بالرغم من القواسم المشتركة لمظاهر شهر رمضان المبارك في كل الدول الإسلامية إلا ان المشهد الرمضاني في تركيا يبدو مختلفا إلى حد كبير وذلك لأسباب تاريخية وسياسية بالدرجة الأولى، حيث ساهمت التراكمات المتعددة التي رسختها سياسة سلاطين الدولة العثمانية في العصور الماضية في تكوين عقلية متميزة تعتبر الأصول التركية الإسلامية هي العنصر المهم في انتشار الإسلام في العصر الحديث.

مما أدى بدوره إلى بروز سلوكيات وممارسات تركز أساسا على العقيدة الدينية الإسلامية وذلك عبر المساجد المنتشرة في كل أرجاء تركيا والبالغ عددها حسب تقرير لوزارة الأوقاف التركية 77 ألف مسجد منها 2000 مسجد في اسطنبول وحدها.

وتحمل اسطنبول ألقاباً عديدة أهمها اسلامبول «ارض الإسلام» لأنها تحتضن أضخم وأروع الجوامع والمساجد معماريا وهندسيا إضافة إلى أنها اتخذت لفترة طويلة عاصمة الدولة الإسلامية استمرت أكثر من 5 قرون، ومن مظاهر ذلك ان القرآن الكريم دائم التلاوة فيها طوال اليوم وبدون انقطاع وذلك عبر جامع «طوبقابي» المسمى بالباب العالي علاوة على الأمانات النبوية المقدسة.

ويختلف شهر رمضان المبارك في اسطنبول نسبيا عن بقية المدن التركية وذلك لاعتبارات أهمها احتضانها للمساجد الرئيسية فيما يمارس أهلها عادات متميزة اعتمادا على روح الانتماء للدين الإسلامي والالتزام بقواعده بغض النظر عن السياسة العلمانية التي تتبناها الحكومة.

فقبل ثبوت الشهر الفضيل عبر التقويم الفلكي، يعبر الأتراك عن سعادتهم وفرحتهم بقدوم الشهر المبارك من خلال الزينات والأضواء التي تتزين بها جميع مآذن الجوامع بعد صلاة المغرب وحتى صلاة الفجر، كما وتعتبر صلاة التراويح التي تقام كل ليلة إضافة إلى إطلاق الزغاريد في المناطق الريفية والأناشيد الدينية في كل أرجاء الدولة إحدى الممارسات الضرورية لإكمال متطلبات شهر الصيام.

ومن المشاهد المميزة لشهر رمضان، الإقبال الكبير من قبل الأطفال والنساء وكبار السن بل والشباب على أداء صلاة التراويح بشكل ملفت للنظر بل وازدحام المساجد والجوامع عن بكيرة أبيها بالرغم من مساحاتها الكبيرة إضافة إلى قيام الأتراك المقتدرين ماليا بتوزيع الحلويات بأنواعها المختلفة على المصلين في نهاية صلاة التروايح.

ومن الانطباعات الواضحة الاحترام غير العادي الذي يكنه المواطن التركي للقرآن الكريم بحيث يكون مكانه متميزاً وبعيدا عن غيره من الكتب العادية وذلك احتراما وتقديسا له سواء كان ذلك في المكتب او المنزل.

ويبدأ مشوار قراءة القرآن من اليوم الأول بحيث يشترك مجموعات من المصلين بقراءة يومية مشتركة للقرآن الكريم، وفي نهاية الشهر الفضيل تكون كل مجموعة قد ختمت قراءته وفي الوقت نفسه يقومون بختم القرآن مرة أخرى في الأيام الأخيرة من رمضان ويعقب ذلك إقامة برامج دعاء ختم وذلك بمشاركة أئمة المساجد كل حسب المنطقة التي يتبعها.

ولم يغب عن بال الشعب التركي الاهتمام بالكتاب الإسلامي خلال شهر رمضان، حيث تنشر ظاهرة المعارض الدائمة طوال الشهر الكريم إضافة إلى عرض أصناف مختلفة من المصاحف وبكتابات وطباعات مختلفة بدءا من طبعة مكة المكرمة وانتهاء بطبعة تركيا المحلية حيث تتسابق جميع المكتبات في تقديم مصاحف متنوعة الحجم والخط.

ومن ابرز معارض الكتاب التي تقام حول أهم مساجد اسطنبول وخاصة جامع السلطان أحمد ويتزامن مع عرض الكتب توفر اللوحات والرسومات الدينية المذهبة المصنوعة في تركيا ومصر وسوريا والتي تجد إقبالاً كبيرا من قبل الأتراك.

وتضيف البرامج الدينية عبر المحطات التلفزيونية نكهة فريدة لخصوصية الشهر الفضيل حيث البرامج الثقافية الدينية والتلاوات المتعاقبة والتفسيرات المتعددة، ومن الظواهر البارزة تقديم برامج دينية خاصة قبل موعد الإفطار وقبل السحور أيضاً، ويضاف إلى ذلك العديد من البرامج الدينية مثل المسلسلات والأفلام الهادفة.

