تشير المعلومات إلى أن أقدم اكتشاف لسجادة منسوجة باليد، هي تلك التي وجدتها حملة استكشافية روسية في جبال «التاي» في جنوب «سيبيريا» أثناء تنقيبها في مقبرة ملكية، وهذه السجادة الشهيرة معروفة باسم «بازيريك» وقد حفظها الجليد بشكل جيد، وكانت تستعمل كغطاء لسرك الملك، وهي مزدانة بزخارف ومنمنمات وأشكال فرسان وخيول ووعول، وتعود إلى القرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد، ما جعلها أقدم سجادة حيكت باليد عرفتها البشرية.

كما عرفت مناطق كثيرة في آسيا، صناعة السجاد، خاصة إيران، حيث كانت السجاجيد تزين قصور الساسانيين والعباسيين والسلاجقة والمغول. وثمة مناطق أخرى، عرفت هذه الحرفة منها: تركيا وجبال القوقاز وتركمانستان وأفغانستان وباكستان ونيبال الهند والصين، غير أن السجاد بلغ عند الإيرانيين شأناً عظيماً لدرجة أنهم كانوا يحيكونه بأغلى الأصواف والحرير وخيوط الذهب والفضة.

وقد حمل العرب المسلمون هذا الفن إلى الأندلس فأصبح لاسبانيا طرازها المميز من السجاد اليدوي، كما أنتجته غالبية الدول العربية والإسلامية.

يرى الباحثون أن السجاد التركي ظهر كتابع للسجاد الإيراني، إذ ان السلطان «سليمان الثاني» استقدم منتصف القرن السادس عشر من «تبريز» إلى تركيا الكثير من أسر حائكي الحرير، وأشهر هذه الصناعات جاءت من «بورصة». وبقيت صناعة السجاد ناشطة في الأناضول، وقد حل الصوف فيها محل الحرير، وقد صُدّرت السجاجيد والبسط، خاصة سجاجيد الصلاة إلى جميع أنحاء العالم.

كما ازدهرت صناعة السجاد الإسلامي في القيروان بتونس، وفي الجزائر والمغرب واسبانيا وتحتفظ متاحف كثيرة في العالم بنماذج من السجاد الإسلامي البديع في صنعته وفنه وزخارفه. والحقيقة المؤكدة ان صناعة السجاد وحياكته في إيران، وصلت إلى مرحلة الكمال بعد دخول الإسلام إليها، وتزايد الطلب على السجاد الإيراني، نتيجة احتكاك البلاد العربية والإسلامية بالغرب.

عند حلول القرن السابع عشر، كان عدد كبير من المراكز يعمل في إنتاج السجاد، وكانت هذه الحرفة في البداية حكراً على البلاط ثم تحولت إلى صناعة قومية واسعة الانتشار والأهمية.

الملاحظ في السجاد الإسلامي بشكل عام ولع الفنان والحرفي المسلمي بوضع رسوم السجاجيد بدقة كبيرة وعناية فائقة، ما جعل الخبراء يصنفون السجاجيد على أساس التصميم وليس على أساس مكان الصنع.

وبالعودة إلى تصاميم وطرز السجاجيد الإسلامية، نجد السجادة الزهرية والسجادة الحديقة، والسجادة الحيوانية، والميدالية، والمزهرية...إلخ. بمعنى أنها تُنسب إلى نوع تصميمها والأشكال والزخارف الداخلة فيه، أكثر مما تنسب إلى مكان صنعها الذي اشتهرت منه: تبريز، وسن، فرغانة، وقاشان.

استمرت صناعة السجاجيد المختلفة الاستعمال، العالية في فنها وتقنيتها وجودتها، في البلاد الإسلامية، خاصة في إيران وتركيا والمنطقة الواقعة بينهما، أي آسيا الصغرى، حيث نهضت بلاد إسلامية عديدة واستمرت هذه البلدان بانتاج السجاجيد والبسط حتى اليوم.

بدأ السجاد حاجة مادية بسيطة للإنسان، مثله مثل بقية الفنون والحرف والصناعات اليدوية الأخرى، ثم تطور ليجمع بين القيمة الفنية والقيم الاستعمالية وقد وصل السجاد في الشرق العربي الإسلامي إلى درجة عالية من الفن الرفيع المدهش والمتكامل العناصر والمقومات، إضافة إلى صنعته المتقنة، ما جعله يجمع بتوافق وانسجام، بين قيم فنية تعبيرية وجمالية كبيرة، وبين قيمة تقنية ومالية باهظة، جعلته وقفاً على الموسرين من الناس.

هذه المشغولات التي تُدرج تحت اصطلاح الحرفة أو الصنعة تارة، وتارة أخرى تُنسب إلى الفن التطبيقي، أو الفن الشعبي، والتي بدأت رحلتها من أجل تلبية حاجات إنسانية بسيطة، يرى فيها العالم الغربي نوعاً من الفنون التي تاه عنها، أو افتقدها في فورة التطور التقني المذهل، لذلك بات يبحث عنها ويطلبها بالحاح، لأنها تعيده إلى وهج المنجز الإنساني اليدوي الطافح بنبض الحياة ورعشاتها التي تضعه في مواجهة روحه وأحاسيسه التي تكلست أو تكاد!!

محمود شاهين