يا نايم وحد الدايم
وقول نويت بكرة إن حييت
الشهر صايم والفجر قايم
رمضان كريم والله أكرم.
بهذه الكلمات الموروثة يطل علينا المسحراتي في ليل رمضان هدفه إيقاظ المسلمين لتناول السحور والصلاة عملا بقوله عليه الصلاة والسلام «تسحروا ففي السحور بركة»مستعينا بصوته الجهوري وطبله وعصاه.
ينادي ويطوف الشوارع ليلا دون تعب أو ملل وعلى الرغم من إدراكه بأن وسائل المدنية الحديثة قد أثرت على عمله وان مهنته في طريقها إلى الاندثار والركون إلى تراثنا الغارق في كتب التاريخ إلا أن المسحراتي لا يزال الرفيق الدائم الذي ننتظره مع شهر رمضان الفضيل والذكرى التي لا يمكن ان تزول من وجدان الكبار والصغار على حد سواء.
وعلى امتداد العالم الإسلامي اتخذ المسحرون اساليب مختلفة فمنهم من يوقظ النائمين مستخدما الناقوس وهو يقول تسحروا يا مسلمين ومنهم من يدق على باب البيت وهو ينادي على أهله كي يقوموا.
وقد أعاد المؤرخون تاريخ ظهور المسحراتي لأول مرة إلى القرن الرابع عشر وبالتحديد إلى العهد المملوكي وكان المتصوفون ورجال الدين أول من تطوعوا للقيام بدور المسحراتي ، حيث تنوعت آنذاك أقوال المسحراتي بين المدائح والأهازيج والموشحات الدينية التي يصدح بها بصوته ليشق صمت الليل موقظا المسلمين النيام داعيا إياهم إلى تناول السحور وأداء العبادات.
* طقوس خاصة
عمر الشامي مدير العلاقات العامة في فندق برج رقم واحد في دبي يرى أن المسحراتي مازال مرتبطا بقلوب الناس فهو شخصية بسيطة يعتمد في مهنته على الكلمات والأناشيد الخاصة بالمناسبة الدينية إضافة إلى انه يعمل متطوعا ولا ينتظر مردودا ماديا.
ويعتقد الشامي ان التطور العمراني والبنايات الشاهقة إضافة إلى الطفرة التكنولوجية الماثلة الآن قد أثرت على عمل المسحراتي وجعلته في طريقه إلى الانقراض فالناس باتت مشغولة ومتسمرة على شاشات التلفزيون والكمبيوتر ولم تعد قادرة في ظل وجود المباني الخرسانية سماع صوت الرجل الذي طالما انتظرنا قدومه بكل طقوسه المصاحبة والمحببة إلى قلوبنا، وأنهى الشامي كلامه معنا معبرا عن أسفه للعادات القديمة التي صاحبت رمضان على مدى قرون وتكاد الآن أن تصبح في طي النسيان.
أما عزة محمد وهي موظفة في حضانة جنة المستقبل في الشارقة فتقول أن ارتباط الناس بالمسحراتي قديما اقترن بحاجتهم إلى من يوقظهم من النوم في رمضان وقد ساعد على وجود المسحراتي افتقار المجتمعات إلى الوسائل المتاحة حاليا من المنبهات والتقنيات المستخدمة التي تساعدهم في النهوض من النوم.
مشيرة إلى أن شهر رمضان هو شهر الترابط والتراحم والألفة والمسحراتي بعمله هذا يدعم هذه الأواصر خاصة عندما يطوف الشوارع مناديا على أسماء أصحاب البيوت داعيا إياهم بلهجته وعباراته البسيطة أن يزيلوا بقايا النوم الباقية في جفونهم ، مؤكدة أن التطور الذي قضى على مهنة المسحراتي ووضعه في دهاليز الزمن الجميل لا يمكن أن تزيله فهو عالق في ثنايا الروح والوجدان ولا يمكن أن ننساه أبدا مهما حدث فهو الشخصية التي اجتذبت الكبار والصغار منذ ظهرت مهنته في عصر الدولة العباسية حتى الآن.
من جانبها تتذكر نجاة العبد «ربة منزل» كيف كان المسحراتي يطوف الشوارع ليلا دون خوف والأطفال حوله يحملون الفوانيس ويغنون على أنغام الطبلة : رمضان كريم جانا بخيراته، مضيفة أن المسحراتي كان من أهم الشخصيات التي ترافق شهر رمضان الفضيل لان طعام السحور مبارك ودعا إليه الرسول عليه السلام في أكثر من حديث شريف.
حيث قال «من أراد الصيام فليتسحر ولو بشربة ماء لذلك حرص المسلمون على النهوض وتعددت الوسائل التي استخدمت لتنبيه الصائمين منذ فجر الإسلام وحتى الآن ومع التطور الذي صاحب اتساع رقعة الدولة الإسلامية تفنن الناس في أساليب التسحير وبات لكل دولة طقوس خاصة إلا أنها متشابهة إلى حد بعيد خاصة في الهدف والوسيلة المتبعة.
مشيرة إلى انه على الرغم من قناعة البعض بأن الجميع مستيقظ ومتحلق أمام شاشة التلفزيون إلا أن المسحراتية في بعض الدول الإسلامية مازالوا متمسكين بمهنتهم حيث تجدهم في كل ليلة من ليالي رمضان الكريم قد خرجوا منادين بنداءاتهم المعهودة التي تعتمد على الأهازيج والكلمات البسيطة فالمسحراتي على الأغلب شخصية بسيطة ورغم ذلك ترى الناس مأخوذين بشخصيته ويعتبرونه البوصلة التي يهتدون عبرها للطريق القويم، داعية في السياق ذاته المحافظة على دور المسحراتي لأنه جزء من تاريخ الأجداد الذي يتطلب الحفاظ عليه في كل رمضان.
* دلالات تراثية
وتقول مريم صفر الهرمودي وهي طالبة في كلية تقنية الشارقة أنها تسمع عن المسحراتي باعتباره شخصية ذات دلالات تراثية تعبر عن عمق ومتانة العلاقات التي كانت تربط البشر مع بعضهم البعض، داعية أن يكون المسحراتي جزءاً من الطقوس الخاصة بشهر رمضان الفضيل في دولة الإمارات العربية المتحدة، منوهة ان اختفاءه من المجتمعات المسلمة في كثير من الدول مرده افتقاد المجتمعات للامان الذي كانوا يتمتعون به قديما.
نورا الأمير
