انه كان يحب أن يختلط بالمصريين ويشاركهم في عاداتهم وتقاليدهم.

فكان يلبس الجلباب أثناء إقامته في مصر ويدخن الجوزة كأي مصري ابن بلد، ويخفي أنه انجليزي، ويُفهم الناس انه تركي حتى يتمكن من دخول الجوامع ومتابعة تقاليد المصريين وعاداتهم عن قرب، حتى بلغ به الأمر أنهم كانوا يسمونه «منصور بك» وكان هو يحب هذه التسمية.

تماماً مثلما كان يفعل ثيسجر حيث سماه البدو «مبارك» وأضاف هو لاسمه الجديد «من لندن» فحرّفت إلى «مبارك بن لندن» وبقي إلى اليوم يُعرف عند البدو بهذا الاسم، وكل من التقيت به من مرافقيه البدو ممن بقي منهم حياً لا يعرفه بغير هذا الاسم لسهولة نطقه بدل أسمه الأصلي «ولفرد ثيسجر» صعب النطق وكان من المعروف عن إدوارد لين أيضاً، كما تثبت خطاباته لأصدقائه، أنه كان يفتقد الحياة في مصر طوال وجوده في إنجلترا، وكان دائماً يسعى إلى الرجوع إلى مصر.

وعندما نراجع أعمال إدوارد لين نجد أنه فعلاً وهب حياته لدراسة كل ما يخص مصر وما يتصل بها، فإنتاجه في مجال الاستشراق - وقد عُرف مستشرقاً أكثر مما هو رحالة كتوماس وثيسجر - معروف لدى المتخصصين في هذا المجال، ومعروف عنه كباحث دقته الأكاديمية وأسلوبه المتزن، واستفاضة شرحه لما يتناوله من مواضيع، مما يثبت أنه يعرف ما يكتب عنه معرفة جيدة وأنه يخلص إلى النتائج معتمداً أساساً على ما رآه هو شخصياً.

ومن أشهر أعماله، كتابه المعروف «تقاليد المصريين المحدثين وعاداتهم» (1836) الذي ترجمه إلى العربية عدلي ظاهر نور في عام 1950 وصدر عن مطبعة الرسالة تحت عنوان: «المصريون يتحدثون، تقاليدهم وعاداتهم في القرن التاسع عشر».

وترجم لين كتاب «ألف ليلة وليلة» في ثلاثة أجزاء (1841- 1838 ) واعتمد في ذلك على معرفته باللغة العربية. ومن المعروف أن ما أضافه لين من هوامش لترجمته هذه يمثل جهداً غير مسبوق لشرح الحياة الاجتماعية في مصر، ويقال إن لهذه الهوامش في حد ذاتها قيمة كبيرة فهي تفيد الدارس الغربي في فهم كثير من النواحي المختلفة لحياة المصريين في القرن الماضي.

كما ترجم بعض مختارات من القرآن الكريم (1843) كذلك ألّف قاموساً عربياً إنجليزياً من ثمانية مجلدات (1863 - 1893 ) أضُيف إليها أربعة مجلدات أخرى نشُرت بعد ذلك تحت إشراف زوج أخته، وما زال مجمع اللغة العربية في مصر يعتبره مرجعاً، بل ويستعمله إلى اليوم كبار اللغويين كمرجع لغوي أساسي لا يُستغنى عنه.

ما أردت قوله، إن كل ما ذكرناه آنفاً يُثبت أن إدوارد لين كان مستشرقاً، وباحثاً، في علم الاستشراق أفاد بلا شك في مجال علمه وتخصصه، ولكن، ورغم حبه الشديد لمصر وللمصريين ورغم ادعائه بإنصافه لهم في كتاباته كما تذكر د. منى حسين مؤنس في كتابها «مصر في عيون الغرب وأدبه» إلا أنه قدم صورة غير إيجابية للإسلام في كتابه عن تقاليد المصريين وعاداتهم وهو بذلك يُثبت أنه تأثر بميول عامة المستشرقين في زمنه، بالرغم من أنه أكد دائماً انه حرص على الكتابة المحايدة، ويعتبر لين من الشخصيات المحبوبة جداً لدى الغربيين والمحترمة جداً بين العرب.