وفي الوقت نفسه تقدم المحطات الإذاعية باقات عديدة من البرامج الدينية خلال النهار وبعد الإفطار فيما تنقل بعضها شعائر صلاة التراويح والتعليق عليها بأحاديث دينية خاصة. وما زال المسحراتي الذي يستخدم الطبول الضخمة يجوب شوارع اسطنبول وخاصة في الضواحي حيث يبدأ عملة بعد الساعة الرابعة فجرا ويستمر حتى الخامسة اي قبل نصف ساعة من الموعد المحدد لآذان الفجر.

ومن الظواهر المنتشرة بشكل كبير الموائد الرمضانية التي تقام على نفقة اهل الخير حيث تنصب الخيام الضخمة في المناطق المزدحمة بالسكان وتقدم الأصناف المتنوعة من الوجبات والأكلات التركية المتشابهة إلى حد بعيد مع الأطعمة العربية والشرقية. ولا يقتصر الامر على الخيام الرمضانية بل هناك أيضاً ظاهرة انتشار الإفطار الجماعي في الفنادق والمطاعم الكبرى المنتشرة في كل أنحاء اسطنبول والتي تقدم أشهى المأكولات الشرقية والآسيوية.

ومن العادات الشعبية الشهيرة لدى الشعب التركي قيامه وخلال شهر رمضان من كل عام بزيارة جامع «الفاتح» الواقع في الجزء الأوروبي لاسطنبول والذي يحتضن «بردة» الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعد ان جلبها إلى المدينة السلطان سليم عقب رحلته إلى الشرق سنة 1516 ميلادية، ويشهد الجامع إقبالا كبيراً من الأتراك الذين يأتون من كل أنحاء تركيا لمعاينة الأمانة النبوية الطاهرة.

ويبدأ الأتراك إفطارهم اليومي بتناول التمور فيما تتضمن مائدة الإفطار على أصناف متعددة من الأجبان، الزيتون، الخضروات والطماطم، أصناف متعددة من المربى، بعض أصناف المحاشي مثل ورق العنب، أما الوجبة الرئيسية فيتم تقديمها بعد الانتهاء من تناول «المقبلات» الموجودة على المائدة مصحوبة بأكواب الشاي الضرورية خلال الإفطار. ومن خصوصيات شهر رمضان ظهور خبز الفطير الذي يطلق عليه «بيدا» ولا يظهر سوى خلال رمضان.

ومن أهم مظاهر احتفالات سكان اسطنبول بحلول رمضان وجبة ثالثة فيما بين الإفطار والسحور حيث تبدأ في تمام الساعة العاشرة ليلا وتستمر لمدة ساعة يتم خلالها تناول الخضروات والفواكه والحلويات التركية الشهية بأصنافها العديدة.

أما الأجواء الأسرية خلال الشهر المبارك فهي تعبر عن الالتزام بأبسط القواعد الإسلامية من حيث اجتماع الكبار والصغار على مائدة واحدة قبل فترة وجيزة من حلول آذان المغرب وعندها يقدم اكبر العائلة سنا الطعام للصغار تعبيرا عن الرعاية والاهتمام فيما يقوم الأزواج خلال أيام الشهر بتقديم الهدايا الخاصة لزوجاتهم تعبيرا عن المحبة وفي الوقت نفسه مطالبة كل منهما للأخر بالسماح إذا ما قصر في حق الطرف الأخر على اعتبار شهر رمضان هو للتسامح والمسامحة والود وتجديد الحياة الزوجية.

ويحتضن جامع السلطان أحمد «الجامع الأزرق» معارض الكتاب الإسلامي خلال شهر رمضان، ويعرض إضافة إلى الكتب، اللوحات والبراويز وأجهزة الحاسوب وقطعها والاسطوانات المدمجة والتمور والتوابل التركية وعجينة الكنافة وملابس النساء الإسلامية.

من جهة أخرى تعيش الجاليات الإسلامية في تركيا أجواء رمضانية طوال الشهر الفضيل حيث يلتقون على موائد جماعية يشارك فيها كل أفراد الجالية من التجار والطلبة والعائلات فيما يتم خلال تجمعاتهم تقديم المساعدات الخيرية للمحتاجين من الطلبة وغيرهم. ويشارك الاحتفالات بعض المقرئين القادمين من بعض الدول العربية لإحياء ليالي رمضان وإلقاء محاضرات وندوات دينية وثقافية تهم الجاليات العربية.

ويذكر ان الذين يصومون من الأتراك نحو 66% من عدد السكان البالغ 75 مليون نسمة منهم 23 مليون شاب من الذكور اعمارهم فوق الاثني عشر عاماً فيما تشير الإحصائيات إلى ان الذين يصومون عن إيمان راسخ تبلغ نسبتهم نحو 30% من العدد الاجمالي للصائمين حيث يوجد الكثير من يصومون بهدف تخفيف الوزن الزائد او انصياعا للعادات والتقاليد الاجتماعية السائدة. كما ان 40% من الأتراك يؤدون صلاة الجمعة.

اسطنبول - أميمة وجيه