لا شك أن الكثيرين من الرحالة الأوربيين، وكذلك الكتاب المستشرقين - مثل لين - كانوا يأتون إلى مصر لإرضاء فضولهم والتطلع إلى معرفة تراث مصر القديمة والحديثة، وأيضاً لأسباب صحية، لكن الحياة كانت هادئة في مصر ومستقرة إلى حد كبير، واستطاع لين أن يقدم تصويراً دقيقاً لحياة مصر وعاداتها في ذلك الوقت ولم ينس أي وجه من أوجه الحياة الاجتماعية.

ويعد هذا الكتاب دليلاً سياحياً لمصر، منطلقاً من فكرة كان يأخذ بها لين في تلك الأيام عن مصر والمصريين، لذلك فهو نموذج ممتاز لكتاب مرشد للسفر لكل من يريد السفر إلى مصر، هذا إلى جانب أنه عمل أدبي جميل ومتكامل (مثل كتاب الرمال العربية لثيسجر فهو أيضاً كتاب صيغ بأسلوب أدبي جميل لا يجعل القارئ يمل من قراءته، إضافة بالطبع ما لأجواء الصحراء وما تضيفه من اكزوتيكية في هذا المجال من الكتابات).

كان يعتبر كتاب لين إذن، الكتاب العمدة لمعرفة مصر آن ذاك، وكذلك لمعرفة باقي البلاد العربية لما بين هذه البلاد من تشابه في العقيدة الدينيّة وبعض العادات والتقاليد المتوارثة، تماماً مثلما فَعَل توماس عندما ذَكَر بعض العادات والتقاليد وطقوس السَّحر والتي ربما مارَستها بعض القَبائل عن جهل وألصقها بالإسلام، وبما أن كتاب لين قد قرأه معظم الغربيين وقت أن نُشِرَ لأول مرّة ومازالَ يقرؤه كل مَن ينوي، زيارة مصر حتى اليوم، فهو كتاب مملوء بالتفاصيل عن هذا الشرق، ويثير بذلك اهتمام الغَرب بلا شك.

نفهم من ذلك، أن الصورة التي قدمها لين لمصر، الشرق، العربي، المسلم، الآخر، انطبعت في خيال كل من فكّر في زيارَة مصر من الغربيين، بل هناك الكثيرون ـ في الغرب ـ ممن كتبوا عن مصر في مجال الأدب رَجعوا إلى كتاب لين ليستكملوا شرح فكرة أو وَصف تقليد أو عادَة مصرية لم يعيشوها أو يجدوها بين المصريين عند مجيئهم إلى مصر.

وأصبح بذلك كتاب لين ـ سنقدم لاحقاً نماذج أُخرى من هذا النوع من الكتب ـ يقنع القارئ الغربي بدرَجَة أكبر من الواقع المصري نفسه، وهنا تكمن في الحقيقة خطورَة مثل هذه الكتابات، كذلك فإن الكثيرين من الروائيين الغربيين على سبيل المثال، قد نقلوا في كتابتهم وَصف لين لبعض مظاهر الحياة الشعبية بَدَلاً من أن يعتمدوا على ما رأوه بأنفسهم اعتقاداً منهم أن مصر ـ وفي كتابات، توماس وثيسجر الصحراء وإنسان هذه الصحراء - بلد لا تتغير مهما مَرَّت عليها السنين.

وأن ما كتبه لين عن مصر من هذا الكلام الذي أعجبهم - لاشك أن كتابات توماس وثيسجر ما زالت إلى اليوم تثير خيال القارئ الغربي نظراً لاختلاف موضوع الصحراء وفرادَته وتعتبر كتاباتهما من المراجع الأساسية في هذا المجال ـ فلين يقدم صورَة لبلد تثير خيالهم. فهم يفضلون أن تبقى هذه الصورَة كما هي في كتاب لين / وكما هي في كتاب توماس وكتاب ثيسجر / ثم أن أغلبهم على يقين من أنه من الصعب على هذا الشرقي / الغربي / المسلم / الآخر أن يتطور أو أن يحرز أي نوع من التقدم الحقيقي.

* اللغز الشرقي

«منذ المؤلفات الأولى عن الشرق، التي وُضعت في القرن الثامن عشر، حاول الكتّاب تطويق شَساعة هذا الموضوع وإعطاءه قدراً من التحديد اكبر، وذلك بالرجوع إلى تعريفات وصيغ موجهة للكشف للقارئ الأوروبي عن أبعاد هذا «اللغز الشّرقي» وكان امتلاك ثقافَة الشرق أفضل وسيلة لامتلاك الشرق نفسه - إرسال توماس وبعده ثيسجر في مهمتيهما لاشك أنه جاءَ من هذا المنطلق - فمتى تمَّ وصف الشرق وعرضه وتحليله وتلخيصه، أي إخضاعه إلى هذا النوع من «التشريح» إذا جاز التعبير، استطاعت القوى الأوروبية، بجيوشها وحملاتها العسكرية، أن تَدَّعي لنفسها حق التصرّف بهذا الشرق واستثماره.

وكما اُّتخِذَ عدم اهتمام الهندي الأحمر بثروات أرضه الطبيعية، أي ضرورَة استغلالها في النهاية، مبرراً لتدخل القوى الغربية (التي لا تقدم كما يبدو إلا بالتدخّل) فهي لا تعتدي ولا تمارس النهب والسلب ولا تحول «الأهلييّن» إلى عبيد أو تعرضهم إلى الإبادة، فإن جهل الأفرو ـ آسيّويين وإهمالهم لثقافاتهم الأصلية بَرَّرَ الهيمنة عليهم في نظر الأوربيين، الذين باتوا يتذرّعون بامتلاكهم معرفة أفضل لهذهِ الحضارات، ولماضيها، وحاضرها ومستقبلها، ولما تتعرض إليه من تلف، ليمارسوا دور اَلْوصي المُحْسِن بالغ الطيبة.

وكانت السرقات المنظمة لتحف حضارات الشرق الأوسط وروائِعها الفنية، لصالح «اللوفر» والمتحف البريطاني، تسبق وصول الجيوش والمكاتب الاستعمارية وتمهد له : تشكل ضمانتها الفكرية والأخلاق هكذا أصبح الشرق الذي يتم تلخيصه في «الكاتالوغات» والكتب والمتاحف ملكاً شرعياً لغرب متفوق اكثر ثقافة وأفضل إعداداً».

لذلك، كانَ الرحالة وكَتّاب المستقبل يصلون إلى الشرق الأوسط والمغرب الكبير مُحَمَّلين بالأفكار الجاهزة فهم يعرفون مسبقاً ما سَيَرَونَ ويعرفون منذ البدء ما سيكون رأيهم فيهم. فالأحكام شبه جاهزة قبل المشاهَدَة والمعاينَة.

«كانت الأدلة السياحية ـ وكتب الرحلات من أهمها ـ والفكرية تمكَّن الرحالة الغربي من تفادي الأخطاء الممكنة والأحكام الفردية. وقد وضع لورنس ما كتبه داوتي انجيلاً كان يمشي حسب إرشاداتِه، وكذلك ثيسجر استرشَدَ بما كتبه توماس قبله عن المنطقة وقبائِلها وما يمكن أن يواجهه من أخطار ومصاعب. فأفضل قراءَة للواقع متوفَّرة في الكتب التي تقبض على هذا الواقع.

أما الكتابَة عن الأخير فلا تعدو أن تكون ممارَسة لهذا الفعل العريق المتمثل في «النَّسْخ» والمعروف بـ «الانتحال» وهو يصح على الكتاب المعاصرين بقدر ما يصح على أولئك الذين قاموا في القرن التاسع عشر بوصف عادات أهل الشرق وطبائعهم. وكما كشف عنه رُوجيه Rouger وأورينت Auriant فإن مقاطع وصفية معدودَة من «رحلة إلى الشرق» و«نساء القاهرة» لنرفال Nerval ليست بأكثر من نسخة طبق الأصل من دَليل لين Lane المعروف.

والأفظع من هذا هو أن ماركس، حين زارَ الجزائِر ـ مثلاً ـ في آخر سنين حياتِه وتريد أن يقدم لإنجليز وابنتيه جيني ولورا وَصفاً بانوارمياً للعاصمة، ولبنيَة سكانها الجسمانية ونوع النبات في إحدى حدائِقها العامة، يستعيد في رَسائِلِه، كلمة كلمة، مقاطع كاملة من دليل سياحي فَرَنسي طواه النسيان، كان اسمه «الدليل الأصفر».

وما زالت إلى اليوم هذهِ الأدلة السياحية كسلسلة كتب Lonley Planet أوRaugh Guide وغيرها من الكتب السياحية تعتبر من أغلى الكتب وأكثرها مبيعاً، فهي زاخِرَة بالمعلومات المفصَّلة التي لا غِنى عنها سواءَ للزائِر أو الكاتب الذي ينوي زيارَة بلد من البلدان، أو يكتب عنه. ومعظم زوار الشرق من السياح الأجانب يعتمدون اعتماداً شبه كلي على هذهِ الأدلة، وبالطبع على مشاهدات وتجارب من سبقهم في رؤية وزيارَة هذه الأماكن قبلهم.

* في صميم ألف ليلة

عندما تخلى فلوبير الشاب عن مشاريعه الأدبية على أثر الحكم السلبي الذي لاقته روايته «غواية القديس أنطوان»، قررّ أن يواسي نفسه حلمه القديم في السفر إلى الشرق. وهكذا يُمَّمَ وجهه شطر مصر.

وما كانت فكرة السفر في اتجاه ينابيع الثقافَة العريقة بالفكرة الجَديدة آنذاك، بل إن شاتو بريان ولامارتين ونرفال وآخرين سبقوا فلوبير إلى البَحث عبر السَفَّر عن مشروع خلاّق، وعن الهوية الذاتية ووسيلة لإشباع حب استطلاع ديني أو إيروسي، هذا بالإضافَة إلى الحاجَة إلى ألوان محلية من البَلَد المزمع زيارَته. وكان خطاب الاستشراق قد وَجَّة الذوق السائِد نحو السفر أو الحج إلى سوريا ومصر والقسطنطينية، مثلما قامت موجَة «الهيبز» في السبعينات بإشاعة موضة الهَرَب إلى الهند والنيبال وأفغانستان.

وجعلت بواعث ثقافية وسياسية متنوعة من اللقاء مع الشرق إحدى التجارب الأساسية والعناصر الضرورية للتكوين الثقافي لأصحاب القلم. ولكن، ما كان الشرق هو ذاته ما يهم هؤلاء وإنما ما يُنعش فيه المواهب الأدبية ويحفّزها، بتعبير آخر، بمقتضى تأثيره على الصيرورَة الإبداعية للكاتب.

فحين رأى نرفال Nerval نساءً محجبّات للمرة الأولى في حياتِه عندما قامَ برحلته، وكتعبير عن رؤيته المشبعة بالصور الاستشراقية، هتف قائلاً: «ها أنا في صميم ألف ليلة وليلة». وشأنه شأن سابقيه، اقترب فلوبير من موضوع رحلته، وهَضَمه مسبقاً بالاعتماد على مكتبة استشراقية كانت سيادَتها المرجعية قد صارت محققة ولا يطاولها النقاش. وفي الحقيقة، هي إلى اليوم تعتبر مرجعاً للكثيرين ممن يكتبون «أدب الرحلات» في الغرب، فهي المصدر، والمعين الذي لا ينضب في تغذيَة صور غرائبية هذا الشرق.

إلا أننا، نلاحظها في الوصف السردي الذي سجله فلوبير لرحلته، وكذلك ما كتبه في رسائِلِه، أن اهتماماته طوال الرحلة لم تكن اهتمامات فنان كامن أو واعِد يتلهف لجمع المعلومات والتجارب التي ربما نافعة لعمله القادم، وإنما كانت تعبر عن اهتمامات برجوازي محب للاستطلاع - أيضاً ربما عُدَّ محباً للاستطلاع الفكري الذي نَّوه إليه برنارد لويس كما مَرَّ معنا - شكاّك، وشديد الحرص على استثمار جميع الامتيازات التي يمنحها إياه، بصورة آليه، انتماؤه العرقي والقومي والطبقي.

وبإيجاز، فان موقفه من الإنسان «المحلي» هو مزيج مدهش من موقف المستَعْمِر و«الجنتلمان» المعاصر، عضو «نادي حوض المتوسط السياحي». كما يصفه خوان غويتسولو في كتابه الاستشراق الأسباني. فما كادَ يستقر في القاهرة، حتى انتبه إلى الامتيازات الكبيرة التي تعود بها إليه إمكاناتِه المادية وجنسيته، فيسرع إلى الإفادة منها بلا تردد ولاحياء. كَتَب لأمه : «لَن نرتدي الزي المصري على شاطئ النيل. الزي الأوروبي محترم اكثر، ولذا فنسحتفظ به علينا».

تؤلف الصور النمطية التي اجترحها المستشرقون عن الشرق (خضوع، فظاظة وفساد) إطاراً مشبعاً بالألوان المحلية. كتب فلوبير وهو في مصر: «أن المشاهد الكوميدية العتيقة للعبد الذي يُجْلَد ولبائِع النساء الفظ والتاجر هذا كله ما يزال هنا شديد الجدّة، شديد الصحة، وبالغ السحر». وبرأينا أن كل ما كان يهمه هو العبارَة الأخيرة . . أي «بالغ السحر».

وبعيداً عن البذاءات و« المتع الغريبة» التي ملأ فلوبير رَسائِله بها، نراه يصف هذا المنظر اللاحضاري بل واللاإنساني والذي وَجَده في الشرق فانه وبلا شك سيضاف إلى قائِمة الكليشيهات المعهودة؛ كتب يقول:

«إن المصريين يمارسون الضرب بالعصي «بكرم بالغ» وحتى ينجو مواطن مسكين كان يحمل سلة تمر من الضربات التي راحَ يوجّهها له خَدَم فلوبير، اضطر إلى الاحتماء بالبَحر: «لم يكن اكثر طرافة من أن نشاهد مؤخرة الرجل السوداء وهي تسبح وسط الموج الأبيض. كان الرجل يصرخ من الألم كحيوان مسعور، أما نحن - يقصد هو وأصدقاءه - فكنا على الشاطئ نضحك كالمجانين. وما أزال أُحس بوجع في بطني كلما تذكرت ذلك المشهد».

وبعد سرد حوادث مماثلة كثيرة ـ تذكرنا بمحاورات توماس مع البدو وتشويهه للحقائِق - يختمّ فلوبير حديثه بحيادية ظاهرية، اعتادها كثير من كتاب الغَرب حين يكتبون عن هذا الشرق،: «يشكل البقشيشْ والعصا، الحقيقة العميقة للعَرَبي. لا تسمع (هنا) شيئاً آخر، ولا ترى شيئاً آخر» وسوفَ تحقق كليشية «الترغيب والترهيب»، التي تصوّرها كلماته الآنفة رواجَها السريع، وتشكل أحد عناصر «المغامّرّة الاستعمارية الكبرى» إنها «الأُسس» التي حاوَل حفرها الاستعمار وهو يجد له موطئ قدم في هذا الشرق، قبل أن يهيمن.

فشعوب مثل هذه التي يصفها فلوبير وأمثاله كُثر «ستكون بحاجة لمن ينقذها من ذلك الفَساد «البقشيش» وذلك التسلّط والدكتاتورية «العصا» ألا يذكرنا قوله، بمقولة مشابِهَة لثيسجر: «إن حياة البدو ليست إلا عملية طويلة من الاستجداء الذي لا ينقطع».

ويزعم فلوبير أن صبياً في سن السابعة أو الثامنة قال له: «أعطِني خمس بارات (قطع نقدية من بارَة وهي عملة عثمانية ) لأتناوَل على شرف النبي شيئاً من العسل (أو لعل المقصود هنا نوع من الحلاوَة)، وسآتيك بأُمي «أن فلوبير، كان قد سافَرَ إلى مصر بَحثاً عن «المتعة الحرة» و«زهيدة الثمن» بخاصة على حد تعبيره.

وكانَ وَضعه ووضع مرافقه، صديقه دوكان، المحاط بالامتيازات لدواع ثلاثة: كونهما رجلين، وكونهما أوروبيين، وأخيراً كونهما برجوازيين، يمكنهما من اختيار ما يرغبان فيه، ومتى رغبا فيه، ومن أسلوب تعبيره عن مشاعِرِه تجاه «المحليين» فما كانا هو وصديقه في أدني لحظة ليتساءلا عما إذا كانَ هؤلاء السكان يتمتعون بالحرية نفسها التي تمتعا بها.

بالنسبة لفلوبير الكاتب كانت فرصة، أو حلم يتحقق بتمتعه بملذات هذا «الشرق الفاتِن» كتب لأُمه «تسأليني إذا كانَ الشرق بمستوى ما كنت أتصور، وهو كذلك بالفعل، بل إنه ليتجاوز ما كنت أتوقع أن يكون عليه. وجدت ما كان يغمض على فهمي كالضباب وهو يرتسم بأنصع صورَة ممكنة. حَلَّت الواقعة محل التوقّع، فكنت كمن يستعيد، فجأة، أحلاماً قديمة منسيّة».

* إشارة الاستطلاع

لين Lane الذي زَعم أنه أحب المصريين جداً، واختلط بهم، عندما أراد أن، يُعّبر عن مدى حبه هذا قال عنهم إنهم «من أكثر الشعوب إثارة للاستطلاع في هذا العالم». ألَيْسَت هي نفس الحجة التي ساقها برنارد لويس «حب الاستطلاع الفكري» لا اكثر ولا أقل، قالب موضوعي جاهز، وليذهب هؤلاء «المحليين» إلى الجحيم، لا يُهم.

وتحت هذهِ المِقْصَلة، أو ما عُرِف بحب ز الاستطلاع الفكري «سَرَدَ الكثير من الرحّالة تجنياتِهم، ورسموا صورهم بكثير من اللمسات الجارحة، وإن شًرَبتَ أحياناً بألوان باهتة من الحيادية المزعومة.

فرغم كل التقدير والاحترام والمساعَدَة الشخصية، التي تصل حد المخاطَرَة بحياتهم من أجل هذا الرحالة الغريب، إلا أن رفاق الرحلة أولئك خاصة البدو في حالة توماس وثيسجر، وقد مر بنا وَصف ثيسجر لهم، أما توماس فلم يتوان قط عن السخرية منهم ـ وقد مرت معنا نماذج من حواراتِه مع رفاقِه البسطاء - بل وَصفهم ثيسجر بالجَشَع بصريح العبارة: «أن البدوي يضرب به المَثَل في الجَشَع».

إن مقصلة حب الاستطلاع الفكري المزعوم «أو بالأحرى حب الاستطلاع الاستخباراتي «أرجَحَت هذا الرحالة» حالة توماس وثيسجر» ولين أن يتقمص مرة شخصية «المستَعْمِر» الصريحَة، الجارحَة، والتي لا تنقاد إلى إغراء النزعة العاطفية ومحاباة الذات، وبإحساس مليء بالتفوق بلا عقدة، والتعبير عن ذلك بكل صَراحة تصل حد الوَقاحَة. لاعبين بذلك لعبة الَغَلبَة للأقوى المتحضر، الأزلي. ومتقمصين أحياناً شخصية «الجنتلمان» الإنجليزي ككائِن بالغ التهذيب منوهين إلى «كآبَة» بعض المشاهِد التي مروا بها.

ألا تذكرنا، هاتين الشخصيتين، بشخصيتي دكتور جيكل والمستر هايد؟

لو تعمقنا قليلاً، وبقراءَة متأنية لما كتبه «توماس وثيسجر» فستتضح لنا ملامح هاتين الشخصّيتين بين ثنايا السطور خاصة في كتابات هؤلاء الرحالة الإنجليز «الرومانسيون» على حد تعبير روبرت كابلان Robert . D. Kaplan ، الذين وَصفهم لورانس ذاته بأنهم «عصبة من المغامرين بغير حدود، وجَدَوا أنفسهم في المواقع المؤثرة التي عاشوا فيها».

وهاهي نفس النوستالجيا التي اجتاحت ( توماس وثيسجر وبول بولز ) اجتاحت أيضاً لين Lane وفلوبير، الذي عبر عنها بمزيج من الارتياب والحنين عندما وَجَدَ نفسه يَقِف أمامَ قسطنطينية شبه أوروبية ستتغير أمامَها صورَة «شَرْقِهِ/ شرقي فكتب يقول: «أين صرتَ يا شرق ؟ لن يعود الشرق موجوداً عمّا قريب إلاّ في الشمس بعد مائة سنة، سيغرق «الحريم» تحت شلال القصص المسلسلة والمسرحيات الهزلية كل شيء يتزعزع هنا، كما عندنا، ومَن عاشَ طوَيلاً فَسَيَتسلّى».

نوستالجيا المستَعْمر، السلطوي، الأرستقراطي الذي يندب حظه الذي سيساويه بالآخر «المحلي» المستَعْمَر، وسيعكر صفو رؤيته الجمالية «توماس وثيسجر الغرائبية». النشوانية، المركزية ـ العرِقية المحضة، وهو يجد نفسه فجأة وجهاً لوَجه أمام هذا الفَناء الجميل، أو المرحلة الأخيرة قبل أن يصل ز التغيير المقيت «كما سماه ثيسجر.

تأليف: عمار السنجري